الفنيقيّون تجّار عنب حميريّون؟

أعتقد أنّ تسمية الفنيقيّين منحولة عن اسم النبيذ اليمني وَين.

كلمة وَين كلمة عربية حميرية قديمة تعني عنب النبيذ، إذ وبحسب د. عبد الله يوسف أستاذ الساميّات في جامعة صنعاء؛ ترد وَين في النقوش دائماً مقترنة بكلمة مزْر التي تعني نبيذ.

كلمة فنيقيّين العربية أصلها اللّفظة الإغريقية فُوينيگوس Φοίνικες، وهي اسم مضاف بصيغة جمع ومفردها فُوينيگْو φοῖνιξ وتعني الشخص الفينيقي.

إضافة إلى ذلك فإنّ كلمة پوينگوس φοίνῑκος المقدونية هي اسم مضاف مشتقّ عن پوِنيكسي φοῖνῐξ التي تعني لون الأرجوان واللّون القرمزي، والتمر ونخل التمر والأحمر التمري، والطائر الأحمر المذكور في أسطورة طائر الفينيق وهو طائر الفلامنكو المعاصر. وتعني پوِنيكسي كذلك الموسيقى الفنيقية. ~ بحسب المعجم الهومري لعالم فقه اللّغة الألماني گيورگ أَوتينغيت Georg Autenrieth.

ونلاحظ دوران معاني كلمة فُوينيگْو وأصولها حول صفات النبيذ وألوانه. وفي نصوص إغريقية-كوينية أخرى وردت الكلمة ذاتها بمعانى لون حمرة الدم وكذلك بمعنى الدم، وأحياناً بمعنى قتل وذبح تصويراً لسفح الدم. واليوم في بلاد الشام نسمّي هذه الدرجة من اللّون الأحمر باللّون الخمري أو النبيتي نسبة إلى النبيذ. والنبيذ صُنع بداية من التمر مع إضافة العنب لاستغلال فطور الخميرة التي تنمو على قشرة حبّ العنب، قبل أن يقوم الخمّارون بتطوير النبيذ من العنب وحده دون استعمال التمر.

نصوص كثيرة من تدوينات الإغريق تذكر النبيذ باسم لونه فُوينيگْو φοῖνιξ، ما اعتقده الدارسون ولفترة طويلة أنّه اسم منسوب إلى الفنيقيّين؛ منتجي ومصدّري النبيذ حول المتوسط طوال قرون. لكنّ تكرار النصوص التي تستخدم هذه الكلمة للتعبير عن اللّون فقط دون الإشارة إلى الفنيقيّين قلَب الآية، وبات واضحاً انتساب اسم الشعب الفنيقي إلى اسم النبيذ باللّغة الإغريقية لا العكس، لأنّ التاجر الفنيقي هو مصدر النبيذ.

اليوم لم تزل كلمة فُينِكِس Φοίνικες في اللّغة اليونانية تشير إلى نخل التمر عموماً، دون معانٍ أخرى.

الدكتورة الآثارية ماريا يوجينيا أَوبيت María Eugenia Aubet Semmler أستاذة مادة عصور ما قبل التاريخ في جامعة پومپيو فابرا برشلونة UPF تذكر رأياً مشابهاً في محاولاتهم لتأصيل اسم مدينة ”ڤينيسيا“ الإيطالية في كتابها ”صوْر والمستوطنات الفنيقية الغربية“ Tiro y las colonias fenicias de occidente.

على جانب آخر يربط دكتور اللّغات الهولاندي روبيرت بيكيز Robert Stephen Paul Beekes الاسم الآخر للفنيقيّين: الكنعانيّين؛ كذلك باللّون الأحمر، حيث يرى أنّ كلمة كنعاني تنحدر من الكلمة المصرية القديمة ”كِنَحّو“ أو ”كينَخّو“ kinaḫḫu بمعنى الصوف المصبوغ بالأحمر، وكان الأحمر لوناً ملكيّاً خاصّاً بثياب الملوك وقصورهم وتميّز به بداية ملوك كنعان.

الآثاري الألماني بينّو لاندزبيرگير Benno Landsberger متخصّص بالتاريخ الأسوري؛ عاد بكلمة ”كينَحّو“ المصرية إلى كلمة ”قِنَحُّ“ qinaḫḫu السومرية-المصرية التي تعني اللّون الأحمر القاني. وأعاد تأصيلها إلى كلمة سومرية أقدم هي ”قاين“ و ”قَين“ التي تعني صفة اللّون القاني… الكلمة ذاتها ترد في النقوش الأكّدية بصيغة أُقنو وفي الأوگاريتية إقنُ، والكلمة ذاتها صارت في الإغريقية القديمة كَيانو kýanos بمعنى ملك وسُلطة بسبب ارتداء الملك لعباءة حمراء.

 بالخلاصة:
– نعرف ارتباط الفنيقيّين بالجنوب العربي بسبب تكرار أسماء المدن الفنيقيّة جنوباً وشمالاً. وبسبب تطابق المعتقدات والممارسات الدينية على الجانبين.
– نعرف أنّ العنب ونبيذه كانا أهمّ منتجات وصادرات العرب، حتّى عبد الناس ربّة للنبيذ اسمها ”ذات مزْر“. وذكرت شعوب حضارات العالم أنّها استوردت النبيذ من العرب.
– وبتنا نرى هنا تطوّراً لكلمة فُوينيگيس Φοίνικες عن پوينيگْو φοῖνιξ الإغريقية التي استُعملت اسماً لنبيذ التمر، وتُستعمل اليوم اسماً لنخل التمر. بات أقرب إلى المنطق تطوّر كلمة فنيقي عن كلمة ”وَين“ الحميرية.

أمّا التأصيل الآلي فقد مرّ ربّما بالمراحل التالية:
اسم وَين 𐩥َ𐩺𐩬 الحميري > بِنُّ المصري > پونِكه 𐀡𐀛𐀐 المقدوني >> صفة پوينيكي المقدونية > پوينيگْو الإغريقية > فُوينيگْو الإغريقية الهيلينية.

كلمة پونِكِپِ  𐀡𐀛𐀑𐀠 المقدونية تحمل المعنيّين: نخل التمر، وكرم العنب.

الحرف پ φ المقدوني تحوّل في الإغريقية إلى حرف پف Φ ثمّ صار بذاته ف مجرّدة. فصارت؛ مع الزمن، كلّ الكلمات التي تبدأ بصوت پ تبدأ بصوت ف.

خارطة الطريق البحريّة الفنيقيّة فترة سنة 800 قبل الميلاد
خارطة الطريق البحريّة الفنيقيّة فترة سنة 800 قبل الميلاد

أخيراً ينبغي أن أذكر أنّ الفنيقيّين في الشرق أطلقوا على بلادهم اسم پوت 𐤐𐤕 وعلى شعبهم اسم پونيُّم 𐤐𐤍𐤉𐤌. وحين أسّس الفنيقيّون دولة من مدينة قرطاج على الغرب أطلقوا عليها اسم آفرين (عفرينُ – عفريٌ) 𐤏𐤐𐤓𐤉 واسم البلد هذا مشتقّ عن صفة مواطن بالفنيقية: آفِر (عفر) 𐤏𐤐𐤓، وكلمة عفر هذه تقابل كلمة مواطن في اللّغة العربية الحديثة. وبالتالي يصبح اسم البلد هو ”المواطِنيّة“ تماماً كمعنى اسم ألمانيا المعاصر دويچلاند Deutschland بلد المواطنين.

ولاحقاً في تدويناتهم المكتشفة في طرابلس الغرب أشاروا إلى أنفسهم بصفتيّ ”سوريم“ و ”طَيريّون“ نسبة إلى مدينة صور ”طيره“. وكل ما سبق بحسب أستاذ لغات الشرق الأدنى الأميركي چارلز كراملكوڤ Charles R. Krahmalkov. في كتابه ”قواعد اللّغة الفنيقية-الپونيقية“ A Phoenician-Punic grammar. وكراملكوڤ هو واضع أوّل معجم فنيقي متكامل أثبت فيه أنّ اللّغتين الفنيقية والپونية لهجتين عن لغة واحدة.

تقول أحد أبيات ترنيمة الشمس الحِميرية: ”وَين مَزْر كن كشقحك“ وترجمتها العربية ”العنب اختمر إذ سطعت“. ~ نقش القصيدة الحميرية، الأستاذ عبد الله يوسف.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات