دولة المواطنة العادلة

قبل يومين نشرت على فيٓسبوك خارطة لسوريا مقسّمة بحسب المناطق الثقافية التي رسمها الأستاذ مايكل مھرداد ئیزەدی، ونالت الخارطة استهجاناً واعتراضات مختلفة؛ لكن، تركّزت أغلبيّة الآراء الرافضة على الاعتراض على فكرة تقسيم سوريا بحدّ ذاتها، بغضّ النظر عن شكل ومنطق التقسيم. وهذه غيريّة على بلد عربيّ يخشى الخائفون عليه أن يكون في التقسيم إضعاف للوجود العربي في البلد.

لو تمّ تقسيم سوريا الحالية وفقاً لمناطقها الثقافية لكانت هذه خريطتها الجديدة، بناء على رأي الپروفيسور مايكل مھرداد ئیزەدی Michael Mehrdad Izady.
لو تمّ تقسيم سوريا الحالية وفقاً لمناطقها الثقافية لكانت هذه خريطتها الجديدة، بناء على رأي الپروفيسور مايكل مھرداد ئیزەدی Michael Mehrdad Izady.

خلال السنوات الأخيرة انخرط السوريّون في حرب همجية كرّرت بشكل ما أحداث 1855-1860 التي انتهت كذلك بشكل مشابه حين فرضت قوى أجنبية مختلفة حضورها كقوى ضامنة للسلم الأهلي بين أهل البلد. والبلد هذه المرّة هو سوريا الثريّة بتنوّع سكّانها الإثني، ثراء يُلام اليوم ويُحمّل مسؤولية أحداث السنوات العشر الأخيرة. وقد لا تكون الحرب مؤخّراً نتيجة لهذا التنوّع الإثني في سوريا، لكنّ هذا التنوّع هو أحد العوامل المساعدة للحرب طالما أنّ كلّ عنصر من مكوّنات المجتمع السوري يعتقد بالتفوّق على باقي العناصر، ويعتقد كذلك بمظلومية ينالها من بقية العناصر. 

سوريا، هذا البلد المتنوّع؛ وحيث أنّ التنوّع هو أحد أكبر وأهمّ الموارد البشرية الكامنة فيه، عاش أغلب القرن الماضي محكوماً بأنظمة سياسية عسكرية ترى أنّ في هذا التنوّع مشكلة تحتاج إلى حل، وترى أنّ في هذا التنوّع إضعاف لمكانة سوريا وسط جيرانها. فلجأت هذه الأنظمة باستمرار لاستعمال منطق التفوّق العنصري والمظلومية سابقة الذكر، ما أنتج دولة عنصرية لا تعترف بحقوق ثقافية لسكّانها، وتفرض استنساخ شكل واحد فقط؛ اعتبرته المكوّن الأصلي للهوية الوطنية السورية.

هكذا باتت الهوية الوطنية السورية تعرّف السوريّ بالإنسان العربي المسلم السنّي من مواليد سوريا ولبنان، لأنّ السنّة أغلبية، ولأنّ سوريا بالأساس مقسومة عن دولة إسلامية سنّية. وارتبك السوريّون لاحقاً في تطبيق هذه الهوية حتّى اعتُبر المواطن المخالف لصفاتها عدوّاً لها ومخالفاً للهوية الوطنية الجامعة ولا يستحقّ أن يُقبل سوريّاً في بلده. وصار السوريّ ينظر لغيره السوريّ ضيفاً أجنبيّاً وافداً من مكان ما، وليس سوريّاً بأصالة.

وصار السوريّ العربي يستغرب سوريّة السوريّ غير العربي.

وصار السوريّ المسلم يستغرب سوريّة السوريّ غير المسلم.

وصار السوريّ السنّي يستغرب سوريّة السوريّ غير السنّي.

وهو توجّه دعمه الإعلام السوريّ بمختلف توجّهاته ومنذ تأسّس على يد خليل الخوري سنة 1857، ثم تطوّر مع إطلاق إذاعة دمشق (القومية) سنة 1947، وكذلك مع إطلاق التلفزيون السوري (القومي) سنة 1960 وهو في الأساس تلفزيون الجمهورية العربية المتحدة.

هكذا صارت سوريا دولة عصبيّة تقوم على العنصر. فصارت العناصر المرفوضة لا ترى حلّاً لأزمة هويّتها غير الانفصال عن هذه الدولة والاستقلال في دولة عصبيّة تخصّ عنصرها. وبرأيي أيّ دولة عصبيّة لا تنجح إلا بالتقسيم، سواء أكان العنصر قومياً أو دينياً. إذ يبقى العنصر المتفوّق فيها ظالماً للعناصر الأقلية. لذا فالتقسيم مفيد في حالة الدولة العصبيّة، إذ بالتقسيم يتكوّن المجتمع المتجانس الأنسب لنظام الحكم العنصري، وإذا فشل التقسيم تلجأ الدولة العصبية إلى طرد جزء من سكّانها أو إبادتهم… وهو ما شجّعت عليه حكومة اوچ پاشلار القومية عقب انقلاب 1913.

وعلى النقيض من دولة العصبيّة العنصرية تنجح في العالم نماذج كثيرة لدولة المواطنة العادلة، حيث يعيش كلّ سكّان البلد محكومين بنظام مواطنة لا يفضّل عنصراً على آخر، ولا يرتّب المواطنين طبقات بناء على صفاتهم ومعتقداتهم… فالهوية الوطنية في دولة المواطنة العادلة هي احترام قانون البلد وعدم التسبب بالضرر لبقية المواطنين. هكذا ببساطة من دون تحديد صفات عنصرية. لا إثنية ولا قومية ولا دينية.

دولة المواطنة العادلة هي النموذج الوحيد الذي يشجّع غيرها من جيرانها على طلب الاتحاد بها والتقرّب منها. إذ يجدون فيها الحلّ الوحيد لتشجيع الناس على العيش السليم والحياة المشتركة… فدولة المواطنة العادلة هي دولة لا تعتمد على تفوّق عنصر من عناصرها؛ لا بالقومية ولا بالدين، إنّما هي دولة تسمح لكلّ سكّانها بالحياة فيها على ذات الجودة، ولا تفاضل مواطنيها على بعض بالصفات. ولو تحقّق لسوريا قيام نظام حكم يدعم مبدأ المواطنة العادلة، لاستنكر كلّ الناس فيها أفكار التقسيم، ولاستفادت سوريا من موردها البشري الهائل المتمثّل بتنوّع سكّانها الإثني.

أمّا العناصر المنفصلة، ولو حدث تقسيم، فلن تنجح دولها الجديدة، وستفشل بعصبيّتها كما فشلت سوريا، وكما فشل من قبل لبنان، وكما تفشل إسرائيل وتفشل كلّ الدول العصبيّة على شاكلتها… هذه الدول التي لا تنتج للعالم غير اللاجئين والمهاجرين. ثمّ تفتح أراضيها سوقاً لمصانع السلاح ولحروب لا تنتهي.

شارك برأيك