لغة, إيران, العراق, تاريخ, خرائط

لو أنّ إمبراطورية إيلام عادت إلى الحياة 

لتأثّرت هذه الدول باللون الزهري: إيران، العراق، عُمان، الإمارات العربيّة المتّحدة، پاكستان، الهند، سريلانكا، وبنگلادش. وباللّون الأحمر نرى متن الحضارة الإيلامية التاريخي.

لو أنّ الإمبراطورية الإيلامية عادت إلى الحياة من جديد
لو أنّ الإمبراطورية الإيلامية عادت إلى الحياة من جديد

عاصمة هذه الحضارة كانت مدينة سوسه المعاصرة في إيران. واسمها الحقيقي ومنذ العهد الأگّدي هو {إي.لام} بياء مقهورة، والنسبة منه {إلَمو} (إِ.لَمو للذكر، إ.لَميتو للأنثى)… مصدر التسمية الأكّدية {إيلام} هو اسم مدينة سوسه القديم {لَمْ} ومعناها بالعربية من الإيلامية {بلد} أو {تجمّع قرى} (لمّة قرى). استعمل الأگّديّون اسم المدينة {لَم} وأضافوا له أداة التعريف {إ} فصار {إلَم} التي نقرأها اليوم شيوعاً عن العبرية {إيلام עֵילָם}. أمّا اسمها المحلّي وبلغة أهلها فكان {هَلْتَمْتي} 𒁹𒄬𒆷𒁶𒋾، في الوقت الذي سمّاها السومريّون فيه {نيم.ما} 𒉏𒈠𒆠 وأطلقوا ذات التسمية على كلّ البلد.

في القرن الأول قبل الميلاد منح الإغريق السلوقيّين مملكة إيلام الاسم السياسي {سوسيانه} نسبة إلى عاصمتها مدينة {سوسه}، لكنّ الجغرافي سترابو (اسطرابون) من القرن الأول قبل الميلاد سمّاها {بلاد الإيلوماي}. عموماً، التسمية سوسه هي في الواقع من الكلمة الكنعانيّة البابليّة المشتركة: شوشة وشوشان التي تعني كثيرة الخضرة، أو كثيرة الأراضي كثيرة المروج.

كانت إيلام حضارة بحريّة، عاشت على التجارة وعلى تأسيس الموانئ التجاريّة الدوليّة تماماً كما فعل الكنعانيّون. وانتشرت سفنها تزرع الموانئ والمستعمرات على عموم ساحل آسيا الجنوبي قبل 4700 سنة. ودام حضورها السياسي ما بين 2700 ق.م وحتى 539 ق.م، ثمّ استمرّ حضورها الثقافي حتى القرن الثالث، في وقت كانت فيه أغلبيّة سكّانها من العرب الأزد.

الحضارة الإيلامية من الحضارات التي عاصرت تحوّل الحضارة الإنسانية في الشرق الأوسط من النحاس إلى البرونز، وكانت من أوّل الممالك التي تتحوّل بحضارتها إلى النحاس المستورد من مگن (مجان، عُمان) ومن جنوب الهند. وكانت على علاقات جيدة بالأگّديّين بعد نشوء الإمبراطوريّة الأگّدية، ورغم تطوّر حضارة إيلام البحرية لكنّها مع ذلك بقيت تحالفاً من ممالك مدن تماماً كما الكنعانيّين والسومريّين، إلى أن وحّدهم جميعاً الأگّديّين. 

بقايا الجينات الإيلامية في عالم اليوم
بقايا الجينات الإيلامية في عالم اليوم

بعد انحلال الإمبراطوريّة الأگّديّة نشأت الإمبراطوريّة الإيلاميّة حوالي سنة 1210 ق.م، وتنافست مع الأسوريّين على النفوذ على مملكة بابل، إلى أن هزمها الأسوريّين فصارت متفرّقة ثلاث ممالك تحت النفوذ الأسوري. أخيراً وقعت تحت الاحتلال الميدي مع أسوريا لتنطلق عقبها ثورة الأخمينيّين من أنشان، أحد الممالك الإيلاميّة الثلاث آنذاك، فسقطت سلطة الميديّين وأعيد توحيد المنطقة من جديد من طريق إعادة السلطة العظمى إلى بابل. وبهذا انتهى الحضور السياسي لإيلام.

وكمثل جيرانهم السومريّين عبد الإيلاميّون الأسرة المقدّسة (الثالوث المقدّس)، لكن اختلفت أسماء الآلهة باختلاف المدن، حيث كان لكلّ مدينة أسماء آلهتها الخاصة. وبالعموم كانت الديانة الإيلاميّة الجنوبيّة على خلاف السومريّة ديانة ذكوريّة، عبدت الربّ {اینشوشی‌ناک} إله للثالوث، وعبدت الربّة الأم {کری‌ریشا} وهي الأرض وربّة للماء، وعبدت {خومبان} الابن ربّاً ذكراً للسماء. أمّا في الشمال فكانت الديانة الإيلاميّة أنثويّة وعلى اتّفاق مع جيرانها السومريّين، حيث عبدت الناس الربة الأم {پينيكير} ربّة أم وعلى رأس الثالوث. وعبد الناس كذلك ربّاً للعالم السفلي نجد اسمه موحّداً في جميع الممالك الإيلاميّة {جَبرو} أو {جبّار}.

لغة إيلام من اللّغات البائدة التي لم يربطها اللسانيّون غرب الأوروپيّون بأيّ من اللّغات الآريّة أو الساميّة، على الرغْم من استخدامها لنظام الكتابة السومري-الأگّدي. وترتبط مكوّناتها باللّغة الدراڤيديّة إلى درجة تسمية علماء اللّسانيات اللّغة الدراڤيديّة المعاصرة بلغة الإيلامو. الباحثان في علوم اللّغات: الروسي گيورگي ستارستن Гео́ргий Ста́ростин والتشيكي ڤاتسلاڤ بلاچك Václav Blažek يقترحان انتساب لغة إيلام إلى اللّغة السومريّة التي تنتسب بدورها إلى لغات شرق قارة أفريقيا، ولم يأخذ بأبحاثهما أيّ من البحّاثة الغربيّين.

بقايا لهجات الدراڤيدية اليوم في الهند وپاكستان وبنگلاديش
بقايا لهجات الدراڤيدية اليوم في الهند وپاكستان وبنگلاديش

والدراڤيدية هي لغة سكّان الهند الأصليّين قبل الغزو شمال الآسيوي، ولم تزل تحيا إلى اليوم في جنوب الهند، وينحدر الدراڤيد عرقيّاً من سواحل شرق أفريقيا، تماماً كما ينحدر الإيلاميّون القدامى من شرق أفريقيا. النقوش السيراميكيّة التي تركها الأخمينيّون لجنود الحرس الملكي من الإيلاميّين تصوّرهم ببشرة سمراء داكنة تشبه في لونها لون بشرة الدراڤيديّين اليوم في الهند.

جنود إيلاميّون من الحرس الملكي الأخميني في قصر مدينة سوسة. معروضة اليوم في متحف الپيرگامون في برلين، ألمانيا.
جنود إيلاميّون من الحرس الملكي الأخميني في قصر مدينة سوسة. معروضة اليوم في متحف الپيرگامون في برلين، ألمانيا.

استمرّ وجود لغة إيلام واستخدامها قرابة ثلاث ألفيات، منذ 2800 ق.م وحتّى العهد الهيليني، وكانت أحد اللّغات الرسميّة التي اعترفت بها الامبراطوريّة الأخمينيّة. ثمّ تضاءل استخدامها في عهد ملوك الطوائف الإغريق خلال العهد الهيليني وتوقّفت كتابتها لمصلحة الآراميّة، إلى أن منعتها أخيراً الدولة الساسانيّة في القرن الثالث بسبب مآخذ دينيّة وبغية القضاء على الديانة الإيلاميّة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s