مشاريع الدولة العربية، من السلطنة إلى الجمهورية

في نهاية حياة السلطنة العثمانية وقد تيقّن الجميع من انهيار النظام العثماني، طُرحت على الطاولة ثلاثة مشاريع عربية لتأسيس ممالك عربية بأنظمة جديدة تخلف النظام العثماني في الشرق الأوسط. هي مشروع السلطنة العربية العلوية (القاهرة)، ومشروع المملكة العربية الهاشمية المتّحدة (مكّة)، ومشروع المملكة العربية الناصرية (الناصرية).

كان المشروع الأوّل هو مشروع الأسرة العلوية التي رغبت بتأسيس مملكة عربية على الميراث العلوي. والميراث هذا هو في الحقيقة إرث حملات الجدّ المؤسّس محمّد علي باشا في الفترة ما بين 1812 و1840. وبدأ مشروع السلطنة العربية العلوية فعليّاً في عهد الخديوي عبّاس حلمي الثاني، حين استقبل في القاهرة السياسيّين والمتنفّذين الهاربين من استبداد جماعة الاتحاد والترقّي في الأناضول والشام والعراق. وازدادت جدّية الطرح العلوي عقب انقلاب سنة 1908 في القسطنطينية (اسطنبول).

انقلاب القوميّين من العسكر الأتراك على السلطان العثماني وخلعه سنة 1908 خلق موجة استبداد واعتقالات دفعت بالكثير من رجال الأعمال والصحفيّين للهرب والاحتماء بالقاهرة. هنا وجد عبّاس حلمي الثاني الفرصة مناسبة لرعاية هذه المعارضة وتكوين شراكة تسعى بجدّية لتأسيس المملكة العربية، وكان أغلب رجال الأعمال الهاربين من شركاء بريطانيا في الاقتصاد العثماني. إذ أنّ انقلاب العسكر في القسطنطينية كان مدعوماً من فرنسا، فلم ينل رجالها في العثمانية أيّ أذى قبل سنة 1916.

من بين اللاجئين إلى القاهرة بعد انقلاب 1908 كان أحمد عزّت پاشا العابد، وكان في منصب المستشار الأوّل للسلطان عبد الحميد الثاني وهو ابن مؤسّسة المخابرات العثمانية… في الواقع ترك أحمد پاشا العابد القسطنطينة صوب واشنطن الأميركية أوّلاً حيث اشتغل ولده محمّد علي العابد سفيراً للعثمانية. لكنّ واشنطن رفضت استقباله وقد انحازت إلى صفّ عساكر الانقلاب، فتركها محمّد علي العابد ليجتمع بوالده أحمد عزّت پاشا في سويسرا ومنها معاً إلى القاهرة.

في القاهرة استقبلهم الخديوي عبّاس حلمي الثاني وأظهر رغبته بتولّي أحمد عزّت پاشا العابد قيادة المشروع العربي العلوي، وشدّ الأطراف إليه، وتنظيم مؤسّساته. وفعلاً وافق أحمد پاشا العابد وانطلق المشروع.

خريطة مشروع السلطنة العربية العلويّة من سنة 1908 والمملكة العربية الناصرية
خريطة مشروع السلطنة العربية العلويّة من سنة 1906 والمملكة العربية الناصرية

آل العابد كانوا شركاء بريطانيا في العثمانية، وكانت هذه الأسرة أثرى الأسر العربية في السلطنة تدير حجماً هائلاً من اقتصاد العثمانية عن طريق شركات تأسّست جميعاً بشراكات مع الأسرة الملكية البريطانية، منها حصّة مهمّة في شركة الخط الحديدي الحجازي وحصّة في شركة قناة السويس. حتّى أنّ الكثيرين من الصحفيّين العثمانيّين آنذاك رأوا أنّ أحمد عزّت پاشا العابد هو الحاكم الفعلي للعثمانية مفوّضاً من طرف السلطان عبد الحميد الثاني آل عثمان. لذا بانحياز أحمد پاشا العابد إلى مشروع الدولة العربية العلوية انحازت إليه بريطانيا بالتالي وبدأت تدعمه.

وبالفعل في سنة 1911 وصل مندوب سامي بريطاني جديد إلى مصر هو الإيرل هربرت كتشنر Herbert Kitchener الذي حاول تغيير شكل مؤسسات الخديوية المصرية لتصلح لتصبح سلطنة، فضمّ مجلس الشورى مع الجمعية العمومية في هيئة واحدة تسمّى الجمعية التشريعية، وفي 1914 قام الخديوي عبّاس حلمي الثاني بإصدار قرار إنشاء الجمعية الجديدة وتعيين سعد زغلول رئيساً لها. 

خوفاً من المشروع الجديد قامت جهة ما بمحاولة لاغتيال الخديوي عبّاس حلمي الثاني أثناء زيارة رسمية كان فيها في القسطنطينية منتصف 1914. أصيب الخديوي لكنّه نجى، ثمّ خلعته بريطانيا عن قيادة مصر نهاية 1914 وعيّنت بديلاً عنه الأمير العلوي حسين كامل پاشا، وتُعرف هذه الإقالة ببداية عهد الاحتلال البريطاني لمصر.

هذه التطوّرات شكّلت خطراً على المشروع العروبي العلوي لكنّها لم تقتله. إذ أنّ بريطانيا لمست من اتصالات الخديوي عبّاس حلمي الثاني في تركيا رغبة بانحيازه إلى صفّ ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، فطلبت منه مغادرة الأناضول فرفض، فأوقعت عليه قرار الخلع. وكانت بريطانيا قد خافت أن يكون الخديوي عبّاس حلمي الثاني قد اقتنع بمشاركة تنفيذ مشروع الدولة العربية العلوية مع ألمانيا رغبة منه باستقلال مصر ومشروعها العروبي عن بريطانيا.

الخديوي المعزول عباس حلمي الثاني على يخته الخاصة المعروفة بـ" نعمة الله" سنة 1926
الخديوي المعزول عباس حلمي الثاني على يخته الخاصة المعروفة بـ” نعمة الله” سنة 1926

عقب خلع عبّاس حلمي الثاني سنة 1914 استلم قيادة مشروع السلطنة العربية العلوية في مصر ابنه محمد عبد المنعم الذي تابع اتصالاته مع أحمد عزّت پاشا العابد وبقي متأمّلاً بالمملكة البريطانية. لكنّ هذه الأخيرة كانت قد سلّمت فكرة النظام العربي إلى مشروع آخر سنة 1916 هو مشروع المملكة العربية الهاشمية المتّحدة وكان على رأس هذا المشروع العقيد الآثاري البريطاني توماس لورنس Thomas Edward Lawrence.

على الرغم من انسحاب الدعم عن مشروع تأسيس نظام عربي للشرق الأوسط، لكنّ بريطانيا ومع ذلك استمرّت في دعم المشروع العربي في مصر. حيث اعتلى عرش مصر حسين كامل، عمّ الخديوي عبّاس حلمي الثاني، وفي عهد حسين كامل صارت مصر سلطنة مستقلّة تماماً عن العثمانية، وصاحبة مشروع مستقل تحت الحماية البريطانية، فأطلق السلطان حسين كامل الإعلام المصري والمؤسّسات التعليمية في الدعوة للقومية العربية والتشجيع على نشر فكرتها. واستمرّ نشطاء الحركة العربية في مصر يهتفون باسم عبّاس حلمي الثاني حتى سنة 1931.

قد تكون المؤسّسات البريطانية قد خافت مشروع السلطنة العربية العلوية بسبب شكوكها اتّجاه عبّاس حلمي الثاني، وقد تكون قد تعرّضت لضغوط خارجية ما لاختيار توجيه الدعم للمشروع الهاشمي بديلاً عن المشروع العلوي، وقد يكون خلاف داخلي وتنافس بين المؤسّسات البريطانية نفسها؛ إذا كانت وزارة الخارجية في صفّ مشروع مصر، بينما كانت المؤسسة العسكرية في صفّ المشروع الهاشمي. لكنّ بريطانيا، في العموم، واجهت أخيراً ضغوطاً ورفضاً من فرنسا وأميركياً وروسياً للمشروع الهاشمي فتركته دون دعم يتداعى تحت أقدام المشاريع الفرنسية والأميركية.

خريطة مشروع الاتّحاد الهاشمي من سنة 1916
خريطة مشروع الاتّحاد الهاشمي من سنة 1916

في الخريطة نرى المشروع السياسي للممالك الهاشميّة بناء على مخطّطات الإدارة الإمبراطورية البريطانية لتقسيم الإمبراطورية العثمانية البائدة، عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. ومنعت تنفيذ هذا المخطّط كلّ من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، حيث دعمت واشنطن الرغبة الفرنسية بالحصول على شمال سوريا وطرد الهاشميّين منها، كما دعمت آل سعود تالياً لإزالة كلّ نفوذ هاشمي (بريطاني) من المنطقة العربية.

اشتمل المشروع البريطاني على تأسيس الدول التالية:

بدرجات اللون الأخضر الممالك الهاشمية المتحالفة:

  1. الحجاز وعاصمتها مكة، وتضم عسير مع الحجاز.
  2. سوريا وعاصمتها دمشق، وتضم حلب والشام وسيناء.
  3. العراق وعاصمتها بغداد، وتضم: ممالك العراقين وشمّر والجزيرة.
  • فلسطين باللون البرتقالي وعاصمتها حيفا، تحت الإدارة البريطانية المباشرة، مع تشكيل منطقة القدس المفتوحة (بالأصفر) بما يشبه دولة الڤاتيكان اليوم، وتمتدّ من مدينة القدس حتى مدينة يافا على البحر. ونلاحظ أنّ فلسطين آنذاك خُطّط أن تمتد من صور حتى الخليل، بينما تبقى غزّة من سوريا.
  • جبل لبنان باللون الأزرق وعاصمتها بيروت، دولة مسيحية تحت النفوذ الفرنسي، وتضم معلولا كمزار مقدّس على جبال القلمون الشامية. بالإضافة إلى وادي النصارى. ونلاحظ أنّ طرابلس تبقى من سوريا.

وبالعودة إلى المشروع العلويّ

خليفة السلطان حسين كامل، فؤاد كامل، تَغيّر بنظام إدارة مصر من السلطنة إلى المملكة، وأسّس سنة 1932 مَجمع اللّغة العربية في القاهرة كأوّل مؤسّسة دولية تسعى لوضع لغة عربية رسمية موحّدة؛ منذ زوال السلطة المملوكية في القاهرة سنة 1517. في الواقع كانت هذه المحاولة هي الأولى من نوعها منذ سقطت الدولة العبّاسية في بغداد سنة 1258. واشتمل مجمع اللّغة العربية على عشرين عالماً، نصفهم من مصر ونصفهم الثاني من العرب المشرقيّين، جرياً على مشروع أحمد عزّت پاشا العابد نفسه.

يُذكر أنّ فشل مشروع السلطنة العربية العلوية دفع آل العابد وشركاتهم لمقاطعة مشروع الهاشميّين و”الثورة العربية الكبرى“. وبعد تنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على دمشق دعمه آل العابد فعيّن الملك الهاشمي ابنتهم نازيك العابد على رأس جمعية النجمة الحمراء، ولأجلها منحها يوسف العظمة رتبة نقيب في جيش المملكة السورية، وعيّنها فيصل على إدارة مدرسة لبنات الشهداء في دمشق، كما دعمت زوجته حراك نازيك النسائي الذي أفضى إلى تأسيس النادي النسائي الشامي سنة 1920، وهو الذي عقد أوّل مؤتمر نسائي دولي في دمشق بينما كانت تحت الانتداب الفرنسي.

بعد إفشال بريطانيا لمشروع السلطنة العربية العلوية شرع أحمد باشا عزت العابد بتعزيز شراكاته التجارية مع شركة الهند الشرقية EIC واشتغل في تجارة الهند وامتلك فرعاً لمؤسّسته في الجُزر الفيليپينية. ثمّ دعاه الجنرال الفرنسي هنري غورو Henri Gouraud للعودة إلى دمشق سنة 1920 واستُقبل استقبال الرؤساء، وأنشأ شبكة من المشافي والعيادات الطبية ودور الأيتام في دمشق، ثمّ توفّي في القاهرة سنة 1924.

قُبيل وقوع سوريا تحت الاحتلال الفرنسي، موّل آل العابد انعقاد المؤتمر السوري العام سنة 1919 وعُقد في منزل العابدية الموجود اليوم على ساحة المرجة في دمشق. ثمّ دعم محمّد علي بن أحمد عزّت پاشا العابد؛ الدكتور عبد الرحمن الشهبندر عام 1925 لتأسيس حزب الشعب السوري، الذي اتّخذ من المبنى ذاته مقراً لرئاسته وبقي فيه حتى سنة 1958، سنة حلّ الأحزاب السورية. وبعد تشكيل الجمهورية السورية سنة 1931 سمحت فرنسا بإجراء أوّل انتخابات رئاسية حرّة ففاز فيها محمّد علي العابد ليصبح أوّل رئيس منتخب للجمهورية السورية. وكان قبلها منقطعاً عن الاشتغال العلني في السياسة منذ 1925. لكنّ دعم الرئيس الوطني الداماد أحمد نامي رجّح أصوات النوّاب السوريّين إلى كفّة محمّد علي العابد وحزب الشعب. والداماد صهر السلطان عبد الحميد الثاني.

بعد انتخابه أعاد الرئيس محمّد علي العابد العمل براية المملكة السورية راية للجمهورية؛ مع تعديل بسيط حوّل فيه المثلّث الأحمر إلى ثلاث نجمات تمثّل أقاليم الاتّحاد السوري الثلاث (عواصم الجمهورية السورية) دمشق وحلب ودير الزور. وكان قصر آل العابد في حي ساروجة الدمشقي هو أوّل قصر للجمهورية السورية، بقيت إدارة مكتب الرئاسة فيه إلى أن انتقلت إلى قصر المهاجرين وقد اكتمل بناؤه.

”إنّ فترة محمّد العابد الرئاسية كانت فترة تحدّي القوى الوطنية لسلطة الاحتلال الفرنسي وظهور الكتلة الوطنية الواضح، والتي غلبت على قوى حزب الشعب، والتي استطاعت فيه الكتلة الوطنية تحريك الشارع لإرغام الاحتلال للإذعان للتوقيع على مُعاهدة الاستقلال وبطلان الانتداب الفرنسي، وهو ما لم يتم في عهده.“ (~مؤمن محمد نديم كويفاتيه (بتصرّف). تاريخ سوريا. مركز الشرق العربي).

تابع القراءة حول مشروع المملكة العربية الناصرية… انقر هنا

شارك برأيك