موسيقى, إبيريا, تاريخ

الفلامنكو، وليدة الشوق والنزوح

الفلامنكو معروف اليوم على أنّه من أنواع الموسيقى الإسپانية، وتتنافس على ريادته مدينتين من مدن الجنوب هي إشبيلية وغرناطة، كما يظنّه الآخرون نمط من موسيقى غجر الخيتانوس. لكنّ الواقع أنّها مدارس موسيقية منتشرة لا في جنوب إسپانيا وحسب؛ بل وكذلك شمالي المغرب والجزائر، خصوصاً في تطوان وطنجة ومدن أخرى مغاربية.

الفلامنكو في الواقع من أنواع الموسيقى الشمال أفريقية، وليدة امتزاج الشعبي الجزائري بالطرب الغرناطي والمرثيات الإشبيلية، وإشبيلية إمارة عجمية لا يذكرها اليوم أحد… ربّما لأنّها كانت إمارة مزدوجة الديانة من إمارات الأندلس، ذات ثقافة ثريّة لم تعترف بالعنصرية القوميّة. إشبيلية في الواقع وعقب زوال الحكم المغربي للأندس، انفردت بثقافة مزجت العربية باللاتينية الإيبرية فخرجت باللّغة العجمية (المستعربية)، ومزجت الإسلام بالمسيحية واليهودية حتى اعتبرتهم جميعاً مذاهباً لديانة واحدة، فانتشرت الزيجات المشتركة ما بين عائلات متعدّدة الديانة بشكل غاية الحبّ والألفة والجمال.

لكن، قبل أربعة قرون لاحقت قوانين قشتالة العنصرية فلاحي الأندلسية العرب والأمازيغ والعجم المستعربيّه. ابتداء من 1609 اتّهمتهم الدولة بعدم الإخلاص في كاثوليكيّتهم فقرّرت نفيهم عن أملاكهم. طُرد فلّاحوا إيبريا عن أراضيهم بمجرّد الشكّ بوجود ميول في قلوبهم صوب الإسلام أو اليهوديه أو حتى الأرثذكسيه. 

هكذا صار الموريسكو (المورو) نازحين في بلادهم، هائمين لا حقّ لهم بملكيّة حجر. وقعوا بين اختيار المنفى اغتراباً أو في أوطانهم. فهامت قلوب هؤلاء المطرودين المنكوبين يلتحقون بالغجر عسى أن لا يُطردون من البلد، ولقّبهم تينك الناس فِلاح-منكو أي الفلّاحين المنكوبين.

هؤلاء الفِلامنكو هاموا بلا وطن في أوطانهم، لا هم من غجرٍ ولا هم مواطنين، يتقنّعون واحدة ويتمنّون الأخرى، فعاشوا كما السحاب إن سخن الجوّ ارتقوا وإن بردت الأجواء انهمرت نفوسهم كما المطر. وبقيت من تراثهم أحزانهم سجلتها موسيقى الفلامنكو القديمة.

يذهب إلى هذه الفرضية بداية المحامي ”بلاس إنفانتي بيريث دي بارگاس“، وتعتمدها كذلك حكومة إقليم أندلوسيا في إسپانيا، وكان إنفانتي قد ناقشها في كتابه الذي نجده على هذا الرابط في الصفحة 166. ويمكن أن نقرأها كذلك في السيرة الذاتية المختصرة التي كتبها ”هِرّيرا“ عن حياة إنفانتي.

موسيقى الفلامنكو وُلدت بداية في أرياف إشبيلية، حيث بدأت مخيّمات الفلاحين المطرودين بالظهور، ويُعتبر الپالو سيكو (النمط الجاف) Palo Secos أقدم أنماط الفلامنكو على الإطلاق، وقد يكون هو النمط الناجي من الأنماط القديمة التي تطوّرت مع الزمن.

بالعموم، الفلامنكو بداية كان على عدّة مدارس: 

1. التونيا الصوتي Toñas على ”الپالو سيكو“ (سيكا) الذي نراه في الڤيديو من أداء ابن إشبيلية پاكو كانديلا Paco Candela. وقد تصاحب التونيا أحياناً آلة وتريّة كالگيتارّة؛ لكنّ الأساس هو الإيقاع فقط دون آلات موسيقية.

التونيا الإشبيلي التقليدي يؤدّيه ابن إشبيلية پاكو كانديلا Paco Candela.
التونيا الفلّاحي

2. المارچينيچه martinetes نمطٌ يسمّيه الناس شيوعاً بالحدّادين بسبب تشابه إيقاعاته مع ضربات مطارق الحدّادين على المعادن لتشكيلها. وإشبيلية في عزّها كانت مدينة صناعية ملأى بالحدّادين، لهم فيها مكانة عالية، فنُسجت أغلب قصائد المارچينيچه على طرقات حدّادي إشبيلية يصنعون السيوف لردّ الأعداء.

3. الكاركِلِره carceleras (الحبس) وأغاني الدِبله debla الشائعة في الاحتفالات والأعراس، وهي أغانٍ بأداء منفرد تؤدّيها راقصة واحدة. وكان يُظنّ أنّ هذه المدرسة مستوردة عن الغجر، ثمّ تبيّن اليوم أنّها من الفلامنكو الخالصة. وشاع الكاركِلِره بعد إكثار القشتاليّين من حبس المورسكيّين معتقلين بسبب شكوك في انتماءاتهم، فكان المحبوسون يطلقون قصائد الكاركِلِره يستجدوهم فيها أهلهم وأبناء عشائرهم أن يحضروا ويفتدوهم من الحبس. ولمّا كان السؤال عن أهل المحبوس ممنوع وقد يؤدّي نفسه إلى الحبس، صار الطلقاء يضربون قصائد الكاركِلِره في الأعراس عسى أن يسمعها أهل المحبوس فيفهمون المطلوب ويقومون الواجب.

دبلة غرناطة

4. السَيته saeta نمط من الأغاني العاطفية المليئة بالشغف. وهو النمط الوليد عن موسيقى يهود غرناطة وإشبيلية الباقين في البلاد بعد التحوّل إلى الكاثوليكية. لكن بالعموم، ليست أغاني السَيته من الفلامنكو الخالصة رغم احتوائها على بعض عناصر الفلامنكو أحياناً.

5. أخيراً: الكانته خوندو Cante jondo أي الأغاني العميقة وهو النمط الشائع اليوم حول العالم من الفلامنكو الشعبية.

على جانب آخر، الفلامنكو بالأساس رقصات إيقاعية؛ جنائزية وشديدة الحزن، لم تكن ذات موسيقى بالبداية، تعلّقت فيها لاحقاً القصائد الحزينة المغنّاة كمرثاة، ثمّ غلّفت إطارها الموسيقى، لنجد الفلامنكو المعروفة اليوم.

في الڤيديو التالي نشاهد مثالاً عن تانگو الفلامنكو الأصيل، بدون مرافقة موسيقية، مع اتباع القواعد الإيقاعية للقدمين واليدين، رغم إطار الارتجال. لكنّ الفلامنكو حقيقة مبني على قواعد نحويّة كاللّغة تماماً؛ تدفع رقصات النساء للتناغم والانسجام حتى في حضور الارتجال، ودون تنسيق مسبق.

مثال عن تانگو الفلامنكو الأصيل، ڤيديو الرقصة من تنسيق الكورياگراف لورا ستانگَنيني، مسرح پيترو أريتينو سنة 2012.
تانگو غرناطة

وحيث كان الكلام ممنوعاً والقمع عميم. تتلو النساء قصائد الفلامنكو بالحركات دون كلمات منطوقة، حيث تجسّد مفرداتها حركات الأيدي والأصابع والأرساغ والمعاصم، وتغلّف عباراتها فواصل الأكتاف والأرداف. هكذا تناقل الفلامنكو مرثياتهم وعواطفهم دون استعمال كلمات تنطقها الألسن.

ونشاهد بوضوح دوام ظهور اللّونين الأحمر والأسود في جميع رقصات الفلامنكو، إذ وبينما يرمز الأسود إلى شدّة الحزن على عظم النكبة التي أصابت أهل الأندلسية، يرمز اللّون الأحمر إلى عنب إشبيلية ورمّان غرناطة، ما يجري في شرايين كلّ قصائد الغزل الأندلسية على الإطلاق، تلك التي تدور في ظلال جميلة نساء الأندلسية؛ وردة غرناطة الجوريّة، التي نراها في تصميم ثياب نساء الفلامنكو التقليدية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s