قبّة الصخرة في القدس

تم النشر في

مسجد قبّة الصخرة مشهور كأحد أهمّ مساجد المسلمين، ومن أجمل الأبنية القديمة في العالم، وهو أقدم مبنى إسلامي لم يزل يحافظ على عمارته الأصلية منذ بُني. وكان قد شُرع في إنشائه قبل المسجد الأموي في دمشق بعشرين سنة.

خلال القرن السابع أمر الأمير الأموي عبد الملك بن مروان ببناء قبّة على أعلى قمّة على جبل موريا وسط القدس، ويسمّيه الناس كذلك هضبة الحرم وجبل بيت المقدس وجبل الصخرة بسبب وجود صخرة الإسراء عليه، وهي الصخرة التي بُنيت القبّة لتغطيتها. ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 770 متر. 

ويشكّل جبل موريا موطن مدينة يبوس القديمة، أوّل مدينة في موقع القدس وعاصمة مملكة اليبوسيّين. وكان اليبوسيّون قد أطلقوا على مدينتهم اسم ”سَليمُ“ (..) ولفظها العرب القدماء بصيغتين هنّ سَليمُ وشَليمو. ويحمل اسم سَليمُ معنيين في اللّغة الأگّدية القديمة، هما: 

  • سلام، سِلم.
  • تحالف عن وئام؛ أي تفاهم. 

الآثاري البريطاني ثيوفِلُس پِنچس Theophilus Pinches متخصّص في التاريخ السوري (الأسوري)، ترك بيننا قبل أكثر من قرن كتابه ”العهد القديم في ضوء السجلّات التاريخية وأساطير أشور وبابل“، وفي كتابه يقترح پِينچس أنّ مدينة يبوس قد ذُكرت قبل 4200 سنة باسم ”يَبُسُ“ Yabusu ثمّ تحوّل هذا الاسم مع قلب حرف Y إلى J في النقوش إلى ”جِبُس“ Jebus… ثمّ تحوّل مع قلب صوت B إلى V في الإغريقية إلى ”يِڤُس“ و ”جِڤُس“ Jevus. وهو الاسم الذي ربّما قد تطوّر لاحقاً إلى يهوذه ويودا Judah وجِوِش Jewish. 

وپِينچس في مسعاه هذا لم يكن يريد أن يثبت أحقّيّة للصهاينة بالقدس إنّما أراد القول بأنّ اسم الديانة اليهودية مستوحى أساساً من اسم قبيلة يبوس، وأنّ اليهودية هي في الواقع ديانة اليبوسيّين التي انتشرت عنهم. واليبوسيّون هم الجِبُس في المصادر اللاتينية وهم اليِڤُشي في المصادر الإغريقية، وعلى الأرجح أنّهم واحدة من القبائل الموريّة، ذات القبائل التي أخرجت الأسرة البابلية الأولى التي أخذت بلاد سومر وأسّست فيها الإمبراطورية البابلية الأولى. ما يعني أنّ لغة يبوس هي لغة بابل ذاتها ولهجة عنها، ولربّما كانت القبائل الموريّة كلّها على ذات الديانة.

بكلّ حال، وبعد عشرين سنة من تأسيس الدولة الأموية في دمشق، كلّف الأمير عبد الملك بن مروان اثنين من معماريّي القدس لتصميم قبّة على الصخرة. وهما البيساني رجاء بن حيوة الكندي، والمقدسي يزيد بن سلام. وقد صمّم شكل القبّة رجاء بن حيوة مستوحياً من العمارة العربية-البيزنطية في الجليل وما حول بيسان، وساعياً إلى عدم تنافر شكل مبناه الجديد مع النسيج المعماري لمدينة القدس القديمة. وبدأ إنشاء مسجد القبّة سنة 685 واكتملت الزخارف والتزيينات سنة 691 ليخرج المسجد تحفة معمارية فريدة، على مستوى القرن السابع وكذلك على مستوى عمارة اليوم. 

لمّا أقام فرسان الهيكل في مدينة القدس خلال الفترة الصليبية، ظنّوا أنّ مسجد قبّة الصخرة كان كنيسة في الأساس حُوّلت إلى مسجد، بسبب نمطه المعماري المشابه للعمارة البيزنطية. والحقيقة أنّ السنوات الستّ التي صُرفت لبناء المسجد استُغلّت كذلك لتمهيد هضبة موريا ولم يكن في وسطها أيّ مبنى، وتمّ إنشاء مسجد قبّة الصخرة على أرض خالية. فلم يكن عليها لا كنيسة ولا كنيس ولا معبد.

مع ذلك، يعتقد الآثاري الأميركي-الفرنسي أوليگ گرابا Oleg Grabar أنّ قبّة خشبيّة سبقت وجود مسجد قبّة الصخرة وكانت قد أُنشئت بأمر من معاوية بن أبي سفيان في بداية حكمه خلال القرن السابع. بينما يعتقد عالم الإسلاميّات الألماني هيريبيرت بوسّه Heribert Busse بأنّ الصخرة كانت مغطّاة بقبّة بُنيت بأمر الإمبراطور الروماني هرقل Φλάβιος Ἡράκλειος خلال النصف الأوّل من القرن السابع… فيبدو هكذا أنّ نقاش تاريخ قبّة الصخرة قد يحمل مفاتيحاً لألغاز بداية الحكم الأموي في الشام، إذ تشير هذه الدراسات إلى قداسة أحاطت بالصخرة قبل الاعتقاد بإسراء رسول الإسلام من عليها.

لروعة تصميمه ولجمالية مسجد قبّة الصخرة في القدس صار واحداً من أندر المباني الأموية التي نجت من الهدم العبّاسي لآثار الأمويّين. لكنّ الخليفة المأمون وفي مطلع القرن التاسع أمر بإزالة اسم عبد الملك بن مروان عن نقوش القبّة الداخلية واستبداله باسم المأمون.

خلال فترة الحكم الصليبي للقدس ومنذ السنة الأولى للقرن 12 مُنح مسجد قبّة الصخرة للطائفة الأوغسطينية الكاثوليكية التي اتّخذته كنيسة لها في القدس. بينما اتّخذ الصليبيّون من المصلّى المرواني مقرّاً لحاكم القدس. ثم وسنة 1119 صار المصلّى المرواني المقرّ الرئيسي لمؤسّسة فرسان الهيكل، إلى أن أخذ القدس صلاح الدين الأيّوبي سنة 1187. خلال استقرار فرسان الهيكل في المسجد الأقصى روّجوا أنّ مسجد قبّة الصخرة (الكنيسة الأوغسطينية) هو معبد سليمان القديم، وأطلقوا عليه اسم ”معبد الربّ“ Templum Domini وصار شكله هو ختم مؤسّسة فرسان الهيكل الرسمي، وأصبح النموذج المعماري لكنائس فرسان الهيكل المدوّرة عبر أوروپا.

ختم مؤسسة فرسان الهيكل ويظهر مبنى قبة الصخرة على اليمين
ختم مؤسسة فرسان الهيكل ويظهر مبنى قبة الصخرة على اليمين

خلال عهد المماليك أنشأت الدولة مؤسّسة خاصّة بمسجد قبّة الصخرة نالت تمويلاً حكوميّاً ملكيّاً وكانت إدارتها تتبع الديوان السلطاني مباشرة دون أيّ وزارة وسيطة، واستمرّت حياة هذه المؤسّسة منذ 1250 حتى 1510 حين انحلّت بسبب انهيار النظام المملوكي وتوقّف التمويل. ثمّ وخلال عهد السلطان العثماني سليمان القانوني أنفقت الدولة على مشروع ترميم شامل لمسجد قبّة الصخرة بدأ حوالي سنة 1520 واستمرّ سبع سنوات… أكثر من الفترة التي استغرقها بناء المسجد. ترميم شامل آخر بدأه وقف خاصّ بالترميم سنة 1817 في عهد السلطان محمود الثاني، ثمّ قام السلطان عبد العزيز آل عثمان بتجديد الكثير من تزيينات موزاييك المسجد القديمة واستبدالها بنسخ مطابقة عنها حوالي سنة 1875.

سنة 1927 انهارت أجزاء من مسجد قبّة الصخرة بفعل زلزال ضرب القدس، وانتظر المبنى يتداعى حتّى سنة 1955 حين قامت الحكومة الأردنية بتنفيذ أعمال ترميم شاملة موّلتها حكومات تركيا والعراق. واليوم، بعد مضيّ 1330 سنة على بناء مسجد قبّة الصخرة، لم يزل تحفة معمارية أمويّة تزيّن واحداً من أقدم مواقع العبادة الكنعانية-المورية القديمة، في قلب الموطن اليبوسي العتيق.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك