في الحبّ!

تم النشر في

كثيراً ما نتبادل في أحاديثنا باللّغات المختلفة كلمات الحبّ. في العربيّة؛ الحبّ كلمة أساسية وثابتة في الكثير من الحوارات. فالرأي مبنيّ على حب الشيء أو عدم محبّته… أحببت الطعام وما أحببته، أحببته رأيك وما أحببته، وقد أحبّ الرأي لمحبّتي لصاحبه بغضّ النظر عن فحوى الرأي نفسه… نحن منقادون بالحبّ، لغة وفكراً، شئنا أم أبينا، كلّ أفكارنا وآراءنا مسبوكة في قالب من الحبّ، أو خارج القالب تماماً في اللا-حبّ. وإذا أحببنا بعضنا قبلنا بوجودنا معاً في أيّ وقت، وإذا ما أحببنا بعضنا صار الحوار مستحيلاً بلا سبب، إلا إذا اعتبرنا اللا-حبّ سبب.

نحن ننجز أعمالنا عن حبّ، تماماً كما أنجز أبحاثي ودراساتي لأنّي أحبّ الموضوع وأحبّ البحث فيه، والخروج بتفاصيله، كما أحبّ تقديمه للناس. لو غاب هذا الحبّ غاب عملي وانعدم وجوده.

آراءنا العربية في الحبّ مبنية في الواقع على صخرتين؛ الأولى هندستها الفلسفة الإغريقية من جبلة الأديان الهيلينية بفلسفات بابل ودلتا النيل. والثانية تراكمٌ من الأعراف الإسلامية والمسيحية السريانية التي تراكمت على الصخرة الأولى، فأطلقت بعض معانيها وحجبت الأخرى… لذا، ولأنّ منطقنا العربي مُصاغ على كود أصليّ غير عربي، أرى أنّ ضرورة تُلزمنا بالعودة إلى فهم الكود الأصلي، كي نقدر على التعامل مع مخزوننا العرفيّ من العادات والمفاهيم التقليدية. فما هو الحبّ في المنطق الإغريقي؟

ولا ننسى، بينما نقرأ تفاسير الكود الأصلي، أنّ عاصمة التراث الهيليني كانت مدينة الإسكندرية في مصر الپطولمية. كما ساهمت بابل بقدرها وتراثها في سبك التراث السلوقي وما تركه فينا من أثر هيلينيّ يزاحم كوينية الإسكندرية.

قسّمت الفلسفلة الهيلينية الحبّ ستّ مراحل، أو ستّ أنواع، لكن وطالما يمكن لهذه الأنواع الامتزاج صعوداً أو هبوطاً في أدوارها أعتقد أنّها تستحقّ تسمية مراحل، وأوّلها:

الأوّل هو أگاپي ἀγάπη وهو الحبّ الصدقة، الحب الخيريّ الذي لا يتوقّع مانحه مقابلاً، فهو حنوّ القويّ على الضعيف، وهو الحبّ الذي اعتبرته المسيحيّة ”المحبّة“ بين الربّ والعبد، طالما أنّ الربّ هو مربّي مخلوقاته ومؤدّبها. فالمعلّم يمنح عطاءه من الخير بالحبّ دون انتظار المقابل.

الثاني هو إيرو ἔρως وهو الحبّ بشغف جنسيّ، شغف الرغبة والغرام. وصار هذا الحبّ في المسيحية هو الحبّ الحميم، وكذلك حميميّة الحبّ. والأثينيّ أفلاطون Πλάτων يعرّف الإيرو بشكل خاصّ؛ إذ يعتبر أنّ كلّ الحبّ يبدأ كشكل من أشكال الإيرو، إلّا أنّه ومع التعمّق الروحي بين اثنين يصبح تقديراً من المُحبِّ لما هو جميل داخل ذات الشخص المحبوب. أفلاطون يرى أنّ العلاقات تبدأ عن رغبة إيرو ثمّ تتطوّر وتتغيّر إلى الرغبة بجمال العلاقة لذاتها دون تحقيق الاتّصال الجنسيّ. أثينيّ آخر هو سقراط Σωκράτης يرى أنّ الإيرو يساعد الروح على فهم الجمال وبالتالي على فهم الحقيقة الروحية. فالحبّ (الإيرو) هو في النهاية نتيجة الحواس، وهو سبيل الحواسّ للنفاذ إلى المستوى الروحي اللامادّي من الوجود، لذا ما يبدأ بالإيرو هو استكشاف للحقيقة يؤدّي إلى السموّ.

الثالث هو فيليَه φιλία وهو الحبّ الأخويّ، فهو الحنان بين أصدقاء، وهو الولاء الذي ينمو بين الأصدقاء إلى درجة تتفوّق فيها العلاقة على ارتباط الدم والأنساب، من دون الوصول إلى الإيرو. ويمكننا أن نعتبر حبّ الذات كذلك واحد من أشكال فيليَه (فليّه). والمعبودة عيسه (إيزيس) في الديانة المصرية الپطوليمية في أسوان كان اسمها فيله أيّ الحبيبة، لمحبّتها للناس ومحبّتهم لها على درجة فيليَه.

الرابع هو ستورگي στοργή وهو الحبّ الوجداني، فهو ما يقدّمه الأبوين لأبنائهم، وما تقدّمه الطبيعة للمخلوقات فيها… لكنّ، للستورگي وجه آخر، فهو كذلك حبّ المشاهير، كمحبّتنا لفريق كرة قدم مثلاً، أو لموسيقي، أو ولاؤننا لعلامة تجارية. لذا ترى الفلسفة الإغريقية أنّ حبّ الأبوين لأبنائهم يشابه حبّ التابع للنجوم والمشاهير، علاقة عطاء عمياء من طرف واحد.

الخامس هو فيلَوتيه φιλαυτία وهو حبّ الذات المشابه للفيليَه، الثالث، لكنّ الفيلَوتيه يقود أحياناً إلى الأنانية والغرور وإلى تعظيم الذات. وقد قسّمت الفلسفلة الإغريقية حبّ الفيلَوتيه إلى طبيعتين خيّرة وضارّة، فالخيرة هي التعاطف مع الذات، أمّا الضارّة فهي الهوس بالذات.

السادس هو زينيّه ξενία وهو في مفهومنا العربي الكرم. حبّ الكرم وعطاء وإيواء الغريب. ومنها جاءت عبارة العرب ”العادات الزينِه“ أي عادات الضيافة وإيواء عابر السبيل وتقديم الحماية والمأوى وغيرها من التكرّمات.

عاشت العرب أربع قرون تتأثّر بالفلسفات الإغريقية وتسيطر على عواصم دولها الكبرى، فمن الطبيعيّ أن تتأثر العادات العربية بالتراث الإغريقي وأن يبق مستمرّاً في الأعراف الإسلامية؛ دون تميُّز المصدر ولا وضوح الهوية. وأنا هنا لا أذمّ هذا التراث ولا أمدحه. لكنّني نمَوت فيه وبنيت مشاعري عليه، وأعتقد أنّ قراءة الكود الأصلي لمفاهمينا مهمّ لدراسة عاداتنا وقيمنا الاجتماعية. وجمال الحبّ منظور عميق في مفاهيمنا فلنحقّق جمال الحياة بالحبّ.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك