سلطان بني غسّان في العهد المسيحي

هل كان الغساسنة ورثة مملكة الشمس؟

في هذه التدوينة تفاصيل من التاريخ قد تصدمك، فهيّء نفسك لسيرة غائبة من سير مدينة حمص والغساسنة.

حكم الغساسنة فلسطين وفينيقيا، أو ما يسمى اليوم بالجنوب السوري، لمدة 432 سنة. بدأ مُلكهم خلال عهد ميثرا وإله الجبل ما قبل المسيحية، ثمّ امتدّ حضورهم خلال العهد المسيحيّ، واستمرّ خلال العهد الإسلامي الأوّل حتى انتهى مع الانقلاب العبّاسي في القرن الثامن.

تأسّست أوّل إمارة غسّانية حول بحيرة “بَسان” قرب دمشق، وكان فيضان بَسَان يسمّى بالسريانية آنذاك “غَسْيَان”، ومنها نال بنو جفنة اسمهم الغساسنة أو الغسانيّين عن غسيانيان؛ لأنّهم استعملوا الفيضان وزرعوا به بعد أن استقرّوا حول البحيرة عقب نزوحهم عن اليمن. فكانوا في البداية بيت بسان، ثمّ بيت بسيانُس، ثمّ بيت غسيانيان، ثمّ قالت العرب تجاوزاً “بني غسّان”. 

وبحيرة بَسَان مذكورة في المصادر الرومية بثلاث صيغ هي: Bσιnα ولفظها “سينا”، ومسينا Μεσίνα، وبسينا Μπεσίνα، ونلاحظ تشابه أشكال الكتابة الإغريقية. وقد تكون هي اليوم منطقة السبينة جنوب دمشق أو منطقة بسّيمة في وادي بردى غرب دمشق بسبب تشابه الأسماء. وفي العهد القديم (التوراة) وردت كلمة “بَسان” نحو 60 مرّة بصيغة “بَشْنَن” בַּיְשָׁן (بيسان) العبرية؛ تسمية لكلّ الأراضي التي سكنها الغساسنة، وقد أخطأ المترجم عن العبرية بترجمة كلمة بَشْنَن وبيشان بمعنى صحراء.

هذا الكلام يعني أن الغساسنة موجودون في أبرشية المشرق من زمن يسبق القرن الثالث، ويخالف الشائع القائل بأنّ الغساسنة نزحوا إلى بلاد الشام من اليمن خلال القرن الثالث، ولربّما تسبق الهجرة القرن الثالث بعقود أو بقرون. 

خريطة المحافظات الرومانية سنة 210 ومنح كاركلّا جفنة السلطة العسكرية على المحافظات الأربع شرق الإمبراطورية، سوريا وفينيقيا وفلسطين والعربية
خريطة المحافظات الرومانية سنة 210 ومنح كاركلّا جفنة السلطة العسكرية على المحافظات الأربع شرق الإمبراطورية، سوريا وفينيقيا وفلسطين والعربية
محافظات الإمبراطورية الرومانية سنة 210

كاراكلّا وشيخ العرب

سنة 205 منح الإمبراطور الروماني كاراكلّا Caracalla لقب بطريق (بطرق) لجفنة شيخ الغساسنة، وفوّضه جباية الضرائب في البادية السورية وقيادة العمليات العسكرية في مواجهة غارات المناذرة، المنحازين إلى الإمبراطورية الأشكانية الپارثية 𐭀𐭓𐭔𐭊. وكاراكلّا إمبراطور روماني من أصول ليبيّة، وُلد لأمّ حمصية من أسرة عربية عريقة هي جوليا دومنا؛ ونشأ في سوريا بين أخواله يوم كان والده سِپتيميُس سِڤِرُس Septimius Severus قائداً عاماً على فيالق المشرق.

والبيت الذي نشأ فيه كاراكلّا في حمص كان بيتاً عربياً ملكيّاً اشتُهر في التاريخ منذ الفترة الهيلينية بسبب ولائه لديانة الشمس بصيغتها السلوقية-الآرامية. والبيت هو بيت بسيانُس، بيت والد جوليا دومنا؛ يوليُس بسيانُس Julius Bassianus والمصادفة هنا أنّ اسم بيت أهل جوليا دومنا يحمل ذات الاسم الذي حمله الغساسنة باكراً: بسيانُس. رغم أنّنا لا نجد في المراجع والتدوينات أيّ ربط ما بين البيتين، الحمصي والغسّاني.

على جانب آخر، كان والد جوليا دومنا يوليُس بسيانُس هو الكاهن الأكبر لمعبد الشمس في حمص (إميس؛ مدينة الشمس) حيث عبد الناس ”إيل گبال“ إلَگابَلُوس Ἐλαγάβαλος ونقرأها ”إله الجبال“ في العربية المعاصرة. والمفارقة التي نعثر عليها في التدوينات التاريخية هي أنّ يوليُس بسيانُس قد ورد باسم آخر في المصادر الإغريقية البيزنطية هو گَيُس بسيانُس (غيس بسيان) Gaius Bassianus وكذلك گَيُس بسُّس (غيس بسّو) Gaius Bassus. 

فهل يمكن أن تكون تسمية الغساسنة مستمدّة من ولائهم للإمبراطور الروماني كاراكلّا ذو النسب الكنعاني؟ لربما نال الغساسنة تسميتهم على اسم بيت أخوال كاراكلّا في سوريا، سيّما وأنّ منطقة حكم بني جفنة سنة 205 كانت ضمن أراضٍ حكمتها سابقاً أسرة يوليُس بسيانُس ضمن مملكة حمص (إمِسا) الرومانية، التي أسّستها سنة 46 ق.م أسرة عربية باسم الإمبراطورية الرومانية لحكم كامل وادي العاصي، فامتدّ حكمها إضافة لمجرى نهر العاصي، ليتّسع شرقاً على كامل البادية السورية حتّى موقع قصر الحير الغربي، وشملت في حكمها كذلك غوطة دمشق؛ دون أن تتنفّذ على مدينة دمشق ذاتها.

أسّس مملكة حمص سنة 46 ق.م الملك ”سَمپسي گِرَمُس الأوّل“ Sampsigeramus I ويرد اسمه في المصادر العربية باسم ”شميس بن العزيز“ وفي الآرامية ”شميس غرام“. ونال إلى جانب صفته الملكية صفة قداسة روحية ككاهن أكبر لديانة إله الجبل ”سوريا“، التي عبدت الحجر الأسود في حمص، وصار على إثرها يحمل لقب ”شيخ العرب“. 

سلالة مملكة حمص العربية
سلالة مملكة حمص العربية

ديانة إله الجبل والرومان

وصلت ديانة إله الجبل بصفة رسمية إلى مدينة روما سنة 161 على يد الإمبراطور مرقس أُرِليُس Marcus Aurelius Antoninus Augustus، الذي آمن بها وصار الكاهن الأعلى للديانة وراثةً فنال لقب ”إلَگَبَلُس“ Elagabalus، وبنا لها معبداً باسم ”إلَگَبَليُم“ Elagabalium وسط روما القديمة على الجهة الشمالية الشرقية من تلّة پَلاتين Collis Palatium يواجه جهة مدينة حمص كي يستقبل الحجر الأسود المقدّس. ودمج مرقس أُرِليُس إله الجبل الحمصي بالربّ ”سول“ SOL إله الشمس الروماني الذي صار اسمه ”سول إنڤيگتُس“ بمعنى ”الشمس التي لا تُهزم“.

الإمبراطور مرقس أُرِليُس نال هذا الاسم بعد التنصيب إمبراطورياً على روما، أما اسمه قبل التنصيب فكان Sextus Varius Avitus Bassianus فهو من بيت بسيانس الحمصي، ويُقرأ اسمه في لاتينية القرن الثاني “جيسيوس السادس أۉيتوس بسيانس”، وتُقرأ كذلك “گَيسيُس” Gessius ذات الاسم الذي اشتهر به ملوك حمص.

لم يختر مرقس تلّة پَلاتين لبناء معبده الرئيسي عبثاً، ولم يكن اختياره بسبب وقوع التلة وسط مدينة روما وحسب. إذ، وحسب الأسطورة اللاتينية، تحتضن تلة پَلاتين في قلبها على الغار حيث وقعت أحداث أسطورة لُپِرگال Lupercal حيث عثرت أنثى الذئب لُپى lupa على صبيّين توأم هما رومُلُس Romulus ورِمُس Remus ولا تختلف الأسطور كثيراً في تفاصيلها عن أحداث قصة هابيل وقابيل، لكن من بعد نشأة الصبيين التوأم، إذ قتل رومُلُس شقيقه رِمُس، ودفنه في الكهف ذاته تحت تلة پَلاتين، ثمّ عاش عليها فنشأت مدينة روما التي تُنسب لاسمه رومُلُس… أراد مرقس من خلال بناء معبد إلَگَبَليُم على پَلاتين أن يقول للرومان أنّ إله الجبل إلَگَبَلُس قد احتلّ قلب روما والشعب الروماني كلّه.

بني اليوم إلى جوار معبد إلَگَبَليُم مقابل الكولوسيوم في روما القديمة كنيسة كاثوليكية للقديس سباستيان Chiesa di San Sebastiano al Palatino.

تمثال الإمبراطور مرقس أُرِليُس بسيانس وإلى جواره مخطط معبد إلَگَبَليُم الذي بناه لإله الجبل، وتظهر في الزاوية السفلى اليسرى كنيسة سباستيان.
تمثال الإمبراطور مرقس أُرِليُس بسيانس وإلى جواره مخطط معبد إلَگَبَليُم الذي بناه لإله الجبل، وتظهر في الزاوية السفلى اليسرى كنيسة سباستيان.

إيروديان السوري Ἡρωδιανός والمعروف كذلك باسم هرود الأنطاكي، عاصر الإمبراطور مرقس وكتب تاريخ الإمبراطورية مدوّناً بالإغريقية للفترة التي عقبت وفاة الإمبراطور مرقس في كتاب أسماه بالحرف ”تاريخ الإمبراطورية من بعد وفاة مرقس“ τῆς μετὰ Μάρκον βασιλείας ἱστορία. في كتابه كتب إيروديان عن الحجر الأسود المقدّس ما يلي: ”يُعبد هذا الحجر وكأنّه أُرسل من السماوات. تبرز منه بعض القطع الصغيرة وعلامات صنعها الناس، والّتي يودّ الناس أن يعتقدوا أنّها صورة تمثيلية للشمس، لأنها تشبه الشكل الذي يرونها به.“ ثمّ يورد إيروديان الكثير من التفاصيل حول التزيينات الذهبية التي وُضعت حول الحجر والعربة الذهبية المزخرفة التي تحمله ومنحوتات الخيول التي تجرّها، بينما يسوسها إلَگَبَلُس نفسه من العربة. 

أُريُس (أوريوس) روماني ذهبي يصوّر الإمبراطور إلَگَبَلُس. على الوجه الخلفي نقرأ العبارة Sanct Deo Soli Elagabal وتعني “تقدّس اسمه سول إلَه جبلي”، ونرى صورة لأربعة خيول تجرّ العربة الذهبية التي تحمل الحجر الأسود المقدّس لمعبد إمِسا (حمص).

أُريُس (أوريوس) روماني ذهبي يصوّر الإمبراطور إلَگَبَلُس. على الوجه الخلفي نقرأ العبارة Sanct Deo Soli Elagabal وتعني “تقدّس اسمه سول إلَه جبلي”، ونرى صورة لأربعة خيول تجرّ العربة الذهبية التي تحمل الحجر الأسود المقدّس لمعبد إمِسا (حمص).

اليوم على أعلى بوّابة براندنبورگ وسط برلين نرى تمثالاً يحيي ذات التفاصيل التي تحدّث عنها إيروديان في وصف تمثال الحجر الأسود المقدّس في معبد الشمس في حمص. ولا يعرف أحد في برلين سبب وضع هذا التمثال على البوابة يوم بُنيت بأمر من الملك فريديريك ڤيلّيام الثاني ملك پروسيا نهاية القرن 18. لكنّ المصمّم كارل لانگهانز أراد لهذا الرمز إحياء سيرة الربّة ڤيكتوريا، الربة الأثينية التي مثّلت وجه إله الجبل إلَگَبَلُس ”الشمس التي لا تُهزم“… هذه الربة ذاتها عرفها الناس في الشرق باسم ”سوريا“، وفي الصين باسم ”يشُوَ“.

أعلى بوّابة براندنبورگ وسط برلين
أعلى بوّابة براندنبورگ وسط برلين

ملوك حمص، أنساب من حول المتوسط

سنة 78 توفّي الملك الحمصي ”گَايُس أُوليُس ألِكسيون“ Γάϊος Ἰούλιος Άλεξίων وظنّ الكثيرون أنّ مملكة حمص العربية الرومانية قد انتهت بوفاته بسبب غياب التدوينات عن المملكة عقب وفاته، ولا توجد أيّ تدوينات تتحدّث فعلاً عن نهاية مملكة حمص. وكان گَايُس أُوليُس قد حمل لقباً آخر غير ألِكسيون هو لقب ديني نقرأه ”سَمپسي گِرَمُس“ Σαμσιγέραμος تماماً كاسم أو لقب جدّه المؤسّس الأول، ويبدو أن هذا اللّقب الديني قد رافق كلّ ملوك أسرة بسيانُس على حمص، لذا يُعتقد بأنّ لهذا اللّقب الآرامي علاقة برتبة الكاهن الأعظم للشمس، دون أن نعرف معناه بدقّة.

ألِكسيون كان ملكاً مختلفاً ومتميّزاً بين الملوك، فقد جمع في أنسابه العرب والإغريق والأرمن والمديان والبربر واللاتين الرومان، وهو ابن الملك ”صُهيم“ الحمصي من زوجته الأميرة درُزيلّا المَوريتانية (المغربية). وصهيم (سحيم) عربي من بيت خليط فيه أمّهات من الأرمن والمديان، بينما كانت درُزيلّا پطُلمية إغريقية حفيدة لكليوپترا السابعة وسليلة زواج بربري-حمصي في الواقع، فوالدتها هي جوليا أورانيا، أميرة حمصية هي الأخرى، أما أبوها فهو الملك الأمازيغي پطُليمُس بن جوبا الثاني وكليوپترا سِلِني. ساعدت هذه الأنساب على ارتقاء وريادة مكانة الأسرة الحمصية حدّ القداسة في عموم الإمبراطورية الرومانية.

رسم لضريح الملك-البطريق الحمصي ألِكسيون بناه ابنه من بعد وفاته سنة 78، ونفّذ الرسم خلال القرن 18 الرسام الرحالة الفرنسي لويس فرانسوا كسّس Louis-François Cassas
رسم لضريح الملك-البطريق الحمصي ألِكسيون بناه ابنه من بعد وفاته سنة 78، ونفّذ الرسم خلال القرن 18 الرسام الرحالة الفرنسي لويس فرانسوا كسّس Louis-François Cassas

في عهد الإمبراطور كاراكلّا وما بين سنتي 211 و217 ارتقت مدينة حمص إلى رتبة مستعمرة رومانية انتصب عليها يُليُس بسيانُس حاكم مستعمرة وهو والد زوجة كاراكلّا، فجعل كاراكلّا من مدينته التي نشأ فيها أهمّ مدن المشرق الروماني، وعزّز من انتشار ديانتها في عموم الإمبراطورية الرومانية، ومنح العائلات الحمصيّة احتكار تجارة القمح والعنب والزيتون ومنتجاتهم، كما ساهمت كتائب المملكة الحمصية العسكرية في عموم العمليات العسكرية حول العالم الروماني، حتى في بريطانيا. هنا صارت حمص أثرى مدن أبرشية المشرق وأهمّ المدن العربية في الشمال، وفي هذا الزمن بالذات وقبلها بستّ سنوات كان كلّف كاراكلّا جفنة الغساني مهمّة حماية الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية ومنحه جباية ضرائب سوريا وفِنيقيا وفلسطين (وكانت حمص عاصمة إدارية لفنيقيا)، وهنا مُنح جفنة مرتبة بطريق الدينية، وكانت العرب لم تزل على ديانة الشمس.

رغم انتقال أنساب سَمپسي گِرَمُس الحمصية إلى مدينة روما من بعد 217 بانتقال جوليا دومنا وجوليا مَيسا للإقامة في روما، لكن أبيهم يُليُس بسيانُس بقي حاكماً على مستعمرة حمص الرومانية ولم يترك المدينة، وبقيت من بعده سلالته على حكم المدينة. وأرى أنّ حكم هذه الأسرة قد استمرّ عبر الغساسنة، الورثة الحقيقيّين لعرش سَمپسي گِرَمُس وبيت بسيانُس.

ملوك الغساسنة، والتحوّل إلى المسيحية

من بعد قيام جفنة بتأسيس الإمارة الغسّانية سنة 205 خلفه ابنه عمرو سنة 248، ثمّ ثعلبة، ثمّ الحارث الأوّل، ثمّ جبلة الأول (على اسم إله الجبل إلَگابَلُوس) وكان هذا من جاهر بالمسيحية حوالي سنة 350 ودعى شعبه إليها، ثمّ خلَفه الحارث الثاني سنة 360 وهذا من دخلت المسيحية إيمان الغساسنة على عهده وشاعت بين الناس.

راية الغساسنة المسيحيّين وعليها صورة القديس سركيس Σέργιος (سرجيوس) الرصافي
راية الغساسنة المسيحيّين وعليها صورة القديس سركيس Σέργιος (سرجيوس) الرصافي

تزوّج الحارث الثاني من أميرة (يقال أنها أرمنية أو رومية) اسمها ”معاوية“ واشتُهرت بين العرب باسم ماويّة ووردت في النصوص الإغريقية باسم ماويا. وكانت معاوية مسيحية متدينة، ساهمت بنشر المسيحية بين العرب، ثمّ تولّت الإمارة من بعد وفاة زوجها الحارث الثاني سنة 373 فصارت تمنح الامتيازات للسريان المسيحيّين وتسحبها عن الروم المسيحيين. 

والقصّة فيها أيضاً خلاف مذهبي حيث كانت معاوية تميل إلى المسيحية الأرثذكسية وتعارض الآريوسية… عموماً بجلوس معاوية (ماوية) على عرش الغساسنة مُنحت السيامة الأسقفية المسيحية لأسقف عربي اسمه موسى وهو مواطن غسّاني، وبحسب المؤرّخ السرياني ميخائيل الكبير (1167-1199) ”عاد موسى من بعد السيامة إلى بلاده الرصافة فانضمّ إلى المسيحية على يده جماهير غفيرة من العرب، تساعده الملكة المؤمنة في جهاده المقدّس بكلّ استطاعتها“.

توفّيت معاوية سنة 380 فخلفها المنذر الأول ملكاً للمسيحيّين العرب، ثمّ النعمان، ثم جبلة الثاني، ثمّ أيهم الأول، ثم عمرو الثاني، ثمّ جفنة الثالث، ثمّ النعمان الثاني، ثم النعمان الثالث، ثم النعمان الرابع، ثم الحارث الثالث، ثم النعمان الخامس، ثمّ المنذر الثاني، ثمّ عمرو الثالث، ثمّ حُجر الأول، ثمّ الحارث الرابع أبو شمّر، ثم جبلة الثالث وآخر اثنين هم من نشروا بين السريان من العرب وغيرهم مذهب اليعاقبة المونوفيزية.

بعد جبلة الثالث تولى العرش الحارث الخامس سنة 529، ثمّ المنذر الثالث، ثمّ الحارث السادس (جبلة الرابع)، ثمّ عمرو الرابع، ثمّ النعمان السادس (أبي كرب)، ثمّ حجر الثاني، ثم عمرو الخامس، ثم الحارث السابع، ثم شرحبيل، ثم أيهم الثاني، ثم المنذر الرابع، ثم عمرو السادس، ثم جبلة الخامس الذي توفي سنة 637 وكانت المملكة الغسانية قد صارت من ممتلكات الدولة الإسلامية قبلها بعقد.

أسماء أقاليم أبرشية المشرق فترة القرن السابع وقُبيل الدولة الإسلامية
أسماء أقاليم أبرشية المشرق فترة القرن السابع وقُبيل الدولة الإسلامية

مسيحية الغساسنة، والاستقلال عن القسطنطينية

يخبرنا تاريخ المجامع المسكونية المسيحية دوماً بحضور الغساسنة وعواصمهم ومناطق نفوذهم السياسي وتغيّر حدودها عبر التاريخ المسيحي لبلاد الشام.

أوّل الأساقفة المسيحيّين على مستوى الإمبراطورية البيزنطية من الغساسنة هو الأسقف موسى سابق الذكر، لكنّ المحافظات الغسانية عرفت الأساقفة المسيحيّين قبل موسى. إذ ذكرت قيود مجمع نيقا المسكوني الأول سنة 325 ستة أساقفة من العرب، إضافة إلى موسى من الرصافة، أساقفة بصرى وفيلادلفيا وحشبون وقنوات وتدمر. وحضر كذلك المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية أسقفين من العرب، هما أسقف ادرع وأسقف السويداء.

سنة 451 أقيم مجمع خلقيدونيا المسكوني وحضره من العرب آنذاك أساقفة من مطرانية بصرى الحورانية، وكانت تتقسّم مطرانية بصرى إلى 19 أسقفية، سافر منهم 11 لحضور المجمع في خلقيدونيا.

هنا ومن بعد هذا المجمع تركت أبرشيات السريان الغساسنة الكنيسة الرومية، وانفصلت بإيمانها متشبثة بعقيدة الطبيعة الواحدة، ودبّ الخلاف ما بين الإمبراطور وملك الغساسنة الحارث الخامس. وهنا انقلبت القسطنطينية على الغساسنة فصارت تطردهم عن ملكهم وتضع بدلاً عن رهبانهم رهباناً من قبيلة بهراء العربية. وكانت أوّل الأسقفيات التي تمسّكت بالمونوفيزية وخسرت لصالح بهراء: آمد، والرصافة، وحَوَارين، ويبرود، وقنّسرين، وقرقيسيا، والرقة، وأسقفية قبيلة معد، وأسقفية المناذرة. وجميع هذه المناطق انقسمت فيها الأسقفية إلى اثنتين، واحدة لبهراء توالي العقيدة الميافيزية والثانية لغسان توالي العقيدة المونوفيزية.

تعاظم الخلاف الديني ما بين الإمبراطورية والغساسنة حتى وصلت إلى إصدار الإمبراطور يُسطنيان الثاني Ἰουστινιανός أمراً باغتيال ملك الغساسنة المنذر الثالث Φλάβιος Ἀλαμούνδαρος وانكشفت المؤامرة فثارت العرب من السريان اليعاقبة على بيزنطة وأعلن المنذر الثالث الاستقلال عن الإمبراطورية، فتآمرت عليه القسطنطينية لاعتقاله ونجحت بأسره ذليلاً مهاناً سنة 580 ونُفي بعدها بسنتين إلى جزيرة صقلية حيث يقيم أخواله.

باعتقال المنذر الثالث اشتعلت حالة الحرب ما بين الغساسنة والروم، فغزا الغساسنة قلاع الروم في أبرشية المشرق وأحرقوا منها الكثير، وأرسلت القسطنطينية جيشاً جرّاراً لقمع الغساسنة، واعتقلت سنة 584 بطريق الغساسنة الجديد النعمان بين المنذر الثالث ونفته هو الآخر إلى صقليه حيث أبيه. 

أسقفيات الغساسنة قبل تولية بهراء باللون الأخضر، وبالأصفر الأسقفيات التي تبعت مجمع خلقيدونا
أسقفيات الغساسنة قبل تولية بهراء باللون الأخضر، وبالأصفر الأسقفيات التي تبعت مجمع خلقيدونا

هنا يورد المؤرّخ يوحنّا الأفسسي أنّ مملكة الغساسنة وجميع قبائل طيء انقسمت بعدها خمس عشرة زعامة، انضمّ أغلبهم إلى الساسان الفرس، بينما تحوّل بعضهم إلى الميافيزية وخضعوا لمقرّرات مجمع خلقيدونيا وصارت عليهم بهراء. ويرى الأفسسي أن مملكة العرب المسيحيين انهارت هكذا بسبب خديعة الروم، ثمّ أخذت ”الهرطقات الجديدة“ تنتشر بينهم.

في الواقع، وبعد هذه الحوادث بخمس عشرة سنة فقط وبسبب اغتيال الإمبراطور موريس سنة 602 اندلعت حرب ساسانية بيزنطية عظمى؛ صارت حرباً عالمية ودامت 26 سنة، احتل فيها الساسان المشرق ومصر ليبيا وأغلب الأناضول، ووصلوا حدود القسطنطينية. ثمّ انتهت هذه الحرب سنة 629 بانطلاق الدولة الإسلامية على يد العرب.

الامبراطورية الساسانية 590-628
الامبراطورية الساسانية 590-628

يمكن التوسّع في موضوعات هذه التدوينة بقراءة الكتب التالية:

  1. صفحات من تاريخ المسيحيين العرب قبل الإسلام، تأليف الأب سهيل قاشا
  2. Personal Names in the Aramaic Inscriptions of Hatra, by Enrico Marcato
  3. Earrings, nefesh and opus reticulatum: self-representation of the royal house of Emesa in the first century AD in: Kingdoms and Principalities in the Roman Near East. by Kropp, Andreas. Stuttgart: Franz Steiner Verlag.
  4. Revue de l’Histoire des Religions. “Sol Elagabalus”. by Lenormant, Francois.
  5. Regnum post Marcum. By Herodianus
  6. Roman History V.3 and V.5 and V.6 by Herodian
  7. The Cult of Sol Invictus. By Halsberghe, Gaston H.
  8. Augustan History, Life of Elagabalus
  9. Cassius Dio Cocceianus, Historiae Romanae. Earnest Cary, Herbert Baldwin Foster, Ed.
  10. Ancient Rome. Lanham: Rowman and Littlefield. By Dunstan, William, E.

مؤنس بخاري، برلين

شارك بالمناقشة