معالم, إتيمولوجي, سوريا, عمارة

نواعير حماة، من وادي العاصي إلى العالم

لطالما سحرني هذا المنظر. ولطالما ثار في نفسي تساؤل عن أثر وجود هذه النواعير في نفوس أهل حماة وعواطفهم. هذا الوجود الممتدّ لثلاثة آلاف وخمسمئة سنة على الأقل.

نموذج من نواعير حماة
نموذج من نواعير حماة

يشير علم الآثار إلى أنّ أقدم توثيق مكتشف للنواعير في العالم عُثر عليه في لوحة موزاييك من مدينة أفاميا المهجورة، يعود تاريخها إلى سنة 469 ق.م، أي إلى نحو 2500 سنة مضت خلال العهد الأخميني، ومع ذلك، تعتقد أدريانا ميراندا في كتابها L’ERMA di BRETSCHNEIDER بعودة تاريخ النواعير على حوض العاصي إلى تاريخ يسبق لوحة موزاييك أفاميا بألف عام. وعنوان الكتاب بالعربية ”عجلات الماء (النواعير)، العمارة المائية في الأراضي السورية“.

ابتكار النواعير كان تلبية لحاجة فرضتها بيئة وشكل الأراضي الزراعية في وادي العاصي، حيث ينخفض مستوى جريان وتجمّع الماء عن أغلب الأراضي الخصبة من حوله. هذا الحلّ؛ النواعير، رفع الماء بطاقة ذاتية إلى مساحات زراعية أوسع، كما ساهم لاحقاً بإيصال الماء إلى أبعد نقطة عن مجرى النهر دون أيّ جهد من السكّان، لأنّ الرفع منح الماء طاقة مبعثها الجاذبية، ومن ثمّ تركها تجري في قنوات بناها الحموية عبر جميع الأحياء السكنية.

وبناء على كلام ميراندا وما اكتشفته؛ تكون النواعير اختراعاً عربيّاً كنعانيّاً، بدأ من على مجرى نهر العاصي، لتسهيل ريّ وزراعة الجبال والمرتفعات المحيطة بالوادي مستفيداً من طاقة المياه نفسها. وانتشر من منطقة العاصي ليملأ ربّما العالم كاملاً فيما بعد… في الواقع لم تخرج تكنولوجيا النواعير من منطقة العاصي قبل العصر الهيليني، حيث استعار مهندسو مملكة مصر الپطُلمية الإغريق تقنيّة النواعير من حماة لتطبيقها في مصر السفلى خلال القرن الثاني قبل الميلاد (قبل 2100 سنة)، وكان الغرض الأساسي من استعمالها بداية هو تفريغ الأراضي من المياه المالحة.

واستعار الإغريق كذلك ذات التسمية الحموية للناعورة آنذاك ”ساقية“ لتدخل اللّغة الإغريقية بصيغة ”ساكيا“ σακιά، وهذه الساكيا الإغريقية هي التي شاعت بتصميمها في شمال أوروپا وتطوّرت فيها حتى اليوم… لاحظ استخدام الحمويين لكلمة عربية واضحة لتسمية النواعير، وقبل العصر الهيليني بقرون، كلمة ساقية، تصريف على وزن فاعلة.

حوالي سنة 300 بعد الميلاد أضاف الحموية تطويراً على النواعير، فاستبدلوا صناديق زقّ الماء الخشبية بأوانٍ من الفخّار مثبّتة على المحيط الخارجي للناعورة، بينما كانت سابقاً وقبل تطبيق هذا الاختراع تزقّ الماء من طريق صناديق مبنيّة في جسم الناعورة الخشبي. هذا النموذج استعاره البيزنطيون لاحقاً لينتشر عن طريقهم في البلقان وفي شرق أوروپا. إذ كان البيزنطيون أوّل من نقل فكرة النواعير عن الحموية إلى أوروپا، وأسّسوا لها مصانع تنفق عليها الدولة. في حماة وخارجها. في عموم الإمبراطورية البيزنطية.

مع توسّع الإمبراطوريّة العربيّة في العهد الإسلامي، وحيث حلّ مزارعون مهاجرون من وادي العاصي، انتشرت معهم تكنولوجيا النواعير الحمويّة. إذ أسّسوا لها مصنعاً في مدينة البصرة جنوب العراق خلال القرن السابع، كما نقلوها معهم إلى مدينة مُرسيا على ساحل إسپانيا الشرقي، والتي كانت في الأساس قاعدة عسكريّة أمويّة لكتيبة سوريّة يقال أنّها من حمص، فقد يكون المقصد من مدينة حمص، أو من ولاية حمص، التي شملت آنذاك كلّ المساحة ما بين معرّة النعمان ودمشق.

وانتقلت صناعة الناعورة كذلك إلى مدينة پاليرمو حين كانت عربية وغيرها من مدن صقلّيّة خلال فترة الحكم الإسلامي الأفريقي فيها، وكانت تلك المصانع جميعاً مملوكة لعائلات من مهاجرين سوريّين كذلك. وبحلول القرن 11 شاعت مصانع النواعير في كلّ منطقة حكمتها حكومة مسلمة حول العالم القديم، علماً أنّ أغلب مهندسيها آنذاك كانوا مصادفة من المسيحيّين السريان. ولا بدّ أنّ عادات العرب في احتكار الصنعة وراثة في العائلة لها دور في بقاء صناعة النواعير في أيادي المسيحيّين لوقت طويل.

خلال العهد الأيّوبي في القرن 12 أضاف الحموية إلى نواعيرهم تطويراً جديداً حين استبدلوا الهيكل الخشبي بهيكل من الحديد. وشرعوا يضاعفون من حجومها وأقطارها حتّى تفوّقت نواعير حماة على كلّ مثيلاتها حول العالم، ولم تزل إلى اليوم أكبر النواعير الأيّوبية باقية في حماة بقطر 21,7 متر ويسمّيها الناس بالناعورة المحمّدية، هذه المحمّدية (أي العظمى) كان اسمها الرسمي يوم تركيبها هو الناعورة الذهبيّة. وتزن هذه المحمّدية خمسين طنّاً وتزقّ نحو 2400 ليتر من الماء في كلّ دورة، أيّ كلّ 20 ثانية… وقُبيل العصر الأيّوبي بدأ يشيع بين الناس اسم ”الناعورة“ بديلاً عن اسمها السابق ”الساقية“ بسبب صوت النعير المتصاعد عنها مع تنامي حجومها وأوزانها.

تفاصيل أجزاء جهاز الناعورة
تفاصيل أجزاء جهاز الناعورة – المصدر

ما بين القرنين 11 و13 كانت النواعير هي عماد طاقة الصناعة الرئيسة جنوب أوروپا، واستثمرت لها الحكومات العربية مصانع عملاقة في الأندلس، وخاصّة في منطقة قرطاجنّة حيث لم يزل الناس تسمّيها وحتى اليوم ”ناعورة الدم“ noria de sangre بسبب شدّة تأثيرها على الحياة في مجتمعات مُرسيا. إذ أنّ تطبيقات الناعورة تطوّرت عن مجرّد ناقل للمياه لتصبح مصدر طاقة تشغيل مطاحن الحبوب، والعجن، ومشاغل الزجاج، وكان لها دور كذلك في مشاغل النحاس والتعدين.

اليوم، وبعد أن ملأتها قديماً مئات النواعير، بقي في مدينة حماة 17 ناعورة فقط، غير مستخدمة في الري، ولكن كانت قد سجّلتها اليونيسكو على قائمة مواقع التراث العالمي سنة 1999 لحمايتها من الزوال. وبالإضافة إلى حماة، توجد النواعير في الكثير غيرها من المدن السورية، مع أنّ الجهود المبذولة للحفاظ عليها ضعيفة جداً.

واحدة من أهمّ ما بقي من آلات الماء العربية، وهي واحدة من أهمّ ما بقي من تراث الجزري في دمشق والعالم.

مخطوطة ناعورة دمشق في كتاب الجزري
مخطوطة ناعورة دمشق في كتاب الجزري

بعد أن أنشأ آل قُدامة النابلسيّون قريتهم الصالحيّة في موضع قرية دير النخل المهجورة على سفح جبل قاسيون، بنى ابن الشيخ أحمد المقدسي؛ الشيخ أبو عمر، سنة 1157 مدرسته المعروفة بالعمريّة إلى جوار دير الحنابلة؛ وكانت همّة أبي عمر وعزيمته لا تفتر؛ فبنى مع المدرسة مصنعَ ماءٍ جعله تحتها، أي ناعورة، ولم تزل قائمة إلى اليوم يسمّيها أغلب الناس بطاحونة الماء.

وكانت الناعورة العمريّة من تصميم الميكانيكي بديع الزمان أَبُو اَلْعِزِ بْنُ إسْماعِيلِ بْنُ الرِّزاز الملقّب بالجزري. وهي الجهاز الثالث لرفع الماء من نموذج المضخّة الساقية التي سمّاها الجزري في كتابه “مضخّة الزنجير والدلاء”. وكان الجزري قد صمّم الناعورة بناء على طلب الشيخ أبو عمر المقدسيّ وحضر إلى دمشق وأشرف بنفسه على إنشائها وتنفيذها.

ناعورة جامع الشيخ محيي الدين في دمشق
ناعورة جامع الشيخ محيي الدين في دمشق

استُنسخت الناعورة العمريّة سنة 1248 ضمن مشروع بناء البيمارستان القيمري، أقدم منشأة للطبّ النفسي في دمشق. ثمّ استُخدمت هذه النسخة الثانية كذلك لتوريد المياه إلى مسجد الشيخ محيي الدين بن عربي (جامع الخنكار).

واستُنسخت الناعورة العمرية مرّة ثالثة (ربّما في القرن 16) لمصلحة جامع الخنكار ولاستخدامها كمطحنة حبوب؛ في نفس الشارع على نهر يزيد، فصار كلّ الزقاق يسمّى باسم زقاق النواعير، لتعدّد النواعير فيه.

سنة 1985 بُنيت في حلب نسخة مصغّرة إلى النصف عن الناعورة العمريّة؛ مستنسخة عن ناعورة الشيخ محي الدين (أحدث نسخة)، في إطار أنشطة الجمعية السوريّة لتاريخ العلوم. وهي اليوم في متحف الآلات ضمن معهد التراث العلمي العربي في حلب. وهذه الصور سحبتها عن مخطوط أبو العزّ بن إسماعيل الجزريّ. الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل. والمخطوط مقدّم للمشاع من معهد التراث العلميّ العربيّ.

هذه الآلات، ينبغي أن يتعلّم عنها أطفالنا، وأن نخبرهم أنّ العرب أكثر من أبدع من شعوب العالم، في استغلال طاقة الماء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s