قرطاج العظيمة وحكاية الملكة الشهيدة

اسم مدينة قرطاج الحقيقي هو ”قَرْت حَدَشْت“ 𐤒𐤓𐤕𐤟𐤇𐤃𐤔𐤕 من اللّغة الفنيقية (الكنعانية) ومعناها ”مدينة جديدة“. أمّا كلمة قرطاج فقد وصلتنا من الاسم اللّاتيني ”گَرتاچو“ Carthāgō عن الإغريقية ”كَرچيدون“ Καρχηδών (قَرخيدون) التي تعني ”قرية ديدون“. ديدون أو دايدو هي أميرة فنيقية من صور اسمها ”عِلِّيسَة“ ومُنحت في التراث الإغريقي لقب ديدون بمعنى العزيزة أو المحبوبة. وتُعرف عِلِّيسَة في التراث كذلك بأسماء أليسّا وإلِسّا وإليزا وأليسار، ونُسجت حول قصّتها العديد من الأساطير.

عِلِّيسَة كانت أميرة صور قبل 30 قرن، ابنه الملك ووليّة العهد وزوجة الكاهن الأعظم. عقب وفاة أبيها تُوّجت على عرش صور، لكن انقلاباً عسكرياً أدّى إلى مقتل زوجها على يد أخيها ”پومَيّاتون“ 𐤐𐤌𐤉𐤉𐤕𐤍 (فُمَيّاةٌ) الذي طمع بالسلطة، فهربت عِلِّيسَة مع المخلصين لها على سفينة من مدينة صور إلى قبرص، وكانت قبرص آنذاك من أملاك مصر.

مصوّر قرطاج وكأنّها عادت إلى الحياة من تصميم مصمّمة گرافيك المجسّمات الألمانية أنَستازيا پفايفير Anastasia Pfeifer.
مصوّر قرطاج وكأنّها عادت إلى الحياة من تصميم مصمّمة گرافيك المجسّمات الألمانية أنَستازيا پفايفير Anastasia Pfeifer.

أسّست عِلِّيسَة مع جماعتها ميناء ”قِتيون“ 𐤊𐤕𐤉 (قتيٌ) شرق جزيرة قبرص، واسمه يعني القطيع أو المقطوع لأنّه مبني على جزيرة اصطناعية قطعها الفنيقيّون. ومن قِتيون استوطن جماعة عِلِّيسَة جزيرة سردينيا وأطلقوا عليها اسم ”شردون“ (شردٌ) 𐤔𐤓𐤃𐤉. لاحقاً تمكّن جيش پومَيّاتون من أخذ مدينة قِتيون فلجأت عِلِّيسَة لملك مصر واستأذنته استكشاف ساحل ما كان يسمّى ”مصر الجديدة“ وهي ليبيا المعاصرة، فصار غرب الساحل اللّيبي وكل المستوطنات الفنيقية على غربه من أملاك عِلِّيسَة وبحماية ملك مصر.

في تلك الأثناء كانت على الساحل التونسي مدينة فنيقية قديمة لا نعلم اسمها الحقيقي، لكن يذكرها جماعة عِلِّيسَة باسم المدينة العتيقة 𐤏𐤕𐤒 (عتق) و 𐤏𐤕𐤂 (عتيگ) ومُنحت اسمها هذا تمييزاً لها عن المدينة الجديدة قَرْت حَدَشْت. وعتيقة لم تزل موجودة إلى اليوم شمال تونس وباسم أوتيك. ولا نعلم متى أسّسها الفنيقيّون بالضبط لكنّها كانت موجودة حتماً قبل سنة 1100 ق.م. أي قبل 3120 سنة.

استقرّت عِلِّيسَة في عتيقة وصارت عاصمة لدولتها الجديدة، ثمّ قرّرت سنة 814 ق.م بناء ميناء جديد وعاصمة جديدة، فكانت قرطاج قَرْت حَدَشْت على بعد 30 كلم من عتيقة، وبناها الفنيقيّون على ذات تصميم قِتيون القبرصيّة تماماً، لكن بمقاسات أكبر وتطويرات أكثر. ومن الملفت تشابه شكل ميناء قرطاج مع شكل مهبل المرأة ورحمها، وتشابه دخول وخروج السفن مع شكل النطاف. إذ آمن الفنيقيّون أنّ تصميم المباني على أشكال أنثويّة يجلب الحظّ والبركة، طالما كانت ديانتهم أنثويّة بالأساس.

توسّعت عِلِّيسَة بمملكتها غرب المتوسّط من قرطاج فصارت عاصمة لدولة واسعة الأركان. ثمّ توفّيت الملكة بعد تأسيس قَرْت حَدَشْت بنحو 15 سنة، واستمرّت الدولة تتوسّع من بعدها. ولوفاة عِلِّيسَة أسطورة رومنسية كذلك. إذ يذكر المؤرّخون الإغريق أنّ قرطاج وقد ازدهرت صارت مطمع الماكستانيّين وكان لهم مملكة في ليبيا ساهم أبناؤها في العمل في قرطاج. لذا طلب ”لَربَس“ ملك الماكستانيّين عِلِّيسَة زوجة له وهدّد بغزو وتدمير المدينة إذا رُفض طلبه، ومنح عِلِّيسَة ثلاثة أشهر للردّ.

خافت عِلِّيسَة على مستقبل مدينتها، وعزّت على نفسها ذكرى زوجها الشهيد. لذا قدّمت للَربَس ردّاً لم يخطر على بال أحد. إذ أمرت شعبها ببناء منصّة جنائزية كبيرة وسط المدينة وزعمت أنّها تهيّئ لاحتفال كبير. ثمّ أوقدت النار بالمنصّة وصعدت عليها وطعنت نفسها وسط ذهول الفنيقيّين والماكستانيّين، فماتت واحترقت ولم يبق منها أثر. وأفهمت الماكستانيّين هكذا أنّ شرف الفنيقي هو الموت ولا المذلّة. وقدّسها أهل المدينة من بعدها واعتبروها شفيعة قرطاج التي أفدت المدينة بجسدها. بكلّ حال، كانت الأضحية البشرية مقبولة في الديانة (الكنعانية) الفنيقية بشكل عام، وهي امتداد العادات الموريّة ذاتها.

مصوّر قرطاج وكأنّها عادت إلى الحياة من تصميم مصمّمة گرافيك المجسّمات الألمانية أنَستازيا پفايفير Anastasia Pfeifer.
مصوّر قرطاج وكأنّها عادت إلى الحياة من تصميم مصمّمة گرافيك المجسّمات الألمانية أنَستازيا پفايفير Anastasia Pfeifer.

دامت الدولة القرطاجية أكثر من سبع قرون، ما بين سنوات 814 ق.م و146 ق.م، وكانت قد عادت إلى سلطة صور بعد فترة من وفاة الملكة عِلِّيسَة، ثمّ صارت إمبراطورية باستقلالها عن صور حوالي سنة 650 ق.م، وسيطرت على المستعمرات الفنيقيّة غرب المتوسط. وعاشت الإمبراطورية على التجارة، فكانت خطوطها التجارية صلة الوصل ما بين المشرق ومصر الپطولمية وسواحل غرب أفريقيا الجنوبية، وشمال أوروپا. وأسّست لها كذلك حوالي 13 مستعمرة تجارية في بريطانيا والجزر المحيطة بها. كما أنّها منعت على سفن غيرها الخروج من مضيق جبل طارق، وأغلقت بالتالي البحر المتوسّط واحتكرت التجارة خارجه، وكانت قد وصلت سفن البحرية القرطاجية حتى سواحل المكسيك وتاجرت معها.

تحدّثت الإمبراطورية القرطاجية اللّغة الپونيقية واعتمدتها لغة للدين والتعليم، وهي لهجة غربية من الكنعانية الفنيقية الشرقية. وكانت قرطاج على الديانة الكنعانية الأنثوية، وهي واحدة من الديانات الموريّة، فعبدت بعل حمّون 𐤁𐤏𐤋 𐤇𐤌𐤍 (بعل آمون ومعناها الربّ القمر) وجسّدت وجهه ربّة أنثى هي تانّيت (تأنيث) 𐤕𐤀𐤍𐤉𐤕. وعبدت كذلك الربّة عشترت 𐤏𐤔𐤕𐤓𐤕 الأوگاريتية كربّة للخصوبة الجنسية والحبّ والحرب، التي رُمزت لها بالنجمة الخماسية وبتمثال أبي الهول، واعتبر القرطاجيّون أنّها تتجسّد في أنثى الأسد والحمامة والفرس.

انتهت الإمبراطورية القرطاجية بفتحها للجمهورية الرومانية قبل 2166 سنة، ما أسّس بالتالي للإمبراطورية الرومانية. وانتصر الرومان بتدمير شامل للمدينة قرطاج سنة 146 ق.م.

شارك برأيك