الوردة الدمشقية وتاريخها الجزل

تم النشر في

لطالما اشتُهرت الوردة الدمشقيّة حول العالم بسبب زيتها الثمين، المستخدم في صناعات العطور والمنكّهات. ويدخل زيت الورد اليوم في الكثير من الصناعات الغذائية، كالشاي والمربيات والحلويات… كما كان تماماً خلال حياة أمارة قرطبة الأموية في الأندلس. 

الوردة الدمشقية الأصلية
الوردة الدمشقية الأصلية

تاريخ زراعة وحصاد الوردة الدمشقيّة غير معروف تماماً، لكن سعة انتشارها وباسمها المنسوب إلى دمشق يدلّ على أنّ زراعتها قديمة بقِدم آلاف السنين. ففي اللّغة المحليّة لجزيرة هواي في المحيط الهادئ، تُعرف الوردة الدمشقيّة منذ آلاف السنين باسم لوكِلَني Lokelani وهي الزهرة الرسميّة لجزيرة ماوي ورمزها الوطني، نسبة إلى ديانة قديمة كانت تنتشر على الجزيرة وتتّخذ من وردة لوكِلَني رمزاً للمعبودة الأنثى.

الوردة الماوية Lokelani
الوردة الماوية Lokelani

بكلّ حال، بدأت الناس بحصاد هذه الوردة عن النباتات النابتة بريّاً، دون زراعة. فنشأت صناعة العطور والماورد (ماء الورد)، ثمّ تعلّمت الناس زراعتها وانتشرت.

وصلت صناعات زراعة الوردة الدمشقيّة وسط آسيا قبل الإسلام، وعلى الأغلب أنّها وصلت خلال حياة المملكة السلوقية أو قبلها خلال حياة الإمبراطورية الأسوريّة-الأخمينيّة قبل 2600 سنة. ونتج عن زراعة الوردة الدمشقيّة في وسط آسيا الوردة البخارية، المعروفة اليوم باسم وردة فِدچِنكوانا fedtschenkoana نسبة إلى اسم العالمة الروسيّة التي صنّفتها. وانتشرت زراعة هذه الوردة في تُركستان على جميع جبال وسط آسيا وشمال غرب الصين.

الوردة البخارية (التركستانية) fedtschenkoana
الوردة البخارية (التركستانية) fedtschenkoana

ومن سوريا، وخلال القرن الثاني خلال فترة الحكم الروماني لبريطانيا؛ نقل جنود الكتيبة الرومانيّة الحمويّة معهم الوردة الدمشقية إلى وسط بريطانيا. وكانت المملكة الحمويّة آنذاك تسيطر على وادي العاصي وجبل سمعان وجبال تدمر وجبال قلمون وصولاً إلى دمشق. ويشير المستكشف الأميركي جورج پُنتَم George P. Putnam إلى أنّ الحموية نشروا زراعة الوردة الدمشقية في مستوطناتهم الرومانية جميعاً في إنگلترا كنبتة منزلية. لاحقاً، صارت الوردة الدمشقي رمزاً للعائلات الملكيّة في بريطانيا، تتداولنها على المستوى السياسيّ.

مع ذلك، وعلى الرغم من انتشارها في بريطانيا، لم تصل زراعة الوردة الدمشقيّة فرنسا حتى القرن الثاني عشر، حين نقلها معه الصليبيّ روبرت دى بري Robert I, Count of Dreux بعد المشاركة في حصار دمشق سنة 1148. ومن فرنسا انتشرت زراعة الوردة الدمشقيّة في العالم الكاثوليكيّ حتى صارت صناعةً ذات أصول في مملكة قشتالة الإسپانية، فنتجت عنها الوردة القشتالية المتطوّرة عن الوردة الغالية (گالّيكه). وهي ما نعرفه اليوم شيوعاً باسم الوردة الفرنسية.

الوردة الغالية (گاليكا) gallica الشائعة باسم الفرنسية
الوردة الغالية (گاليكا) gallica الشائعة باسم الفرنسية

لكنّ الجالية السوريّة المسلمة في الأندلس ومنذ القرن التاسع، كانت قد طوّرت صناعة عظيمة لزيت الوردة الدمشقيّة الأصليّة، وخاصة في طائفة (مملكة) سَرَقُسطة. فانتشر استعمال الماورد في جميع الحلويّات الأندلسيّة على الإطلاق، وصارت سرقُسطة، ثم مملكتيّ إشبيليّة وغرناطة، أهمّ المصادر الصناعية للماورد. حتّى أنّ رائحة الماورد صارت آنذاك الرائحة الدبلوماسية الرسمية لمجالس الملوك والأمراء، وصارت الوردة الدمشقيّة الحمراء رمزاً سياسيّاً لإشبيليّة وغرناطة، وعنصر أساسيّ في تصميم ثياب الفلامنكو لاحقاً.

وصلت عادة شرب الماء مع الماورد دمشق من جديد مع النازحين اليهود والمسلمين من غرناطة خلال القرن السادس عشر، وكان اليهود النازحون عن غرناطة قد استقرّوا في القسم الشرقي من مدينة دمشق القديمة؛ ما يُعرف اليوم بحيّ الأمين. وصارت النساء الدمشقيات تستحسن لبس ثياب بتصاميم مزيّنة بالوردة الدمشقيّة، بناء على تصاميم بنات النازحين الغرناطيات. في الواقع، أثّر وصول اللاجئين الغرناطيّين إلى دمشق في جميع نواحي الحياة الدمشقيّة آنذاك، فصاروا المصدر الأساسيّ للموضة والمأكل والعادات الاجتماعية الراقية. أمّا في إسپانيا فقد انتشرت الوردة القشتالية على حساب الدمشقيّة الأصلية مع تمدّد الممالك المسيحيّة على شبه الجزيرة الإسپانيّة.

الوردة القشتالية Rosal de Castilla
الوردة القشتالية Rosal de Castilla

وخلال حياة مملكة كابل البوذيّة في أفغانستان، المعروفة اليوم باسم تورك شاهي (المملكة التركية)، انتشرت ما بين القرنين السابع والتاسع في كابُل زراعة الوردة الدمشقيّة ذاتها (وليس البخارية) مستوردة من دمشق. ثمّ زالت زراعتها مع الفتح العبّاسي، لتعود لاحقاً باستعمال الوردة البخاريّة فِدچِنكوانا. لكن، وبعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان سعت جهات أفغانية سنة 2005 لإحياء زراعة الوردة الدمشقيّة الأصليّة في كابُل من جديد لمقاومة الحاجة لزراعة الأفيون، وعادت فعلاً تجارة وتصدير زيت الورد الأفغاني إلى الأسواق، وخاصّة الأميركية.

الوردة الدمشقية تاريخ عظيم من الرقيّ الاجتماعي والتبادل الثقافي. وبرغم بقاء تاريخ اختراع الماورد مجهولاً حتى اليوم، لكن يستمرّ هذا المُنتج المذهل في عالم الصيدلة في إثارة إعجاب العالم وزيادة انتشار الطلب عليه.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك