هزيمة اللّيبرالية

في معركة اللّيبرالية الأوروپية مع التعصّب المشرقي تخسر أوروپا بالتأكيد. ولا تكون هزيمتها على مستوى السلطة، إنّما بخسارة شعوبها لمستوى اللّيبرالية الذي تتمتّع به اليوم. وهذه حقيقة تفضّلها السلطة في أيّ دولة على هذا الكوكب الصغير، حتّى في أوروپا.

إذ أنّ المشرقي الفاقد لأيّ حرّية لن يخسر المزيد منها تحت الضغوط الأوروپية، بينما يفقد الأوروپي الكثير من الحريّات التي يعيشها ليبراليّاً؛ ليتحوّل واقعه أكثر فأكثر إلى واقع المشرقي… الأجدى في معركة اللّيبرالية ولنجاتها أن تسعى لانتشارها أكثر، وأن لا يكون في الواقع معركة، وأن يحدّد اللّيبراليّون أعداءهم الحقيقيّون.

في الواقع، يخطئ الكثيرون بوضع اللّيبراليّين (التحرّريّين) في مواجهة المحافظين، إذ لا تناقض بين مبادئ الطرفين. فالتحرّريّون قوميّون غالباً كما المحافظين تماماً وكليهم على اليمين، بينما يصارع المحافظين اليساريّون المجدِّدون الساعون للتغيير والمطالبين به. اليسار المجدِّد يسعى باستمرار لتغيير وتجديد ما يحافظ على استمرار وجوده المحافظون، وغالباً ما تكون أدوات اليسار المجدّد شمولية لا تحرّرية. فهل يقع التحرّري (اللّيبرالي) هكذا على اليسار؟ هل يسعى التحرّري للتجديد بأدوات شمولية؟

تستفزّني كيفيّة استخدام الناس في أوروپا وفي البلدان العربيّة لكلمات ”ليبرالي“ و ”محافظ“ لوصف المشهد السياسي كما لو أنّ المذهبين متناقضين بالضرورة. لا أعتقد أنّ هذين المذهبين متناقضَين بالضرورة. فالضدّ الصحيح لكلمة تحرّر ”ليبرالية“ هو التقيّد؛ اللا تحرّر. بينما نجد أنّ الضدّ الصحيح لكلمة ”محافظ“ هو ”المجدّد“ وهو ما يشبه ”الإصلاحي“ أو ”المصلح“.

لنستكشف ماضي هاتي الكلمات ومبدأ دخولها إلى المصطلح السياسي في اللّغة العربية. ولنبدأ بالكلمة ذات التعريف الأسهل: المحافظ… تعتاد الناس ربط شخصية المحافظ الأوروپي بمفاهيم مثل الرأسمالية والتديّن والقومية، لكنّني لا أعتقد أن هذه المفاهيم يجب أن تكون من سمات شخصية المحافظ.

ولتوضيح الفكرة، لنلق نظرة على أصل الكلمة.

كلمة ”محافظ“ التي ترجمناها في القرن 19 عن ”كونسِرڤاتور“ Conservateur الفرنسية مشتقّة في الأساس عن الكلمة اللاتينية ”كونسِرڤاره“ Conservare، والّتي يمكن ترجمتها إلى معانٍ مثل ”للحفاظ على حالته الأصلية“ أو ”للمحافظة عليه” أو “صيانته“. لا يوجد في صفة “محافظ” ما يشير إلى الرأسمالية أو الدين أو القومية. إذ أنّ ”محافظ“ تعني ببساطة أنّك تريد الحفاظ على الطريقة التي تسير بها الأمور، الحفاظ على العادات. كلام منطقي؛ صح؟

ننتقل إلى الجبهة الثانية من المعركة المفترضة.

تُشير صفة ”ليبرالي“ إلى أحد أتباع اللّيبرالية (التحرّرية)، الأيديولوجية التي وُلدت من عصر التنوير… لن أسرد تاريخاً مملّاً أو درساً في الفلسفة، لكن وباختصار: يؤكّد مذهب اللّيبرالية (التحرّرية)، كما صاغه منشئوه في القرنين 17 و18، على التشديد على حريّة الفرد.

من خلال هذه التعريفات، لا أجد تعارضاً ما بين اللّيبرالية والمحافظة.

إذا كنت تعيش حالياً في مجتمع ليبرالي (متحرّر) – أي مجتمع يدعم مُثُل اللّيبرالية (التحرّرية) وحرّية الفرد – وتريد الحفاظ على الأمور على هذا النحو، يمكن للمرء أن يصفك منطقياً بأنّك ليبرالي ومحافظ في نفس الوقت دون أي تناقضّ في هذا الوصف.

اعتماداً على هذه التعريفات نفسها يمكنك أيضا رؤية مدى غرابة وضع المحافظ في مواجهة اللّيبرالية (التحرّرية) والعكس صحيح. الضدّ الصحيح للمحافظ هو الشخص الذي يتبنّى سياسية تغيير الوضع الراهن. ولا أعتقد بتوفّر مصطلح سياسي مستخدم لوصف هذا الشخص في اللّغة العربية. ربّما الإصلاحي أو التقدّمي هنّ أقرب الصفات التي تخطر في بالي. لكنّهنّ لا تعبّرن عن المعنى المقصود تماماً. أعتقد أنّ الوصف الأنسب هو ”المجدِّد“.

وبالمثل، فإنّ الضدّ السليم للّيبرالي (التحرّري) هو الشخص الذي يرفض مبادئ اللّيبرالية ويعارض حرّية الفرد… هناك العديد من المذاهب المعارضة للّيبرالية، على سبيل المثال لا الحصر: المَلكيّة، والشمولية، والفاشية، والاشتراكية، والشيوعية، وما إلى ذلك. يمكننا وصف هذه المذاهب الفلسفية أو أتباعها بأنهم غير ليبراليّون.

وبالخلاصة:

العدوّ الطبيعي للمحافظ هو المجدِّد أو الإصلاحي.
عدوّ المحافظة هو التغيير بكل أشكاله.

العدوّ الطبيعي للّيبرالي (التحرّري) هو المستعبِد المستبد.
عدوّ اللّيبرالية (الحرّية) هو التعصّب وضيق الأفق.

مخطّط المعادلة السياسية

وبالعودة إلى الفقرة الثانية من تدوينتي… العدوّ الحقيقي للّيبرالية الأوروپية هو الاستبداد القابع في المشرق. هذا الاستبداد الذي دعمته القوى الأوروپية ثمّ تركته ينمو على جثث المشرقيّين وحياتهم وأفكارهم، فصار التعصّب أبرز سمات المشرقيّ ومنهج فكره ضيق الأفق.

إنّ تحرير المشرقيّ من الأنظمة الاستبدادية تمكينا لليبرالية مشرقيّة حقيقية توازي اللّيبرالية الغربية، هو السبيل الوحيد لحماية اللّيبرالية الأوروپية الغربية. أمّا افتعال الأزمات الدافعة للمزيد من تقييد الحرّيات على الغرب من أوروپا فلن يسير بشعوب هذه البلدان إلّا إلى المزيد من التشبّه بواقع شعوب المشرق.


استوحيت أفكار هذه التدوينة من فصل بعنوان ”لماذا لست محافظاً“ من كتاب ”دستور الحرية“ للفيلسوف النمساوي فريدريش هايِك Friedrich August von Hayek المتوفّي سنة 1992 في ألمانيا.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات