في اسم سوريا

كثيرة هي الفرضيات التي ناقشت وفسّرت اسم سوريا المعاصر، وأغلب المتداول منها مبنيّ على تفسيرات هوائية وتأويلات لا تستند على أيّ دليل أثريّ عمليّ، وأنا نفسي أخطأت وكنت مأخوذاً ببعض هذه الفرضيات… التي أستسخفها اليوم، وأستسخف نفسي يوم صدّقتها. ثمّ يأتينا من بعدها جدال حول صواب ”سوريا“ أم ”سورية“ والجدال على الافتراضات والتأويلات لا بالأدلة. لكنّ النقوش التي تركها الأسلاف تحسم الجدل، وتزيح كلّ الخرافات والتفسيرات المبنية على افتراض وتأويل.

بداية، من البديهي ارتباط اسم سوريا باسم الإمبراطورية الأسورية أو الأشورية التي تحكّمت بتارخ المنطقة لأكثر من 1500 سنة. والإمبراطورية الأشورية أحد المراحل الأكثر إثارة للاهتمام في تاريخ الشرق القديم، إذ أنها عاشت 1120 سنة، وأثّرت في ثقافة المنطقة ككل، كما أثّرت في جميع الإمبراطوريات التي حكمت متنها من بعد زوالها.

اسم أوّل عاصمة للإمبراطورية ومهدها على نهر دجلة هو ”آشّور“ 𒀸𒋩 من التسمية الأكّدية ”أشّورايُ“ 𒀸𒋗𒁺𐎹.
ووردت في النقوش الفارسية القديمة ”أثوره“ و“أطوره“ 𐎠𐎰𐎢𐎼𐎠.
ووردت في التركية الپارسية ”أصورِستان“ 𐭀𐭎𐭅𐭓𐭎𐭕𐭍.
ووردت في الصينية القديمة ”يِشوَ“ 亞述.

واللّفظ الأكّدي ”أشّورايُ“ هو الذي تحوّل مع الزمن وفي اللّغة الأشّورية نفسها إلى ”أسّورايو“، وصار في الإغريقية ”أسّوريا“ Ἀσσυρία، ثمّ في السريانية ”أطور“ ܐܬܘܪ، ومن ثمّ في الكوينية والعربية ”سوريا“ بحذف أداة التعريف أ.

ومعنى التسمية الأكّدية ”أشّورايُ“ مشتقّ من الصفة الأكّدية ”أشُّرّي“ 𒀭𒀸𒋩 التي تعني ”حرام“ ما يجعل اسم المدينة القديم بمعنى ”البلد الحرام“ أو ”الحرم“ من القداسة. وتعود التسمية إلى وجود معبد رئيسي لعبادة الشمس في المدينة. حيث اعتقد الناس أنّ إله آشور هو الشمس بصيغة ذكر، وأسمته ”ربّو“ و“بيلو ربّو“ و“شادو“ وأشارت له النقوش البابلية بالرمز ”أن شار“ 𒀭𒊹 ولفظته بابل تماماً كلفظ أشّور “أشّار” لكنّ معناه بالسومرية هو ”كلّ السماوات“ أو ”منتهى السماوات“.

هكذا يُحسم الأمر، سوريا نالت اسمها لأنها القسم الغربي من إمبراطورية أسوريا التي حملت ذات الاسم ”سوريا“ وكانت عاصمتها الأخيرة قبل زوالها بابل. وكفانا خرافات.

خريطة أقاليم سوريا تحت الحكم الأخميني سنة 490 ق.م.
خريطة أقاليم سوريا تحت الحكم الأخميني سنة 490 ق.م.

الخريطة هي خريطة أقاليم سوريا تحت الحكم الأخميني وكجزء من الإمبراطورية الأسورية الأخمينية سنة 490 ق.م. وهي المساحات المرقّمة بالرقم 4، باللّونين الزهري والأصفر، وكتبت تعريباً إلى جانب الأسماء الإغريقية:
4.1.1 الاسم الإغريقي: بابيلونيا. الاسم الأخميني: بابيرُش.
4.1.2 الاسم الإغريقي: سيتَّكينى. الاسم الأخميني: سيتَّكينى بابيرُش.
4.1.3 الاسم الإغريقي: أربيليتيس. الاسم الأخميني: أزَگارتا (سَغَرتيا).
4.2.1 الاسم الإغريقي: أسوريا. الاسم الأخميني: أطُرا (أثُرا).
4.2.2 الاسم الإغريقي: سوريا غرب النهر. الاسم الأخميني: إبير ناري.
4.2.3 الاسم الإغريقي: كيليكيا. الاسم الأخميني: خيلَكّو.
4.2.3a الاسم الإغريقي: كوپروس. الاسم الأخميني: يَدنانه.

في الفترة ما بين 911 ق.م و609 ق.م حكمت أسوريا كامل الشرق الأوسط تقريباً، فامتدّت إمبراطوريتها من پرسيس (أنشان) شرقاً حتى ليبيّى غرباً مشتملة على سوسيانى وبابيلونيا وعربيا وإگيپتوس (مُضريّة). وبعد نزاع مع الميديين على السيطرة على غرب آسيا، هُزمت الإمبراطورية الأشورية سنة 609 ق.م ونزلت تحت حكم الإمبراطورية الميديانية، ثمّ أعادت لها حضورها الإمبراطورية الأخمينية سنة 549 ق.م بثورة من أنشان، والتي كانت بالأساس أحد أقاليم الإمبراطورية الأسورية قبل سنة 609 ق.م. واستمرّت الإمبراطورية الأخمينية باسم الإمبراطورية الأسورية تتحدّث الآرامية وتعمل بالقانون الأشوري، حتى سنة 333 ق.م حين أنهاها الإسكندر المقدوني ليبدأ العصر الهيليني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤنس بخاري لمجموعة أطلس الخرائط

شارك بالمناقشة