فضل العراق على علم البصريات

اليوم هو اليوم العالمي للتصوير الضوئي، الفوتوگرافي. ومن المهم أن نذكر اليوم فضل العراق على عالم التصوير الضوئي، حين انتبه أحد أبنائه العلماء إلى أنّ العين لا تصدر الضوء بل تتلقّاه. وكانت من البديهيات في ذلك الزمن أنّنا نرى لأنّ أعيننا تُصدر الضوء، سرياً على مفاهيم أشاعها الإغريق منذ عصر الظلام الهيليني. 

خلال القرن العاشر سُجن ابن البصرة الحسن بن الهيثم في مدينته البصره لأسباب سياسية، وهو أبو علم البصريات ومن أعمدة علوم الفيزياء والطب في زمنه. كانت زنزانة ابن الهيثم مظلمة فانتبه إلى أنّ فتح عينيه مهما اتّسع لا يسمح له برؤية جدران الزنزانة. ما دفعه للتشكيك بكلّ نظريات أرسطو وبطليموس وإقليدس؛ وكانت من المسلّمات آنذاك.

بعد خروج ابن الهيثم من السجن شرع بدراسة العين البشرية فكان أوّل من شرّحها وعرّفها ووضع لها رسومات دقيقة توضّح آلية عملها. ثمّ سنة 1015 صنع جهاز إسقاط بشكل صندوق خشبي أسماه القمرة (الگمره). وهذه القمرة التي نراها في الصورة هي سبب تسمية كميرات اليوم. 

قمرة ابن الهيثم
قمرة ابن الهيثم

نال ابن الهيثم لاحقاً فرصة عمل لصالح الحكومة الفاطمية في القاهرة، فرحل إليها، وفيها سنة 1021 بنى على سطح المسجد الأزهر غرفة خشبية مظلمة تقلّد عمل القمرة، واستخدم قمرته الكبيرة هذه لمحاضراته أمام طلّابه في علم البصريات.

من القاهرة سافر إلى الأندلس وحاضر في فرضياته واكتشافاته الجديدة، وقدّم القمرة التي دفعت علماء الأندلس للإيمان بنظريات ابن الهيثم بسرعة، ما نتج عنه انقلاب في علم الفيزياء وميلاد علم البصريات (علم النواظير)، بناء على كتب ابن الهيثم البصري نفسها. 

لا سجلّ معروف اليوم لتطوّر القمرة بعد ابن الهيثم والقرن 11، لكن وبكلّ تأكيد؛ بقي علمه حياً يتطوّر ويُطوّر، سيّما في أوروپا، حين تمكّن بصَريّ ألماني اسمه يوحن تسان Johann Zahn من تطوير أوّل قمرة أوروپية محمولة في القرن 17، ثمّ وفي ثلاثينيات القرن 19 نجح بصَري فرنسي اسمه نيپس بطباعة صورة على لوح معدني، بعد تعريضه لضوء إسقاط القمرة.

تاريخ التصوير الضوئي - الفوتوگراف
تاريخ التصوير الضوئي – الفوتوگراف

في الواقع، استخدم الرسّامون الكلاسيكيّون القمرات في أوروپا لرسم الپورتريهات والمناظر الطبيعية؛ من خلال إسقاطها على كانڤس الرسم والرسم بالألوان على الإسقاط الضوئي المطبوع من خلال مرور الإنعكاس في عدسات القمرة. ومفهوم الصورة الفوتوگرافية ما قبل نيپس كان يعني رسم الصورة يدوياً على البطاقة وهي على جهاز الإسقاط، القمرة.

نجاة كلمة قمرة (گمره) حتى زمن جوزيف نيپس Joseph Niepce دليل على استمرار علم ابن الهيثم ذاته يتطوّر دون انقطاع. ودليل على انتشار أجهزة ابن الهيثم للإسقاط؛ القمرات، ما بين القرنين 11 و 19 في أوروپا دون انقطاع. فلو أنّ علم ابن الهيثم انقطع لكان للقمرة اليوم اسم مختلف.

عموماً، في اليوم العالمي للتصوير الضوئي، تحية قلبية للحسن بن الهيثم، وتحية لمدينته البصره التي أنجبته وعلّمته وقدمته إلى العالم، فكان لها الفضل بإخراج علم البصريات من ظلمات الإغريق إلى نور ابن الهيثم، وتطوير أهمّ علوم العصر، النواظير. الذي لولاه لما اكتشفنا الكون، ولا تطوّرت مجاهر المختبرات، ولا عرفنا السينما، ولا تطوّرت الجيوش، ولا انطبعت في أيّ مكان صورة. 

وأراها مصادفة جميلة تحقّق العدالة حين تتشابه كلمة البصَريات مع البصْريات التي تنسب الأشياء للبصره.

#WorldPhotographyDay

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات