المثقّف لغة وحُكماً

كثيراً ما أسمع صفة مثقّف ويتضوّر خاطري متسائلاً عن معناها… إذ كثيراً ما نتبادل صفة مثقّف ونتشاركها ونَمنحها ونُمنحها دون إدراك كامل لمعناها والمقصود منها في اللّغة العربية. فاشتغلت الأيّام القليلة الماضية أحاول إشباع جوعي هذا وأبحث عمّن هو المثقّف؟ وما هي الثقافة بالضبط؟ ومتى بدأ استعمال المفردة؟

وبدأت كالعادة مع محرّك البحث گوگل، وعثرت على الكثير من التدوينات والمقالات التي لم تُشبع خاطري، وأغلبها سرد يقوم على المفهوم الأحدث لكلمة مثقّف كأنّها تشرح المقصود، وأنا أعرف المقصود اليوم، لكنّني أبحث عن المعنى في كلام الأوّلين. لذا بدأت سعيّي من المنبع.

بدأت مع ورود الكلمة في القرآن. ولا أقصد هنا اختصار اللّغة العربية كلّها في عربية صفحات القرآن. ولكن، تُعتبر عربية القرآن مثالاً آثاريّاً جيّداً عن اللّغة العربية التي شاعت بين عرب الشمال في القرن السابع، وهو زمن تدوين المصحف. كما يُعتبر القرآن مرجعاً للعربية الفصحى، ذلك أنّ لغويّي بغداد اعتمدنه في القرن التاسع كمرجع مقياسيّ معياريّ لضبط اللّغة العربية. فلمّا أُقِرّت قواعد الفصحى؛ حُذف ما خالف لغة القرآن لمصلحة المعنى والشكل الوارد فيه، واعتُمد النص القرآني معياراً نَحَوياً ومعجمياً.

في القرآن يرد فعلٌ شبيه بكلمة مثقّف هو فعل الثّقف، ويرد ستّ مرّات في ستّ آيات مختلفة:

  • البقرة 191: ثَقِفْتُمُوهُمْ = ظفرتم بهم.
  • آل عمران 112: ثُقِفُواْ = ظُفر بهم.
  • النساء 91: ثِقِفْتُمُوهُمْ = ظفرتم بهم.
  • الأنفال 57: تَثْقَفَنَّهُمْ = تظفر بهم.
  • الأحزاب 61: ثُقِفُوا = ظُفر بهم.
  • الممتحنة 2: يَثْقَفُوكُمْ = يظفرون بكم.

في كلّ المواضع التي ورد فيها فعل الثقف في القرآن جاء بمعنى الظفر بالشيء وإدراك الشيء، في الواقع كلّ الآيات المذكورة تتحدّث عن الظفر بمجموعة من الناس والتمكّن منهم، وتحذّر المسلمين من ظفر العدوّ بهم.

في التراث، وقبل استعمال الكلمة في آيات القرآن وردت في أشعار العرب الناجية بمعنى واحد هو التسوية والتشذيب. فإذا ثقَف الرمح سوّاه، وأداة صقل أبدان الرماح اسمها ثِقاف، فصار الرمح المصقول المستوي هو المثقَّف أو المثقوف. هكذا، استخدمت بعض العرب فعل الثقْف بمعنى الصيد والتثقيف بمعنى الصقل والتسوية، وكانوا إذا صادفواً طريدة قالوا اثقفها؛ أي ارمها برمح. أو قالوا اضربها بمثقّف؛ أي بالرمح المصقول. وكان الرجل الثَقِفُ هو من كان رامياً ماهراً بيد خفيفة وعين حاذقة، لا يخيب إذا رمى ويصيب.

وما خالفت العربية العبّاسية هذا المعنى إذ لا نجد باباً خاصّاً بكلمة ثقف في معجم العباب الزاخر العراقي العبّاسي، إنّما نجدها تحت بابيّ ”ثطف“ و”لقف“ في قول الحسن الصغاني: ”رجلٌ ثقفٌ لقفٌ: أي راوٍ شاعر رامٍ“… لكنّ الصغاني نفسه يورد معنى مختلفاً تحت باب ”ثطف“ لكن بالشكل ”ثُقَف“ إذ يقول نقلاً عن ابن عبّاد: ”رجل ثُطفٌ أي ثُقفٌ يثقَف ثقافة“، أي يصيب السعة في المعرفة بحذاقة وخفّة فهو ثُقَفٌ وثَقْفٌ. 

والعباب الزاخر كُتب في القرن 13، وخلوّه من باب متفرّد بكلمة ثقف دليل على عدم شيوع استخدامها في الدولة العباسية في ذلك الزمن، وكانت العبّاسية في آخر عهدها من الحياة. لكنّ ورودها في الشروح دليل على تأثّر لغة أهل العراق بغيرها في تلك الفترة. إذ نجد ورود كلمة ثقف في أبواب من معاجم مختلفة تكاد تتّفق في المعنى، وكُتبت ما بين القرنين العاشر والخامس عشر.

في معجم تَاجُ اَلْلُغَةِ وَصِحَاحُ اَلْعَرَبِيَّةِ للإمام الجوهري ترد الصفة ثَقْفٌ بمعنى سريع البديهة، إذ يقول الجوهري ”ثَقُفَ الرجل أي صار حاذقاً خفيفاً فهو ثَقْفٌ“. والصحّاح في اللغة هو معجم مملكة آل صفاريان في إيران القرن العاشر، ومنشور في مدينة نیشابور. والجوهري تركي، اعتمد في إنجاز معجمه على نقله اللّغة شفاهة من أهلها في الحجاز والعراق، وأقام عقوداً في مكّة لإتقانها. 

في معجم مقاييس اللّغة يرد المعنى القرآني لكلمة ثقف بـ”إقامة درء الشيء“ ويسجّل ابن فارس فيه ”الظافر بالشيء ثَقِفهُ“ ثمّ يقول ”رجل ثَقِْفٌ لَقِْفٌ، وذلك أنْ يصيب عِلْمَ ما يَسمعُه على استواء.“ والاستواء هنا هو إدراك كلّ تفاصيل العلم بموضوعية، دون ميل إلى جانب. ومقاييس اللّغة هو معجم مملكة آل سامانيان في تركستان وأذربايجان القرن العاشر، ومنشور في مدينة قزوين. وابن فارس فارسي، اعتمد في إنجاز معجمه على خمسة كتب عراقية سبقته هي: كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي. وكتاب المنطق لابن السكيت. وكتاب الجمهرة لابن دريد. وكُتب أبي عبيد القاسم بن سلاّم؛ غريب الحديث والغريب المصنف.

في معجم لسان العرب يقول ابن منظور ”ثَقِفَ الشيء أي حَذَقَه“ و ”وثَقِفٌ وثَقُفٌ: حاذِقٌ فَهِم“. و ”ويقال: ثَقِفَ الشيءَ وهو سُرعةُ التعلّم“ و ”وثَقُفَ الرجلُ ثَقافةً أي صار حاذِقاً خفيفاً“ و ”ثَقُفَ (مشروب) الخَلُّ فهو ثَقِيفٌ وثِقِّيفٌ، أي حَذَقَ وحَمُضَ جِدًّاً مثل بَصَلٍ حِرِّيفِ“ فالحاذق إذاً هو الحاد. وابن منظور لغويّ تونسي صرف حياته في دراسة العربية وفي خدمة المماليك البحرية، فأنجز معجم لسان العرب في القرن 13 معتمداً على كلّ ما سبقه من عشرات الكتب في اللّغة العربية في كلّ مكان. ونشر لسان العرب في القاهرة ليصبح معجم سلطنة المماليك.

آخر المعاجم العربية الكلاسيكية هو القاموس المحيط وكان قد نشره الفيروزآبادي في تعز في اليمن مطلع القرن 15 ليكون معجم المملكة الرسولية الغسّانية اليمنية. والفيروزآبادي فارسيّ درس في دمشق والقدس ثمّ أقام نصب حياته في اليمن إذ تزوّج ابنته وليّ عهد ملك اليمن الرسولي ”الأشرف اسماعيل الثاني الغسّاني“ وكان أبوه قد عيّن الفيروزآبادي قاضي قضاة المملكة الرسولية. وآل رسول أساساً سلالة علماء وبيت ثقافة، إذ كانوا بأغلبهم أطباء ومن علماء الحساب والفلك. ولم يقتصر اعتماد القاموس رسميّاً في اليمن وحدها، بل اعتمدته كذلك ”صوبه بنگال“ في الهند المُغلية، واعتمدته مصر العلوية لتشكيل عربيّتها وقد انفصلت عن السلطنة العثمانية.

في معجم القاموس المحيط نقرأ ”ثَقُفَ ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً: صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً، فهو ثِقْفٌ“ و ”امرأةٌ ثَقافٌ: فَطِنَةٌ“ و ”أُثْقِفْتُهُ: قُيِّضَ لي“ و ”ثَقَّفَه تَثْقيفاً: سَوَّاهُ“ و ثاقَفَهُ فَثَقَفَه: غالَبَهُ فَغَلَبَهُ في الحِذْقِ“. وهنا يأتينا الفيروزآبادي باستخدام جديد هو المثاقفة أيّ المبارزة بسرعة البديهة، وهي من مبارزات الشعر والأهازيج الشعبية.

بالخلاصة:

هكذا بات واضحاً مصدر تشكيل مصطلح ”مثقّف“ الحديث واستعمالاته المعاصرة، وقد دخلت مفرداتنا من اللّغة العربية التي شكّلتها الصحافة المصرية ونظام التعليم المصري على أيّام المملكة العلوية. وهذه الأخيرة اعتمدت في تشكيل الكلمة على المعجم اليمني القاموس المحيط والمعاني الواردة فيه. ويصبح المعنى الجليّ لصفة مثقّف هو: من استوى بعلمه ولم يكن فيه ميل، فكان موضوعياً يسعى إلى الحياد.

وأعتقد أنّ الاستواء في العلم لا يتمّ بغير وضع المعارف جميعاً على سويّة واحدة، لا يفاضل فيها المثقّف معرفة على أخرى لأهواء أو لميول عاطفية. ما يعني أنّ صاحب الميول العاطفية من مالت به أهواؤه لا يصلح لصفة المثقّف ولا يقال عنه مثقّف. والكلام هنا من اللّغة العربية.

وبهذا تصبح الثقافة هي: إصابة السعة في المعرفة بحذاقة وخفّة. والسعة في الثقافة تأتي من التنوّع والتنويع والاطّلاع على ما خالف أكثر ممّا اتّفق. ولا ارتباط ما بين الثقافة والأخلاق، فقد تكون حاذقاً على سعة في معارفك دون أن تكون على حُسن خُلق بالضرورة. لكنّ المنطق أن تسوق بك سعة الثقافة إلى حُسن التفكير.

الكتب والمعاجم التي اعتمدّتها في بحثي:

  • القرآن، منشور في المدينة المنوّرة في القرن السابع ومعتمد دستور للمسلمين.
  • تاج اللّغة وصحاح العربية ويسمّى اختصاراً الصَحّاح في اللغة، معجم من تأليف إسماعيل الْجَوْهَري، ونشره قبل سنة 999 في مدينة نیشاپور (دمشق الصغرى) في خراسان، تحت حكم آل صفاریان.
  • مقاييس اللّغة، معجم من تأليف أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني الرازي، ونشره قبل سنة 999 في مدينة قزوين (گسپِن) شمال إيران، تحت حكم آل سامانیان. 
  • العباب الزاخر واللّباب الفاخر، معجم من تأليف أبو الفضائل رضي الدين العدوي العمري الصغاني (الچغاني)، ونشره حوالي سنة 1200 في مدينة بغداد في العراق، تحت حكم الناصر لدين الله أحمد العبّاسي (فترة استعادة الهيبة).
  • لسان العرب معجم من تأليف جمال الدين أبو الفضل محمد بن منظور الأنصاري الأفريقي المصري الخزرجي، ونشره سنة 1290 في مدينة القاهرة في مصر، تحت حكم المماليك البحرية.
  • القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط، ويسمّى اختصاراً القاموس المحيط، معجم من تأليف أبو طاهر مجيد الدين محمد الشيرازي الفيروزآبادي، ونشره سنة 1410 في مدينة تعز في اليمن، تحت حكم بني رسول.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *