باب توما الدمشقي

حيّ باب توما الدمشقيّ يأخذ اسمه في الواقع من الباب الذي كان يحدّد نهاية هذا الحيّ على سور دمشق القديم. والباب، باب توما… باب تومَس، هو أحد الأبواب السبعة القديمة التي كانت تفتح سور دمشق على العالم القديم. باب توما سمّاه البيزنطيون خلال القرن الرابع في الواقع على اسم القدّيس توما الرسول (ثاوما شلِحا) ܬܐܘܡܐ ܫܠܝܚܐ، فمن هو توما؟

بداية من المهمّ أن نعلم أنّ باب توما وقبل المسيحية؛ كان مكرّساً لكوكب الزُهرة ”الربّة ڤينُس Venus“ في العهد الروماني، إذ بعد أن أعاد الرومان إعمار سور دمشق جعلوا له سبعة أبواب يُكرَّس كلّ واحد منها لكوكب يتبع الثقافة الرومانية. وكان الرومان بداية عهدهم في المشرق خلال القرن الأوّل قبل الميلاد قد تصالحوا مع الممالك المشرقية العربية على أخذ مدينة دمشق وغوطتها محافظة رومانية، مع الإبقاء على باقي المشرق تابعاً لممالكه العربية المحلية الناتجة عن انفراط الإمبراطورية السلوقية. أمّا الباب الحالي الذي يعرفه أهل دمشق وسط ساحة باب توما فقد أعاد بناءه الأيّوبيّون خلال القرن 13.

الربّة ڤينُس Venus الرومانية هي السبب باكتساب دمشق رمز الوردة الجورية، إذ كانت الجورية هي رمز ڤينُس على العمارات وفي القصائد التي كُرّست لعبادتها، ولمّا كانت بوابة ڤينُس هي البوّابة التي يدخل منها السياسيّون والملوك في العهد الروماني، كبوّابة دبلوماسية، فقد اشتُهرت دمشق بين ألسنة الطبقة الأرستقراطية الرومانية آنذاك بصفتها مدينة ڤينُس، أي مدينة الوردة الجورية… وبالمناسبة، عن ڤينُس أخذ العرب كلمة فانوس، وهي في الإغريقية كذلك فَنوس φανός؛ بمعنى ”مرئي“ أي وضوح الشيء والقابلية لرؤيته. بسبب شدّة وضوح ضوء كوكب الزهرة في السماء.

وردة الحبّ المعروفة باسم ڤينُس وردة الزُهرة بخمس بتلات، واللون الأزرق هو لون دمشق.
وردة الحبّ المعروفة باسم ڤينُس وردة الزُهرة بخمس بتلات، واللون الأزرق هو لون دمشق.

أمّا توما، فهو القدّيس توما الرسول ويُعرف في اللّغة السريانية باسم ثاوما شلِحا ܬܐܘܡܐ ܫܠܝܚܐ واسمه من الآرامية معناه ”التوأم“ وهو ما ترجمه الإغريق حرفياً فسمّوه في الكتابات الإغريقية ”دِديمُوس“ Δίδυμος التي تعني كذلك التوأم.

وكان توما واحداً من التلامذة الذين حاوروا يسوع المسيح أثناء العشاء الأخير، وتوما في تلك الليلة كان الوحيد الذي اعترض على رحيل المسيح بأنّهم (التلاميذ) لا يعرفون شيئاً يؤهّلهم للاستمرار بالرسالة دون إرشاد وإشراف نبويّ، فردّ عليه يسوع وبحسب التراث المسيحي؛ بأسلوب لاهوتي عميق عن العلاقة الفائقة التي تربطه بالله الآب. 

للقدّيس توما ارتباط شديد بالكنائس السورية المعاصرة، لما فيها من آثار مادّية ترتبط بحياة توما. لكن الرواية التي تتحدّث عن عبور توما للباب المسمّى على اسمه في سور دمشق غير صحيحة، ولم يثبت نزول توما في دمشق من الأساس. وعلى الأغلب أنّ البيزنطيين منحو اسمه لباب ڤينُس بسبب قداسته ومكانته بين العرب، ولاستبدال اسم ڤينُس نهائياً فيتوفّر مبرّر ذو وزن لمحو اسم من عبادات سابقة للمسيحية.

بعد رحيل المسيح شكّك توما بقيامته ما منحه لقب توما الشكّاك، لكنّ مبدأ توما في التشكيك بالعقائد ورفض الاعتقاد بغير دليل ماديّ تحوّل مدرسة في المسيحية واستمرّ حتى اليوم، حيث يبادر المفكّرون الإيمان بالشكّ طمعاً بالدليل المعزّز للإيمان وهو ذاته المبدأ الذي كان عليه ابن سينا، المفكّر التركستاني المسلم المعروف.

حين رفض توما رواية القيامة لم يؤمن بها إلا بعد ثمانية أيّام حين زاره المسيح شخصياً في الزيارة الثانية للتلاميذ في فلسطين وتحقّق توما من آثار الصلب على جسد المسيح بنفسه. وحين توفّيت مريم العذراء أمّ المسيح شكّك توما بانتقالها إلى السموات وطلب من الملائكة دليلاً على منزلتها، فأعطوه زنّار مريم المحفوظ اليوم في كنيسة أمّ الزنّار في حمص.

اشتغل توما في الدعوة للمسيحية في مدينة الرها السورية المعروفة اليوم باسم أورفه أو شانلي أورفا ضمن الأراضي التركية، ويعتقد الناس أنّه مدفون فيها وله فيها مقام. لكنّ توما انتقل في الواقع في رحلة سعى فيها للتبشير بالمسيحية في أراضي المملكة التركية الپارثية، التي أعقبت مملكة السلوقيين الإغريق على أسوريا، واستمال عدداً غير هيّن من القبائل التركية والفارسية والعربية للمسيحية، قبل أن يجبرهم الساسان على التحوّل إلى الزرادشتية الساسانية.

توما الرسول في أيقونة سريانية
توما الرسول في أيقونة سريانية

وصل توما أخيراً إلى الهند حيث بشّر بالمسيحية ثمّ قُتل فيها اغتيالاً على يد كهنة هندوس رمياً بالرماح، لذا يصوَّر توما دائماً في الأيقونات وهو يحمل رمحاً. ويعتبر مسيحيو الهند اليوم أنّ القدّيس توما هو شفيعهم ويجلّه الهنود الذين يتبعون الكنيسة السريانية ويسمّون أنفسهم بمسيحيي مار توما أو ”ملبار نصراني“ Malabar Nasrani باللّغة المحلّية. ونجد أغلبهم اليوم في ولاية كيرَلا الهندية കേരളം أقصى جنوب غرب البلاد وهم من النساطرة ويتعبّدون باللّغة السريانية، علماً أنّ ما نسبته 75٪ من مسيحيي مار توما قد نزحوا عن الهند هرباً من الاضطهاد الهندوسي المعاصر.

وعلى الرغم من أنّ الكنائس السبعة الأم لمسيحيّي مار توما قد بُنيت خلال القرن 16، لكن، يعتقد رعاياها من المسيحيّين السريان في الهند ”ملبار نصراني“ أنّ هذه الكنائس بُنيت بأمر من توما الرسول نفسه خلال رحلته إلى الهند في القرن الأوّل الميلادي… علماً أن رحلة توما الرسول في الهند كانت في الواقع ضمن أراض پاكستانية اليوم ولم يصل في أسفاره إلى أراض داخل حدود الهند المعاصرة، بحسب كتاب أعمال توما الذي كُتب في الرها بالسريانية في أوائل القرن الثالث.

عموماً، للقدّيس توما الرسول مزار يؤمن سريان الهند ”ملبار نصراني“ أنّه مدفون فيه على جبل توما பரங்கி மலை ويحجّون إليه للتبرّك سنوياً، ويقع في مدينة چِنّاي சென்னை التاميلية جنوب شرق الهند التي تُعرف منذ سنة 1996 رسمياً باسم مَدراس Madràs وهو الاسم الكتالوني الذي نالته أثناء الحكم الكتالوني تحت الاستعمار الهسپاني للمنطقة. وتسمّى المدينة بالصينية قينّاي Qīnnài وهو الاسم الذي تذكرها به سجلّات كنيسة قطيسفون العراقية خلال العصر البيزنطي-الساساني.

المقام الوطني للقدّيس توما، كاتدرائية سان توماس في چِنّاي في الهند
المقام الوطني للقدّيس توما، كاتدرائية سان توماس في چِنّاي في الهند

بالخلاصة، رحلة اسم توما الرسول من فلسطين إلى دمشق إلى الرها في الجزيرة إلى پاكستان إلى جنوب الهند التاميلي، كلّها دليل على سرعة دفق تيارات التواصل الإنساني عبر هذا الشرق، وكم تخدق روافد الأفكار، تتبادل الخواطر والعقائد عبر وديان الاستيطان البشري في آسيا. ليست البضائع وحدها ما يتبادله الناس في الشرق، بل وكذلك التراث الإنساني.

.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات