العراق, تاريخ

فضل العراق على علم البصريات

اليوم هو اليوم العالمي للتصوير الضوئي، الفوتوگرافي، وينبغي أن نذكر فضل العرب المنسي في هذا الميدان. فعلم البصريّات في الأساس علم عربي.

إذ من المهم أن نذكر اليوم فضل العراق على عالم التصوير الضوئي، حين انتبه أحد أبنائه العلماء إلى أنّ العين لا تصدر الضوء بل تتلقّاه… وكانت من البديهيات في ذلك الزمن أنّنا نرى لأنّ أعيننا تُصدر الضوء، سرياً على مفاهيم أشاعها الإغريق السلوقيّين والپطالمة في عصر الظلام الهيليني.

خلال القرن العاشر سُجن ابن البصرة الحسن بن الهيثم في مدينته البصرة لأسباب سياسية، وهو أبو علم البصريّات ومن أعمدة علوم الفيزياء والطب في زمنه. كانت زنزانة ابن الهيثم مظلمة فانتبه إلى أنّ فتح عينيه مهما اتّسع لا يسمح له برؤية جدران الزنزانة. ما دفعه للتشكيك بكلّ نظريات أرسطو وبطليموس وإقليدس؛ وكانت من المسلّمات آنذاك، لا يجرؤ على مناقشتها أحد.

عُرف ابن الهيثم بالبصري نسبةً إلى مسقط رأسه؛ مدينة البصرة، وعرفته أوروپا باسم Alhazen وكذلك Alhacen، ولقّبنه ببطليموس الثاني Ptolemaeus Secundus وبالفيزيائي. وفي عام 1834، اكتُشفت أعمال لابن الهيثم حول مواضيع هندسيّة محفوظة في مكتبة فرنسا الوطنية في پاريس، كما توجد بعض المخطوطات الأخرى في مكتبة بودلين في أكسفورد ومكتبة ليدن في هولاندا.

بعد خروج ابن الهيثم من السجن شرع في دراسة العين البشرية فكان أوّل من شرّحها وعرّفها ووضع لها رسومات دقيقة توضّح آلية عملها. ثمّ سنة 1015 صنع جهاز إسقاط بشكل صندوق خشبي أسماه القمرة (الگمره). وهذه القمرة التي نراها في الصورة هي سبب تسمية كميرات اليوم.

قمرة ابن الهيثم
قمرة ابن الهيثم

نال ابن الهيثم لاحقاً فرصة عمل لمصلحة الحكومة الفاطميّة في القاهرة، فرحل إليها، وفيها سنة 1021 بنى على سطح المسجد الأزهر غرفة خشبيّة مظلمة تقلّد عمل القمرة، واستخدم قمرته الكبيرة هذه لمحاضراته أمام طلّابه في علم البصريات.

من القاهرة سافر إلى الأندلس وحاضر في فرضياته واكتشافاته الجديدة، وقدّم القمرة التي دفعت علماء الأندلس للإيمان بنظريّات ابن الهيثم بسرعة، ما نتج عنه انقلاب في علم الفيزياء وميلاد علم البصريات (علم النواظير)، بناء على كتب ابن الهيثم البصري نفسها. فهو الأوّل الذي قدّم هذا العلم في العالم.

لا سجلّ معروف اليوم لتطوّر القمرة بعد ابن الهيثم والقرن 11، لكن يقال أنّ تقنيّاته شاعت في البلاد العربيّة لمساعدة الصُنّاع على رسم (تصوير) مشاهد بدقّة على جدران القصور. لكن وبكلّ تأكيد؛ بقي علمه حياً يتطوّر ويُطوّر، سيّما في أوروپا، حين تمكّن بصَريّ ألماني اسمه يوحن تسان Johann Zahn من تطوير أوّل قمرة أوروپية محمولة في القرن 17، ثمّ وفي ثلاثينيات القرن 19 نجح بصَري فرنسي اسمه نقفور نيپس Nicéphore Niépce بطباعة صورة على ورقة مقوّاة مطليّة بكلوريد الفضّة، بعد تعريضه لضوء إسقاط القمرة.

الخطّ الزمني المختصر لتاريخ التصوير الضوئي، الفوتوگرافي
الخطّ الزمني المختصر لتاريخ التصوير الضوئي، الفوتوگرافي

في الواقع، استخدم الرسّامون الكلاسيكيّون القمرات في أوروپا لرسم الپورتريهات والمناظر الطبيعية؛ من طريق إسقاطها على كانڤس الرسم والرسم بالألوان على الإسقاط الضوئي المطبوع بواسطة مرور الانعكاس في عدسات القمرة. ومفهوم الصورة الفوتوگرافية ما قبل نيپس كان يعني رسم الصورة يدوياً على البطاقة وهي على جهاز الإسقاط، القمرة.

نجاة كلمة قمرة (گمره) حتى زمن نقفور نيپس دليل على استمرار علم ابن الهيثم ذاته يتطوّر دون انقطاع. ودليل على انتشار أجهزة ابن الهيثم للإسقاط؛ القمرات، ما بين القرنين 11 و 19 في أوروپا دون انقطاع. فلو أنّ علم ابن الهيثم انقطع لكان للقمرة اليوم اسم مختلف.

كلمة كاميرا عن كلمة camera الإنگليزية عن مصطلع camera obscura اللاتيني (بمعنى القمرة المظلمة) عن كلمة قمرة العربية.

وكلمة قمرة العراقية هي في الأصل عن القمَرة السبئية التي صارت في عهد الإسلام تسمّى قمريّة، وهي طاقة في جدار الغرفة عليها نافذة منحوتة من المرمر الشفّاف لتمرير ضوء القمر الأبيض. إكراماً لمعبودهم قبل الإسلام؛ القمر. اعتبر أهل اليمن أنّ للقمرة مساهمة مباركة في أجواء البيت. إذ تسمح بوصول يد المعبود المقه إلى داخل البيت لتنقية أجوائه من الخبَث وبثّ البركة فيه. هذا الفن وصل العراق مع عباد القمر وصار يستعمل تركيب الزجاج الملوّن بالجبس فتطوّرت تقنية الزجاج المعشّق، وبقي اسمها قمرة، لأنّها تمرّر بعض الضوء في المكان المظلم.

كذب المعجميّون الأوروپيّون حين نسبو كلمة camera اللاتينية إلى كلمة καμάρα الإغريقية. إنّما القمرة معروفة في بلاد العرب من عهد سبأ واسمها عن القمر.

تأثر ابن رشد (أبو الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بن رُشْد القرطبي) بأعمال ابن الهيثم في علم البصريات، كما طوّر العالم الحسن الفارسي (كمال الدين الحسن بن علي الفارسي التبريزي) أعمال ابن الهيثم في علم البصريات، وطرحها في كتابه تنقيح المناظر. كما فسّر الفارسي وثيودوريك من فرايبيرگ Theodericus de Vriberch ظاهرة قوس قزح في القرن الرابع عشر، اعتمادًا على كتاب المناظر لابن الهيثم. واعتمد الفلكيّ تقي الدين بن معروف الشامي على أعمال ابن الهيثم والفارسي، وطوّرها في كتابه نور حدقة الإبصار ونور حقيقة النظر عام 1574.

يُعتبر ابن الهيثم المؤسّس الأوّل لعلم المناظر ومن رواد المنهج العلمي، وهو أيضاً من أوائل الفيزيائيين التجريبيّين الذين تعاملوا مع نتائج الرصد والتجارب فقط في محاولة تفسيرها رياضياً دون اللجوء لمفاهيم أخرى من تأويل وتفسير.

عموماً، في اليوم العالمي للتصوير الضوئي، تحية قلبية للحسن بن الهيثم، وتحية لمدينته البصرة التي أنجبته وعلّمته وقدمته إلى العالم، فكان لها الفضل بإخراج علم البصريات من ظلمات الإغريق إلى نور ابن الهيثم، وتطوير أهمّ علوم العصر، النواظير. الذي لولاه لما اكتشفنا الكون، ولا تطوّرت مجاهر المختبرات، ولا عرفنا السينما، ولا تطوّرت الجيوش، ولا انطبعت في أيّ مكان صورة.

وأراها مصادفة جميلة تحقّق العدالة حين تتشابه كلمة البصَريات مع البصْريات التي تنسب الأشياء للبصر وللبصرة. وهذا علم لا يليق به إلّا أن يعود إلى أيدي العرب.

#WorldPhotographyDay

رأي واحد حول “فضل العراق على علم البصريات”

  1. أستاذ مؤنس، هل ذكرت كلمة قمرة/ كمرة صراحة في كتاب المناظر لابن الهيثم، أم أنها من كتب لاحقة؟

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s