مهارات التعاطف الدافئ

تم النشر في
التعاطف
لوحة من إبداع simon_prades

تدوينة أحببت طرحها أرى أنّ محتواها مهمّ في ظروفنا الحالية، وقد بات أغلبنا يتململ من ضغوط الحجر الصحّي وصرنا نخسر علاقاتنا الاجتماعية كخريف ورق الشجر… لذا أجريت بحثاً وكتبت بنتيجته هذه التدوينة، التي نشرت فيها مهارات التعاطف الإيجابي.

وكتلخيص للتدوينة، إن لم ترغب بقراءة التفاصل، عشر نقاط سريعة تختصر سلوكيات التعاطف الإيجابي أي ”التداخل الوجداني“.

لكي تقدّم تعاطفاً دافئاً يقرّبك من الناس:

  1. لا تقدّم نصيحة لموجوع ما لم يطلبها، المبادرة بتقديم النصيحة ليس فيها تعبير عن الاهتمام.
  2. لا تقترح حلولاً على موجوع طالما لم يطلبها بشكل واضح ومباشر.
  3. اترك الموجوع يروي قصّته دون مقاطعة ودون تسرّع في تقديم الأحكام والنصائح، مع الإصغاء الجيد.
  4. أظهر اهتمامك بموضوع الموجوع من خلال طرح أسئلة تحت عنوان ”أنا مهتمّ بوجهة نظرك“ تشجّعه على تقديم المزيد من التفاصيل.
  5. أثناء الإصغاء؛ ابتعد عن الأسئلة التهكّمية التي تُظهر انتقاداً ونقداً بين طيّاتها.
  6. تعرّف على أفكار الموجوع ومعاناته أوّلاً، ثمّ تعرّف على احتياجاته ثانياً.
  7. لا تطلب من المشتكي خفض صوته والامتناع عن الكلمات البذيئة أثناء التعبير عن الألم، يجب عدم عقاب المشتكي على طريقة طرح الشكوى.
  8. قبل طرح أيّ نصيحة قدّم عبارات تضامنية قويّة كمثل ”معك حق“، و”حقّك تزعل وتعصّب“، و”فعلاً شيء مزعج ومؤلم“.
  9. طمئن الموجوع إلى أنّ شكواه مفهومة والأمور ستسير إلى الأفضل من خلال استخدام عبارات كمثل “اطمئن محلولة” و“كل شي ماشي للأفضل بالتأكيد”.
  10. انتظر طلب الموجوع للنصيحة قبل طرحها، واستأذن قبل تقديم النصيحة بعبارات من قبيل ”أنا معك، شو بتحب أعمل؟“.
Artwork by @mynameistran IG
Artwork by @mynameistran IG

ونبدأ الغوص في التفاصيل مع تعريف التعاطف الإيجابي:

التعاطف، هو سلوك أساسي من تصرّفاتنا الاجتماعية اليومية التي نتفاعل من خلالها مع الآخرين. فنمنح الآخر قيمة لنا في حياته، تدفعه للإبقاء علينا وللحفاظ على تواصلنا. وفي الواقع، التعاطف سمة مميّزة من مميّزات الإنسان ككائن اجتماعي، تميّزه عن الكثير من كائنات هذا الكوكب، وتدفعه تالياً للشروع بالتعاضد والتضامن.

يعتقد أغلبنا بأنّنا إنسانيّون، محترفون بممارسة التعاطف بالفطرة. كيف لا؟ ونحن نتأثر بصورة طفل حزين فنحزن لحزنه، ونفرح تلقائياً لفرح الناس مشاركين الآخرين سعادتهم… لكنّ علم الاجتماع أثبت بالقياس والتجربة أنّ التعاطف كسلوك هو أندر السلوكيّات نجاحاً بين تصرّفات البشر، على الرغم من وجود التعاطف كمشاعر أصليّة في الطبيعة البشريّة على الأغلب، يجيدها أغلبنا داخلياً دون تدريب.

فما هو الفرق؟ ولماذا نفشل غالباً في التعبير عن تعاطفنا مع الآخر؟

التعاطف كطبيعة بشرية يساعدنا على فهم مشاعر الآخر، ويعيننا على عكسها كسطح مرآة، أو استنساخها وتقليدها؛ بتلقائيّة وعفويّة لا تفكير فيها. التعاطف كمشاعر وأحاسيس جزء أكيد من الطبيعة البشرية، ويستحيل العثور على إنسان يخلوا من مكوّنات التعاطف الطبيعية. لكن…

التعاطف كسلوك بشري هو مجموعة من التصرّفات الناتجة عن مشاعر التعاطف، وهي مهارة لا تتوفّر مبرمجة سلفاً في شخصيّة الإنسان. ولإتقان مجموعة التصرّفات هذه نحتاج حتماً للتدريب ولتطوير مهاراتنا في التعاطف، حتى نكتسب سلوكيّات تعاطفيّة كمهارة، تُظهر للآخرين حرصاً منّا على مشاعرهم، وتعاطفاً مقصوداً.

حتّى سنوات سلفت كنت أظنّ أنّني خبير تعاطف، متعاطف جدّاً مع الآخرين من حولي ومتضامن إلى أقصى حدّ… في الواقع كنت متعاطفاً بطبيعتي وهذا صحيح، لكنّ الآخرين من حولي نادراً ما انتبهوا إلى هذا التعاطف وقليلاً ما شعروا به… ما وضعني غالباً في مرتبة المتعاطف البارد، الذي يمارس التعاطف ببرود دون سلوكيّات واضحة. لاحقاً، مع دراستي لعلم الهندسة المجتمعية، أدركت أنّ مهارة التعاطف شيء آخر مختلف عن سلوكيّاتي، وتصرّفات توجب عليّ التفكير قبل القيام بها، ولا تحدث بتلقائية ولا بعفويّة، ولم أزل أناضل لممارستها حتّى اليوم، إذ أنّها تحتاج قدراً كبيراً من الانتباه والتركيز.

ولتمييز التعاطف كسلوك عن مشاعر التعاطف، فصل علم الاجتماع سلوكيّات التعاطف في مصطلحات خاصّة بها، عرّبها الدكتور ثروت عكاشة رحمه الله وقبيل سنة 1990 بمصطلحي ”التقمّص الوجداني“ و ”التداخل الوجداني“، وقدّم الدكتور عكاشة لهذا التداخل الوجداني تعريفاً جاء فيه: ”التداخُل الوجداني هو فناء ذاتيّة الفرد في ذات المُراد، أو فناء المُشاهد فيما يشاهد، وإذ هما شيء واحد، وفي ظلّ هذا تندمج الحركة بالحس“.

Artwork by beinartgallery IG
Artwork by beinartgallery IG

لاحقاً، فصل علم الاجتماع التعاطف كسلوك في درجتين:

الدرجة الأولى هي ”التقمّص الوجداني“ وتغلب بوجودها في سلوكيات مشاعر الحبّ بأنواعه الأربعة، حيث يتصوّر فيها الشخص بغير وعي أنّه شخص آخر، نتيجة للتوحّد أو التناغم الوجداني مع هذا الآخر، فيشاركه مشاعره ويشعر بما يشعر. ولهذه الدرجة من التعاطف ثلاث أنواع لم أسترسل بشرحها في هذه التدوينة، هي:

  • التقمّص الوجداني العاطفي.
  • التقمّص الوجداني المعرفي.
  • التقمّص الوجداني الجسدي.

الدرجة الثانية هي ”التداخل الوجداني“ وتتطوّر هذه الدرجة نتيجة التدريب، حيث يتعمّد فيها الشخص استنساخ مشاعر الآخر كالمرآة، لتحسين القدرة على أداء سلوكيات التعاطف الدافئة، من إنصات وتضامن وتفاعل إيجابي.

هذا التداخل الوجداني هو الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه السينما التقليدية، وذلك من خلال التمثيل الصادق والإخراج الواعي والاستخدام الجيد لكافّة عناصر الفيلم من موسيقى وأزياء ومناظر أو ديكورات. وهذا التداخل الوجداني هو الفنّ الذي لا يتقنه أغلبنا مع الأسف، وما يدفعنا دوماً للتعبير عن تعاطفنا من خلال تصرّفات خاطئة، تنفّر الملتجئ عنّا، وقد تؤدّي به أحياناً إلى النزق من ”تعاطفنا“ وتحويل المشاعر السلبية المكنونة في قلبه عن المتسبّب الحقيقي؛ لتصبّ على ”تعاطفنا“ الخاطئ.

Artwork by hooraylorraine IG
Artwork by hooraylorraine IG

في الحقيقة، إنّ سلوكيّات التعاطف الإيجابي ”التداخل الوجداني“ قائمة على الاستيعاب والفهم والتجاوب مع تجربة الموجوع، من خلال التعاطف مع ما يجول في مشاعره أوّلاً؛ ما يشجّع على المزيد من التواصل وعلى المزيد من الشعور بالأمان. ما يعني أنّنا سنحتاج لممارسة الانصات والإصغاء باهتمام لشكوى الموجوع، أي: طرح الأسئلة التي تؤدّي إلى تقديم المزيد من المعلومات ومن “فشّ القلب“. 

فمن أوّل مبادئ التعاطف الدافئ ترك الموجوع يروي قصّته دون مقاطعة ودون التسرّع في تقديم الأحكام أو في تقديم النصيحة، مع الإصغاء الجيد والحثّ على طرح المزيد من التفاصيل. لذا يجب أن نمارس طرح أسئلة تعاطفية؛ لا تتضمّن أحكاماً ولا يغيب عنها عنوان ”أنا مهتمّ بوجهة نظرك“ هات المزيد. ومن المهمّ كذلك الابتعاد عن الأسئلة التهكّمية التي تُظهر انتقاداً ونقداً بين طيّاتها. فنتيجة التعاطف الدافئ يجب أن تكون إحساس الموجوع بقدرتنا العالية على الإصغاء والاستماع بصدق لمشاعره؛ للتعرّف على أفكاره ومعاناته أوّلاً، ثم التعرّف على احتياجاته ثانياً.

فالموجوع سيشعر بالأمان ما دام لمس اهتماماً وإدراكاً لمعاناته، أمانٌ سيفتح المجال لتقبّل النصيحة والتوجيه. وأكثرنا يرتكب الخطيئة الشائعة بتقديم النصيحة قبل بذل الجهد في منح الأمان والتعبير عن الاهتمام، نظنّ أنّ النصيحة هي التعبير المنتظر عن الاهتمام، ما يجعل تعاطفنا فظّاً غليظاً على قلوب الموجوعين، مرفوضاً؛ لا دِفئ فيه.

إنّ إشعار الموجوع باهتمامنا وبتقبّلنا لتصرّفاته أثناء طرح الشكوى، كتعابير وجهه ونبرة صوته؛ يعدّ تفهّماً واضحاً للمشاعر مع احترامها، خالٍ من إدانتها ومن الاعتراض عليها. مثلاً: يَجِبُ ألاّ نطلب من المشتكي خفض صوته والامتناع عن الكلمات البذيئة أثناء التعبير عن الألم، يجب عدم عقاب المشتكي على طريقة طرح الشكوى. 

ومن العبارات التضامنيّة القويّة دائماً عبارات كمثل ”معك حق“، ”حقّك تزعل وتعصّب“، ”فعلاً شيء مزعج ومؤلم“، بغضّ النظر عن انطباعنا عن سبب المشكلة. فمن المهمّ أنّ يهدأ المشتكي ويبني الاتصال المناسب معنا. ولعلّ أجملها وأكثرها تكثيفا للتعاطف عبارة “اتطمن، كل شي ماشي للأفضل بالتأكيد” و”أنا معك، شو بتحب أعمل؟“ فمن المهمّ جداً انتظار طلب الموجوع للنصيحة قبل طرحها… إذ أنّ المبادرة بتقديم النصيحة قبل طلبها يحرّض مشاعر سلبية تُشعر الموجوع بالضعف أمام الناصح، فينفر عنه وهو موجوع. كالتعبير عن التضامن مع مريض من خلال النصح بالمأكولات والمشروبات المفيدة، قبل منح المريض فرصة للتعبير عن آلامه وعن انزعاجه من الظروف المحيطة بمرضه وعن مشاعره المرتبطة بآلامه… في الواقع لو أراد المريض علاجاً لالتجأ إلى طبيب لا إلى صديق.

التعاطف الدافئ هو شكل راق من مظاهر الإنسانية، إذ كلّما مارسنا التعاطف والإحساس بالآخر، كانت علاقاتنا بمن هم من حولنا أفضل وأدفأ، وكلّما تطوّرت بيننا قدرة أكبر على حلّ الخلافات دون خسارات، وكلّما كسبنا قلوب بعضنا تتحاضن رغم المسافات.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك