طريق الأرز

لطالما لفت انتباهي التشابه الواسع ما بين مظاهر الحياة في تركستان وبلاد المغرب العربي، دون وجود المظاهر ذاتها في منطقة المشرق العربي… كالاهتمام باللّون الأزرق والسيراميك والزخارف الهندسية ذاتها وأنمط العمارة، والمأكولات والمشروبات والأزياء والأذواق الموسيقية والرقصات وحتّى بعض العادات الاجتماعية. وبالعودة إلى التاريخ القديم، انتشرت ذات التقاليد الدينية القديمة في المنطقتين وبخاصّة العادات الشامانية التي لم تنتشر في الشرق الأوسط.

ولإشباع فضولي حول الموضوع حاولت دراسة الأسباب الموجبة لهذا الاتّصال الثقافي، فوجدت طريقاً تجارية قديمة تندر دراستها اليوم، لكنّ هذه الطريق التي تمتدّ على مسار طوله حوالي 16 ألف كلم، كانت نشيطة على مدار السنة؛ تتحرّك عليها القوافل باستمرار ما بين وسط آسيا وغرب أفريقيا، لتكون وصلة عظمى ما بين طريق الحرير وشبكة عبر الصحراء للطرق التجارية. 

وطالما لم أجد خريطة كاملة لهذه الطريق فقد رسمت لها هذه الخريطة التفصيلية، حيث نرى عليها انطلاق الطريق من خوتان (خوتەن شەھىرى) وكاشغر في تركستان الشرقية لتصل عبر أهمّ مدن تركستان الغربية بالمحطّة الرئيسية بلخ (بكتريا) ثمّ تتابع الطريق عبر كابل إلى مجرى نهر السند على طول پاكستان المعاصرة، ثمّ إلى صور عبر بحر العرب لتتابع القوافل على طول الجنوب العربي، ثمّ من عدن عبر البحر إلى جيبوتي ليتابع الطريق على طول الساحل الأفريقي عبر السودان (النوبة) ودارفور وبحيرة تشاد ومالي وصولاً إلى موريتانيا، حيث تتّصل الطريق بشبكة عبر الصحراء المغاربية.

خارطة طريق التجارة الآسيوية عبر الصحراء، طريق الأرز: وصلة طريق الحرير بطريق الساحل الصحراوي
خارطة طريق التجارة الآسيوية عبر الصحراء، طريق الأرز: وصلة طريق الحرير بطريق الساحل الصحراوي

انقر هنا لمشاهدة الخريطة مع الميزات التفاعلية على خرائط گوگل

اعتادت قوافل هذا الطريق اتّخاذ مدينة تامنطيط الجزائرية محطّة رئيسية تتوزّع من خلالها البضائع الآسيوية على المدن المغاربية، لتتابع الطريق إلى المدن المغربية وتونس؛ هذه الأخيرة هي أكثر المدن تأثّراً بالتراث التركستاني غرب أفريقياً بالإضافة إلى تلسمان. ولربّما كان التأثير معاكساً فاتّجه من المدن المغاربية إلى تركستان. ولطالما تأثّرت هذه الطريق بالعوامل الجغرافية الطبيعية، لتلتزم مساراتها مجاري الأنهار والوديان والبحيرات متحاشية الجبال… وبإمكاننا تسمية هذه الطريق بطريق التجارة الآسيوية عبر الصحراء الكبرى، أو ببساطة طريق الأرز لكونها الطريق الرئيسيّة لتجارة الأرز الفرغاني في أفريقيا. وهي الطريق التي نشرت عادات أكل الأرز في غرب أفريقيا قبل وصوله إلى الشرق الأوسط فعلاً.

اليمن، الذي يقع وسط هذه الطريق، استفاد منه لنشر العادات الاجتماعية اليمنية على طرفي طريق الأرز، إذا وطالما كان اليمن هو المصدر الأوّل لجِمال القوافل التجارية، تحكّمت قوافله بهذا الطريق وتحرّكت تنقل البضائع ما بين تركستان وغرب أفريقيا وبالعكس. وطالما أنّ قتبان احتكرت إنتاج وتجارة الجِمال في العصر الهيليني فقد كانت قوافل قتبان هي الفاعل الرئيسي على طول طريق الأرز، وسمّاها القتبانيّون آنذاك سُفُن البر.

المنطقة الاستراتيجية لطريق الأرز التجاري وفقاً للحدود السياسية والإدارية المعاصرة
المنطقة الاستراتيجية لطريق الأرز التجاري وفقاً للحدود السياسية والإدارية المعاصرة

خلال القرن الرابع وصل استثمار هذه الطريق ذروته القصوى وصارت قيمتها الاستراتيجية مطمع كلّ الإمبراطوريات الكبرى في ذلك الزمن، واشتغلت الإمبراطورية البيزنطية على السيطرة على طريق الأرز من خلال عقد المعاهدات والوصاية على حضرموت عن طريق الأنباط. كما حاولت الإمبراطورية الساسانية جهدها السيطرة على طريق الأرز من خلال الاتّفاقات والمعاهدات مع اليمن، هذه المحاولات ذاتها وصلت حدّ السيطرة السياسية نهاية القرن السادس… عموماً، بحلول القرن 11 ازدهر طريق الأرز مع انتشار الإسلام على طرفيه، وصارت القافلة الواحدة عليه تضمّ أكثر من ألف جمل.

ساهم طريق الأرز بانتشار مذاهب البربر الإسلامية في وسط آسيا، تماماً كما ساهم  بإيصال الأفكار التركستانية إلى البلاد المغاربية، فازدهر الاهتمام بالمدارس الصوفية وفنون الرياضيات. كما مكّن الخلافة الفاطمية التونسية من إقامة علاقات ثقافية جيّدة مع دول وسط آسيا دون الاضطرار لعبور الحاجز العبّاسي في الشرق الأوسط. واشتملت التأثيرات على تطوير النظم النقدية وبناء الدولة وأنماط العمارة، وتبادلٌ واسع للسلع التجارية.

بحلول القرن 16 استهدف الأوروپيّون طريق الأرز بعد فشل محاولات الپرتغال السيطرة على موانئ الجنوب العربي طمعاً بالسيطرة الاستراتيجية على طريق آسيا في أفريقيا. فاستهدفت الحملات الأوروپية مراكز غرب أفريقيا التجارية وصولاً إلى الفترة الفرنسية خلال القرن 19، حين اشتغلت فرنسا على تدمير النفوذ المغربي غرب أفريقيا بواسطة نقل المراكز التجارية من المناطق الداخلية إلى المناطق الساحلية، تحويلاً لتجارة غرب أفريقيا إلى الخطوط الأطلسية بديلاً عن الوجهة الآسيوية. وهذا سبب سيطرة فرنسا على ميناء جيبوتي على الشرق، بالإضافة إلى شراكة الصين المعاصرة لفرنسا على جيبوتي.

هكذا نرى الأهميّة الاستراتيجية لتضامن واستقلالية منطقة الجنوب العربي، وهذا ما يخيف العالم من سلام واستقرار يعمّ المنطقة التي تحوي بلوچستان وعُمان واليمن والصومال، إذ وبمجرّد استقرار هذه المنطقة تعود طريق الأرز إلى فاعليّتها وتخسر أوروپا والسوق الأطلسيّة أهميّتها لمنطقة غرب أفريقيا، كما تفقد روسيا أهميّتها لمنطقة تركستان… تخيّل معي اليوم وجود خطّ للسكك الحديدية يمتدّ على مسار طريق الأرز القديم، من خوتان (خوتەن شەھىرى) في تركستان الشرقية إلى كدية الجل في موريتانيا.

شارك برأيك