المعرّة، عاصمة الشمال السوري الاقتصادية، منذ العهد الهيليني قبل الميلاد وحتى القرن 17

تم النشر في
HyperFocal: -1779235328

سنة 2010 جلت في رحلة داخل محافظة إدلب؛ أتنقل بين قراها ومدنها وأتعرّف على الكمّ الهائل من الآثار فيها… كانت رحلة بلا خريطة تقودني وأصدقائي فيها إشارات الطرقات، إن وُجدت، وإن غابت نتبع مسار الطريق الزراعي أيم يأخذنا.

كنّا في الجنّة، جنان حولنا حيثما نعبر، وأفق يملأه الخير أينما ننظر، وناس بشوشة قد تقدّم لك من منتوج أرضها حتّى من دون طلب… متى سمعت لهجتنا الغريبة. وهذه ضيافة كريمة زرعت فيّ حبّ تلك المنطقة وأهلها وبلداتها، وأبقت فيّ دائماً أمنية بالخير، الذي أرجوه لكلّ من أنبتته تلك الأرض الطيّبة.

ما أعرفه عن معرّة النعمان أنّها واحدة من أقدم مواطن العالم لزراعة العدس، الذي لم تزل تنتجه أرضها حتّى اليوم. والعدس قديم في المعرّة حتّى كان خبز المعرّة يعجن من طحين العدس قبل وصول الحنطة والشعير إلى المنطقة، ولم تزل الرحى الحجرية الكبيرة تنتظر في بعض مواقعها الأثرية طيلة آلاف السنين.

إضافة إلى العدس تُخرج أرض المعرّة القمح والشعير والحمّص والكمّون وحبّة البركة والشوندر السكّري والبطاطا والقطن والكزبرة إلى جانب الخضار الشتوية.

قبل 4500 سنة سادت سلطة الكنعانيين (الفينيقيّين) على المعرّة وكلّ البلدات من حولها، فأسّس الفينيقيّون في بلدة أرمناز صناعاتهم الزجاجية التي أبهرت العالم أنذاك، وصارت المعرّة هي المركز التجاري الرئيسي لتجارة صناعات الزجاج الفينيقي وموادها الخام، طالما أنها انتشرت من أرمناز إلى بعض البلدات بينها والمعرّة، وكانت هذه المنطقة هي مسقط رأس الزجاج الملوّن المعروض اليوم في متحف بيروت، كأهمّ بدائع صناعات الفينيقيّين.

طوال ألف سنة تالية لم يصنع الفينيقيّين زجاجهم الملوّن إلا في أرمناز وما حولها، وكلّ ما وصل أسواق وبيوت وقصور صيدا وصور وإيطاليا وتونس ومصر واليونان وحتى بريطانيا، كان من إنتاج المنطقة ما بين المعرّة وأرمناز.

كان اسم معرّة النعمان في العهد الروماني أرّا arra ذات الاسم المستعار عن الإغريقية “را” να بمعنى المسار القديم، لكونها مدينة قديمة أعيد إحياؤها في العصر الهيليني كمحطة تجارية ما بين حلب وأفاميا. لكن، وفي الواقع، المعرّة واحدة من أقدم مواطن سكن الإنسان في العالم، ولا يُعرف اسمها السابق للفترة الهيلينية. لكن يُعتقد أنّ اسم “العرق”، المشروب السوري الشهير، مستمدّ من اسم المعرّة الإغريقي. وخلال العصر البيزنطي سُمّيت المعرّة “مارّه” Marre وهو الاسم ذاته الذي استعمله الصليبيون عليها.

حتى القرن العاشر تشير تدوينات الجغرافي إبراهيم الفارسي الإصطخري سنة 951 إلى المعرّة كأوفر بلدات المنطقة بالخير، ويعدّد محاصلها آنذاك فيذكر أعداداً هائلة من أشجار التين والزيتون واللّوز والفستق الحلبي والأعناب. في الواقع كانت أهمّ صادرات المعرّة آنذاك هي نبيذ العنب والعرق والتين المجفّف. كما يذكر المعرّة الشاعر الفارسي ناصر خسرو قبادیانی سنة 1047 بأنها البازار النشيط المزدحم الذي لا يعرف النوم.

سنة 1098 حاصر معرّة النعمان الصليبيّون الفرنسيّون أشهراً حتى استسلمت، وكانت أغلب القوات الفرنسية آنذاك من فقراء الفرنسيّين الجوعى. وما إن دخلت القوّات الصليبية المعرّة حتى أغلقتها وبدأت بإبادة السكّان، فتمّ طبخ الرجال والنساء في قدور البلو المخصّصة للسليقة، كما تمّ شيّ الأطفال على النار كالفرائس، وأكلهم. استمرّت هذه المجزرة شهراً كاملاً حتّى أكل الصليبيّون أهل المعرّة جميعاً، بالمعنى الحرفي للكلمة. ثمّ أحرقوا بيوت المدينة وأشجارها كلّها وهدموا سورها القديم وتركوها.

قد تبدو هذه الحكاية غير قابلة للتصديق لكنّها وقائع حقّقها المؤرّخ الأميركي رالف كين Ralph Keen، عن تدوينات المؤرخ الفرنسي رادولف كاين المرافق للحملة، وكذلك تدوينات القس الصليبي فوشيه الشارتري Foucher de Chartres الذي صار قسيس القدس بعد تنصيب بلدوين عليها سنة 1100. والأستاذ كين رئيس مؤسّسة آرثر شميت للدراسات الكاثوليكية وأستاذ التاريخ في جامعة UIC في شيكاگو. وعلى الأغلب، أنّ هذه الكارثة نهاية القرن الحادي عشر، هي ما قضى على أغلب الزراعات والصناعات القديمة التي كانت تختصّ بها المعرّة.

في الثلث الأوّل من العصر الإسلامي أسمى العبّاسيون المعرّة بـ”العواصم” بينما منحها الناس اسم معرّة النعمان نسبة إلى أوّل حاكم مسلم للمدينة اسمه “النعمان بن بشير الأنصاري” وهو صحابيّ من الخزرج، وكان النعمان قد امتلك المعرّة وحكم منها ولاية حمص سنة 680 ثمّ قُتل على إثر فتنة ابن الزبير سنة 684. وفي بداية عهد النعمان قالت الناس “معرّة حمص” ثمّ درجت على اسم “معرّة النعمان” لشهرة حكاية انقلابه على البيت الأموي ومقتله سريعاً بعدها.

في المعرّة مسجد كبيرة من أندر الكنوز المعمارية في سوريا، إذ هو من أماكن العبادة القليلة التي بقيت على حالها معمارياً طوال آلاف السنين. يسمّى المسجد بالجامع الكبير وكان أساساً معبداً لديانة ميثرا قبل تحوّله إلى كاتدرائية مسيحية في القرن الرابع، ثمّ تحوّل إلى مسجد سنة 638. مع ذلك لم يطرأ أي تغيير يُذكر على عمارة المبنى قبل العهد الأيوبي خلال القرن الثاني عشر، حين بُينت للمسجد منارة أول مرة وصارت تُستعمل مئذنة، ثمّ تمّ تجديد وإعادة بناء حرميّ المسجد خلال العهد المملوكي سنة 1373. 

وكان مهد المسجد في السابق على هضبة صنعية تصعد إليها الناس على ثلاث عشر درجة، بينما تنزل إليها الناس اليوم على ست عشر درجة، ما يعني أنّ منسوب المدينة قد ارتفع بالكامل بسبب مراحل إعادة بنائها. بحسب الأستاذ أحمد غريب، أمين متحف المعرّة الآثاري سنة 2010.

خلال المنتصف الثاني من القرن 17 احتاج الصدر الأعظم كپرولی پاشا (وزير السلطنة العثمانية) إلى وقف لتمويل الحرمين الشريفين في الحجاز، فأسّس مدينة إدلب وأعفاها من الضرائب ورسوم التجارة الخارجية وكرّس مواردها للإنفاق على الحرمين، وانتقلت سوق المنطقة الرئيسية بالتالي من مدينة المعرّة إلى إدلب الجديدة.

للمعرّة تاريخ ضخم لا تسعه تدوينة، لكن يكفينا أن نتذكّر على الدوام أنّها منبع الزجاج الفينيقي والعرق والعدس، وأنّ دماثة أهلها أطيب من العسل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك