خانيّة الگوكتورُك وعلاقاتها بالسياسة الدولية

يقوم التاريخ الأوروپي اليوم على إنكار شبه كامل لأي تأثيرات آسيوية على الشعوب والحضارات الأوروپية. فإلى جانب الاستمرار بتجاهل وضوح التأثير الأفريقي والعربي الحديث على التراث الأوروپي، يستمرّ الأكاديميّون الغربيّون في إنكار مطلق لأيّ تأثير آسيوي على حضارات أوروپا القديمة، وبالتالي؛ على أديانها وشعوبها وتشكيلاتها السياسية.

وعلى عكس الأكاديميّات الغربية، تمتلئ السجلّات الصينية القديمة بالكثير من التفاصيل، التي تشرح بوضوح وبالكثير من التفصيل عمق التأثير الآسيوي على القسم الغربي من العالم القديم وعلى سياسات الحضارات القديمة في منطقة المتوسّط.

في هذه التدوينة، أفصّل مشهداً واحداً من أهمّ مشاهد هذا الدور الآسيوي العميق ما بين القرنين الخامس والسابع… ومذهلة هذه الوقائع القديمة التي ساهمت بشكل كبير بتشكيل واقعنا اليوم، وأثّرت بالكثير من الحكايات المخبّأة بعناية عن أعين الناس.

خانيّة الگوكتورُك وعلاقاتها بالسياسة الدولية

خانية الگوكتورُك كانت أوّل إمبراطورية تركية في التاريخ الحديث، أسّستها قبيلة أثينه التركية سنة 552 وهي من قبائل الساكا. وأثينه 𐰀𐱁𐰇𐰭 (أشينيا) هو اسمها بلغة الساكا.

قبيلة أثينه

تقول الأسطورة التركية التي سجّلتها التدوينات الصينية في كتاب ”التواريخ الأربع والعشرون“ أنّ أثينه كان أحد الأبناء العشرة أو أحد البنات العشر الذين وُلدوا لذئبة رمادية في الريف الشمالي لمدينة ”قۇچۇ“، وآثار هذه المدينة في شمال وسط تركستان الشرقية واسمها المعاصر بالصينية هو گَوچانگ 高昌. وفي نسخة ثانية من الأسطورة يرد في ذات الكتاب أنّ قبيلة أثينه هي سلالة رجل وُلد من زواج ملك مملكة ژيونگنُ 匈奴 مع الربّة الذئبة الرمادية، ومملكة ژيونگنُ كانت مملكة للتورك شرق آسيا بدأت في القرن الثالث قبل الميلاد واستمرّت أكثر من قرنين، وشملت في أراضيها على مونشوريا ومونگوليا.

في كتاب ”قصاصات متنوّعة من يويَنگ“ ترد أسطورة أثينه الساكا بشكل مختلف، إذ ترد أصول أثينه في حكاية ”شِمو والغزال“ أنّ أثينه هي ابنه رامٍ بارع وماهر اسمه شِمو أو شامو، أنجبها من ربّة البحر بعد أن وقع في غرامها وأوقعها فيه. وربّة البحر كانت تقيم في بحر على الغرب من الكهف الذي خرجت منه قبيلة أثينه (ترد هنا باسم أشيده)، ولم تذكر القصة اسم الربّة. لكنّ معنى اسم شِمو و شامو هو الحكمة.

وكتاب ”التواريخ الأربع والعشرون“ 二十四史 هو سجل السلالات الملكية الصينية، ويتكوّن من 3213 جزء مكتوبة على مدى قرون بدأت قبل نحو 5000 سنة، وتوقّفت سنة 1775.

أما كتاب ”قصاصات متنوّعة من يويَنگ“ 酉阳杂俎 فهو جمع لحكايات من التاريخ مجموعة في 30 كتاب، كتبها منتصف القرن التاسع شخص واحد اسمه دوان چِنگشي 段成式. كان شاعراً في بلاط سلالة تانگ 唐 الصينية.

في اللّغة العربية ذكر محمّد بن جرير الطبري قبيلة أثينه الساكية باسم أشِنَس في كتابه تاريخ الرسل والملوك. وذكرها باسم آنسه كتاب أفغاني مجهول الكاتب من القرن العاشر بعنوان حدود العالم من المشرق الی المغرب. وذكرها الجغرافي عبیدالله ابن خرداذبه باسم شَبأ في كتابه كتاب المسالك والممالك. وذكرها الجغرافي علي بن المسعودي باسم شنه و شَينه.

راجع:

Гумилёв Л. Н. Древние тюрки. М.-Л., Наука, 1967.

P. B. Golden, “Irano-Turcica: The Khazar sacral kingship revisited,” in Acta Orientalia Hungarica 60:2 (2007) p. 165, 172, n. 33

وتُعرف قبيلة أثينه في اللّغة الصينية باسم آشينا 阿史那 وتُقرأ آ-شِه-نا ومعناها في الصينية التقليديّة هو صفة “الزُرق” بصيغة جماعة؛ ونالت القبيلة هذه التسمية بسبب اعتياد رجالها على ارتداء الملابس الزرقاء.

وتُعرف قبيلة أثينه في اللّغة المغولية القديمة باسم چِنوه و چينو 叱奴 وتعني بالمغولية الذئب. وكانت أقواس النصر وبوّابات مدن الگوكتورك ترفع دائماً رسماً أو نقشاً لرأس ذئب، وهو شعار قبيلة أثينه.

راجع:

Gumilev, 1967, p. 23

Boodberg, 1936, p. 182

سلاح الفرسان الزرق، الگوك توروگ
سلاح الفرسان الزرق، الگوك توروگ

تأسيس خانية الگوكتورك

بدأت معارك وظروف تأسيس الإمبراطورية سنة 546 حين تمرّد الساكا على ظروف معيشتهم في ظلّ خانية الروران المغولية. وخانية روران كان مملكة مغولية تأسّست سنة 330 واستمرّت حتى قضى عليها الساكا الترك في القرن السادس. خدم الساكا في الجيش الروارني واشتغلوا كرُماة وكحدّادين، في الواقع كان الساكا معروفين في آسيا بأنّهم شعب الحدّادين إذ سمّاهم المغول ”دوانّو“ 鍛奴 ومعناها الحرفي ”مملوك حدّاد“. وكانوا يزوّدون الجيوش المغولية بالأسلحة الحديدية وامتهنوا صناعات الحديد والرماية.

سنة 546 طمع قائد فصائل الساكا ”بُمين قَيان“ 𐰉𐰆𐰢𐰣:𐰴𐰍𐰣 بالزواج من أميرة رورانية مغولية، و قَيان 𐰴𐰍𐰣 هي الكلمة الساكيّة المقابلة لكلمة خان أو قغان المغولية. وكانت فصائل الساكا آنذاك قد حاربت نيابة عن الروران وفتحت لهم مملكتي الويگور والطيله وهي ممالك تركية في وسط آسيا. وعلى الرغم من هذه الفتوحات الواسعة لصاح الروران استنكر ملكهم المغولي ”يُجِويُلو أنَكَي“ 郁久閭阿那瓌 على بُمين قَيان الجرأة في طلب يد ابنته؛ وقد فهم من هذا الطلب مسعى بُمين قَيان لمدّ النسب مع الأسرة الملكية، ما يعني تلقائياً تحرّر الساكا من المكانة المتدنية التي وضعهم فيها المجتمع الأرستقراطي المغولي.

أرسل ملك الروران المغولي أنَكَي مبعوثه الشخصي مع رسالة إلى القائد بُمين؛ وكان آنذاك في الألطاي. حملت الرسالة توبيخاً شديداً يذكّر بُمين بمكانته كعبد للروران لا يجوز له ولا حتى نطق أسماء الأسرة المالكة، وانتشرت من بعدها حملة تضييق على الساكا في عموم إمبراطورية الروران زادت الضغط على أوضاعهم الاجتماعية. فثاروا سنة 551؛ وقاد ثورتهم القائد بُمين نفسه وقُتل بعد بضعة أشهر، فتابع من بعده رفيقه قارا الذي قُتل بعد بضعة أشهر كذلك، ثمّ قادهم مُگَن بن بُمين 𐰢𐰆𐰴𐰣:𐰴𐰍𐰣 الذي تمكّن وهزم القيرغيز والهياطلة حلفاء الروران سنة 552 وأزال ملكهم ودينهم، ثمّ قضى على عرش الروران تماماً وأزاله من الوجود سنة 555.

سنة 552 أعلن مُگَن قَيان 𐰢𐰆𐰴𐰣:𐰴𐰍𐰣 قيام إمبراطورية باسم ”إدِ أوقسِز گوك توروگ“ 𐰃𐰓𐰃𐰆𐰴𐰽𐰔:𐰰𐰇𐰚:𐱅𐰇𐰼𐰰 (إضِوأقَسَز پوِك توِروپ)، بدعم من مجلس الشورى العسكري وبتحالف مع مملكة وى الغربية 西魏 ومملكة التجّار الصُغد؛ المسيطرين على طريق الحرير. ويأت اسم الدولة أساساً من جمع كلمتين هنّ: گوك و توروگ. الأولى گوك تعني سماوي، نسبة إلى لون السماء الأزرق، والثانية هي صيغة جمع تعني فُرسان مُفردها تورْگ. وتشكّلت الإمبراطورية على أساس اتّحادي، اتّحدت فيها جميع ممالك الفرسان الزرق الساكان فصارت إمبراطورية شاسعة تمتدّ من مونشوريا شرقاً حتى البحر الأسود غرباً.

كانت عاصمة الإمبراطورية هي مدينة ”أوتوكِن“ 𐰇𐱅𐰰𐰤:𐰖𐰃𐱁 وسط مونگوليا المعاصرة، ثمّ صارت مدينة ”سوي أب“ عاصمة غربية. كانت الإمبراطورية على الديانة التِنگرية، ولغتها الرسمية والدبلوماسية هي اللّغة الآراميّة الصُغدية، واستعملت اللّغة الروانروانية للتعليم لفترة وجيزة قبل استبدالها بالآرامية الصُغدية، وتحدّث البلاط الملكي والطبقة الأرستقراطية اللّغة التركية القديمة. أمّا عملة البلد فكانت الدينار الصُغدي وأدارت اقتصاد الإمبراطورية مؤسّسة مالية استعارت المفاهيم الساسانية.

في الخريطة أدناه نشاهد مدى اتّساع خانية الگوكتورك في سنة انقسامها سنة 603، في مقارنة مع الحدود السياسية اليوم وأسماء الدول المعاصرة ومواضع البحيرات العظمى.

خارطة خانية الگوكتورُك سنة 603
خارطة خانية الگوكتورُك سنة 603
  • اللون الأزرق الداكن هو أراضي الخانية.
  • اللون الزهري هي دول تبعت لخانية الگوركتورك.
  • الخطّ الأخضر هو خطّ انشطار الخانية ما بين شرقية وغربية.

انقسام الإمبراطورية

سنة 603 وعلى إثر حرب أهلية انشطرت خانية الگوكتورُك إلى شطرين، شرقي وغربي. وتعود أسباب الحرب إلى خلاف على شكل الحكم. إذ إنّ قَيان الخانية الرابع ”تَتپَر“ 𐱃𐱃𐰯𐰺:𐰴𐰍𐰣 رغب بتوريث حكمه لابنه من بعده. وكانت عادة قبيلة أثينه في حكم الخانية تجري على أن ينتخب الكورولتاي (مجلس الشورى العسكري) خليفة من قبيلة أثينه دون اشتراط الوراثة، فانقسمت الإمبراطورية بين المؤيّدين للتوريث والراغبين بالحفاظ على عادات الشورى دون تغيير. توفّي تَتپَر قَيان سنة 581 وتصارع أربع قادة راغبين بخلافته؛ إلى أن اشتعلت الحرب بين مؤيّدي كلّ منهم سنة 593 وأفضت إلى انشطار الدولة بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية. سنة 603 انفصل القسم الغربي فحكمه المؤيّدون للملكية الوراثية، بينما بقي القسم الشرقي تحت حكم الكورولتاي (مجلس الشورى العسكري) وحافظ على اسم الخانية الأوّل گوكتورك.

سنة 630 نزلت الگوكتورك الشرقية تحت الحماية الصينية فصار اقتصادها مرتبطاً باقتصاد المملكة الصينية وبقيت على رأسها قبيلة أثينه في عاصمتها أوتوكِن، وحافظت على الديانة التِنگرية، لكنّها خسرت لغتها الرسمية لصالح الروانروانية والصينية القديمة. ثمّ، وبعد عقدين من الهيمنة الصينية عادت گوكتورك الشرقية لاستقلالها في ممالك متفرّقة، إلى أن استعادت اتّحادها سنة 682 تحت اسم خانية ”إيل-تورك“ 𐱅𐰇𐰼𐰰:𐰃𐰠 واستمرّت حتى 744 حين تمّ تأسيس خانية الويگور التركية 𐱃𐰆𐰴𐰕:𐰆𐰍𐰕:𐰉𐰆𐰑𐰣 (خغانية الأويغور) التي تحوّلت بالبلاد إلى الديانة المانوية العراقية ودامت حتى 840. ثمّ تفرّقت خانية الويگور إلى عدّة قرخانات على إثر غزو قيرغيزي، واستمرّت حالة الفرقة والتنازع الصيني والمغولي على المنطقة إلى أن تحوّل ”سَتُق بُغراخان“ إلى الإسلام سنة 934 ونال دعم الخلافة العبّاسية لتأسيس إمارة كاشغر القرخانية، وسمّى نفسه بعد إسلامه بالويگورية ”غازي سۇلتان سۇتۇق بۇغراخان“.

أمّا الشطر الغربي من گوكتورك فقد أسّس مدينة ”سوي أب“ عاصمة للبلاد واسمها معناه ”النهر الجاري“ وتقع آثارها اليوم على الحدود القيرغيزية الشمالية. وغيّر الغربيّون اسم الدولة إلى ”أونوق“ 𐰆𐰣:𐰸:𐰉𐰆𐰑𐰣 (أون أوق بودُن (آن آق بادن)) ومعناها ”شعب العشرة سِهام“. لأنّ الأونوق تكوّنت من اتّحاد عشرة ممالك بعد انفصالها عن الگوكتورك. وفي هذه الدولة اندمجت اللّغة الآراميّة الصّغدية بالساكيّة (التركية القديمة) لتولد التركية الحديثة الشائعة، فصارت هي لغة الدولة الرسميّة إلى جانب استمرار الآراميّة الصُغدية لغة دبلوماسية، وتطوّرت عن هذه الحال الثقافة القازاقية بالعموم. كما حافظت الأونوق على الدينار الصُغدي وعلى نُظم الإدارة التقليدية المستقاة من النظام الساساني فارتبط اقتصادها بالزراعة وبالتجارة الخارجية.

سنة 657 نزلت الأونوق تحت الحماية والهيمنة الصينية التي استمرّت حتّى سنة 742 حين بدأت بوادر الهيمنة الإسلامية العربية على المنطقة. لكنّ وبنتيجة التدخّل الصيني انفصت عن الأونوق ثلاثة دول جديدة متحرّرة عن الهيمنة الصينية هي:

  • خانية الأوغوز التي دامت حتى سنة 1055 حين تبعت السلطنة السلجوقية.
  • أودَغية القنغَر التي دامت حتى سنة 750 حين ضمّتها خانية الأوغوز (عاشت مستقلّة ثمان سنوات).
  • خانية الخزر (القز) التي دامت حتى سنة 969 حين نزلت تحت الحماية الروسية واستمرّت تابعة للروس الكيڤيين حتى القرن 13، فحرّرها الغزو المغولي.

العلاقات الخارجية

عقب تأسيس خانية الگوكتورك منتصف القرن السادس تحالفت قبيلة أثينه الساكيّة مع الشاهنشاهية الساسانية في حلف عسكري فرضته المصلحة المشتركة للقضاء على إمبراطورية الهياطلة؛ التي شكّلت تهديداً للطرفين وقد انحصرت بينهما. فتقاسمت كلّ من الإمبراطوريتيّن أراضي الهياطلة ومُنعت ديانتهم ونُفيت طبقتهم الثقافية إلى نجد. والهياطلة هم الهون البيض، كانت لغتهم هي الباكتيرية التي أطلقوا على مملكتهم بها اسم ”إبودَلو“ ηβοδαλο، والباكتيرية تسمّى كذلك بالباختيرية والبختيارية والبلخية والبَخلوية والأريَو. وهي من لهجات لغة الساكا الغربيّين المتأثّرة بالإغريقية السلوقية وبالعربية وبالپارثية القديمة (الپهلوية)، وكُتبت بالحرف الإغريقي.

وعقب القضاء على إبودَلو الهياطلة تحالف الگوكتورك مع آڤار خانية پَنّونيا (الأوار) حلفاء الساسان شمال البلقان، وعرفهم الگوكتورك باسم ”أپَر“ 𐰯𐰺 وهم ذاتهم الذين عرفهم الروس باسم ”عُبري“ و”أبَروِ“ وعرفهم البيزنطيون باسم ”ڤَركونيتِس“ Βαρχονίτες. والتحالف مع الآڤار مدّ التجارة الگوكتوركية لتصل إلى عمق أوروپا بسهولة وأمان، لكنّ سلسلة من الحروب والنزاعات اشتعلت ما بين البيزنطية وپَنّونيا ما بين سنوات 568-626 عمّقت من تحالف پَنّونيا مع الساسان. ظروفٌ تحوّلت بالاهتمام الگوكتوركي عن پَنّونيا إلى الإمبراطورية البيزنطية.

في الواقع، بدأت العلاقات الپنّونية الگوكتوركية بانضمام خانية پنّونيا إلى التحالف الگوكتوركي كجزء من الإمبراطورية وهي على التِنگرية ديانة الگوكتورك ذاتها، وتستعمل الآرامية الصُغدية لغة للدبلوماسية والتعليم. ثمّ خرجت پنّونيا من الاتّحاد بسبب خلاف مع الكورولتاي (مجلس الشورى العسكري)، وسرعان ما تحوّلت أراضيها في أوروپا إلى ملجأ للمعارضين الترك الهاربين من حكم الگوكتورك في آسيا.

بالقضاء على إبودَلو الهياطلة تحوّل الحليفين الگوكتورك والساسان إلى التنافس وقد زال العدوّ المشترك، وبدأت مرحلة التعادي فعلاً حين مدّ الگوكتورك في العلاقات الدبلوماسية الطيّبة مع البيزنطيين أعداء الساسان ابتداء من سنة 563، فتأسّست لقبيلة أثينه سفارة في القسطنطينية أدارها الصُغد. وبعد انفصال ”أونوق“ عن الگوكتورك الشرقية تعمّقت العلاقات ما بين الإمبراطورية البيزنطية والأونوق (گوكتورك الغربية) أكثر فأكثر، فتمّ تعديل الكثير من الأنظمة الاقتصادية والمالية في البلد لتناسب التجارة مع الشريك البيزنطي.

ومع تنامي الخلاف مع الشاهنشاهية الساسانية تشكّل حلف صيني-أونوقي-بيزنطي لصدّ التنامي الساساني في غرب آسيا، سيّما وقد قطع الساسان طريق الحرير المارّ في أراضيهم. هذا الحلف ربط سواحل جنوب شرق آسيا بأقصى السواحل البيزنطية غرب المتوسط، وصارت تجارة العالم القديم ككل تمرّ في موانئ هذا التحالف وأراضيه. لكنّ هذا الحلف أضعف تلقائياً العلاقات البيزنطية العربية مع تقلّص اعتماد الإمبراطورية البيزنطية على السفن الحضرموتية؛ في ظلّ تنامي الخلافات الدينية العربية البيزنطية. هذا الضعف دفع الساسان لتأسيس تحالف مع خانية پنّونيا وخانية الگوكتورك الشرقية واليمن وبعض ممالك الهند وبعض الممالك العربية المنفصلة عن الإمبراطوري البيزنطية؛ منعاً لانهيار اقتصاد الشاهنشاهية تحت ضغط التحالف الصيني-الأونوقي-البيزنطي.

انتهت هذه الأزمة باندلاع حرب القرن السابع العالمية التي دامت 38 سنة ما بين سنوات 590-630 وانتهت الحرب بانطلاق الدولة الإسلامية الأولى ثمّ تشكيل الإمبراطورية العربية الأموية. والحرب العالمية هذه تنقسم فعلياً إلى حربين:

  • الأولى ما بين 590-603 احتلّت فيه الساسانية جميع الأراضي البيزنطية في آسيا بالإضافة إلى مصر وفرضت حصاراً على القسطنطينية.
  • ثمّ أعقبتها فترة لا حرب ولا سلم امتدّت 19 سنة.
  • ثمّ اندلعت الحرب الثانية ما بين 622-630 حين استولى هرقل حاكم قرطاج على السلطة في القسطنطينية بانقلاب عسكري وتحرّك يغزو الأراضي الساسانيّة على نيّة الوصول إلى المدائن عاصمة الساسان وتدميرها.

تحرّكات هرقل خلال عقد العشرينيات من القرن السابع؛ انطلقت بدعم أونوقي گوكتوركي، وهم الذين دعموا انقلاباً في خانية پنّونيا ودفعوا بجيش الخزر لاجتياح البلقان غرباً انطلاقاً من القرم، فتغيّر الموقف الآڤاري البنّوني من التحالف مع الساسان إلى الانقلاب عليهم وشنّ الهجمات على الفرق العسكرية الساسانية في الأناضول، كما شرع الگوكتورك الأونوق بالتهديد بغزو الإمبراطورية الساسانية من الشرق. هذه المتغيّرات أخافت الساسان ودفعت بشيرويه بن خسرو لمعاهدة هرقل وإيقاف الحرب سنة 630، والاتفاق على سحب قوّات جميع الأطراف إلى حدود سنة 602.

لاحقاً، وبعد الفتح الإسلامي لتركستان، تكرّر إحياء الامبراطورية التركية الأولى على نمط إسلامي من خلال خانية الويگور (850-1250)، التي عادت وحكمت معظم أراضي الگوكتورك الأولى من مدينة “أوردو-بَليق” وسط مونگوليا المعاصرة، التي بُنيت على أنقاض مدينة ”أوتوكِن“ القديمة، واسم “أوردُ-بَليق” 𐰇𐰼𐰏𐰃𐰤𐰉𐰞𐰶‎ يعني ”عاصمة الجُند“ ومعروفة اليوم باسم ”قَرَبَلغَسُن“. وكانت اعترفت هذه الخانية الويگورية كذلك بالتِنگرية والبوذية والمانوية إلى جانب الإسلام؛ دين الدولة الرسمي.

أمّا بخصوص الديانة التِنگرية التي وحّدت التورك في البداية، فقد أُعيدت محاولة إحياء الإمبراطورية التِنگرية على مذهب شاماني عن طريق الإمبراطورية المونگولية (المغولية) التي قضت على خانية الويگور الإسلامية منتصف القرن 13 ولاحقت الإسلام حتّى قضت على معقل الخلافة الإسلامية العبّاسية في بغداد. لكن سرعان ما عادت وتحوّلت هذه الامبراطورية بذاتها إلى الإسلام في بضعة عقود تالية، وصارت دولها أساسٌ لمبادئ التمدّن الإسلامي المعاصر في آسيا.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

(1) Comment

  1. […] 9 مؤنس بخاري (2018). خريطة الامبراطورية التركية الأولى. […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *