الإمارة الكردية: هزاراسپیان

فتيات في رقصة كردية شعبية
فتيات في رقصة كردية شعبية

في هذه التدوينة أتناول حكاية أقدم إمارة كردية مسلمة، وهي الشهيرة باسم كردستان إيران. وأبدأها بالخلفية الدينية والتاريخية ثمّ أسير بتاريخها السياسي حتّى القرن 15.

خلفية تاريخية

خلال القرن 16 ق.م غزت جنوب العراق قبائل محاربة راحلة وفدت من وسط آسيا، ثمّ استطاعت حكم بابل، أو مكّنها الأهالي من حكم بابل، بسبب النزاعات المحلّية التي اندلعت بانفراط المملكة البابلية الأولى على إثر الغزو الحثّي. ونعرف هذه الشعوب اليوم باسم الكيشيّين أو الكسّيّين، وعرفهم أهل بابل باسم كَشُّ. 

حكمت الأسرة الكاشية مملكة بابل من مدينة عقرقوف وسط العراق، واستمرّت على العرش من سنة 1595 ق.م حتى 1155 ق.م. إلى أن قضت عليها إيلام وصارت سوسه هي عاصمة المنطقة كلّها، فتبنّى الإيلاميّون الشعب الكاشي كجزء من الشعب الإيلامي، وخدم الكاشيّون بالتالي في الجيش الإيلامي وانتشروا في مناطق إيلام.

في كتابه “أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث” يعتقد العسكري والمؤرّخ البريطاني ستيفن همسلي لونگريگ Stephen Hemsley Longrigg أنّ الكاشيّون هم أجداد اللّر وأنّهم في الأصل پارثيّون مهاجرون من منطقة “پشت کوه” في خرسان أفغانستان، وبهذا يشترك اللّر والتورك الجنوبيّون في الأصل الواحد العائد إلى الپارثيّين الپشتون.

عبد الكاشيّون ملوكهم، لكنّهم في العموم آمنوا بالخالق مَشحو الذي ورد في بعض النقوش الإيلامية باسم بشحو. وإلى جانب ملوكهم تبنّى الكاشيّون فلسفات وأديان الشعوب التي جاوروها في العراق وغرب إيران، فانتشرت بينهم مذاهب تدمج ما بين آلهة العراق والعبادات الپارثية المنتشرة وسط آسيا. في العهد السلوقي تحوّل قسم من الكاشيّين اللّر إلى اليهودية ونشأ منهم بالتالي من نعرفهم اليوم باليهود الكرد.

وخلال العهد الساساني، وربّما ما قبله في العهد الأشكاني، ارتبطت مجتمعات الكاشيّين بعرب طيء المتحوّلين إلى الفارسية، فتجاوروا السكن في ذات المناطق، حتى في البلد الأم “پشت کوه” في أفغانستان، ما يعزّر من فرضية النسب ما بين الپشتون الپارثيّين واللّر الكاشيّين.

عالم الإيرانيّات السويدي-الأميركي ريتشارد فراي Richard N. Frye وفي كتابه “العصر الذهبي لفارس” يقول بأنّ الحكومات التي حكمت الممالك الإيرانية ما قبل الإسلام دأبت على منح صفة كرد وكردان لجميع المجتمعات البدوية في البلاد، سواء أكانت هذه المجتمعات كردية أو لا، ولهذا السبب صارت صفة كردي تُنسب إلى قبائل لرستان وقوہستان وبلوچستان وكرمان. وفي الواقع تتشابه معاني لرستان وقوہستان فكليهن تعني “أرض الجبال”، لكنّ لرستان تعني أرض الجبال الصافرة، بسبب صوت سرعة الرياح فيها.

عموماً، يعتقد المؤرّخ الأميركي ميخائيل گونتر Michael Gunter أنّ شعباً كردياً بدأ بالتميّز عن الكاشيّين في لرستان في فترة القرن العاشر، وهؤلاء الكرد يسمّون اليوم بالفيليون أو الأكراد الفيلية (فه‌یلی)… وقد يكون مرجع هذا التميّز إلى تحوّل الفيليّين إلى الإسلام أو بسبب نزوعهم إلى الإستقرار ومخالفة العادات اللّورية التي كانت تنزع إلى الترحال.

الخارطة مقطع من خارطة بعنوان تركيا الآسيوية سنة 1812 وتظهر عليها حدود كردستان إيران

الخارطة مقطع من خارطة بعنوان تركيا الآسيوية، من رسم الجغرافي الدنماركي-الفرنسي کنراد مالته-برون Conrad Malte-Brun سنة 1812 وتظهر عليها حدود كردستان إيران التي تشكّل فعلياً مناطق كرمانشاه وخرم آباد وإيلام، ويمكن تصفّح الخارطة الكاملة هنا go.monis.net/KRDSTN 

نشوء إمارة هزاراسپیان

خلال القرن 12 نشأت المملكة التركمانية السلغورية تحت رعاية العرش السلجوقي وتميّزت باسم أتابكة فارس (اتابکان فارس). استعان السلغوريّون بفصائل كردية فيلية في عساكرهم وعيّنوا على رأس الجيش قائداً كردياً من الفيليّين اسمه أبو طاهر بن محمّد شبانكاره. وتسمية شبانكاره تحوير عن كلمة الشڤانكارة التي تعني “ممتهن الرعي”. وكان آل شبانكاره قد أسّسوا إمارة إقطاعية بويهيّة دامت من القرن 11 حتّى القرن 14. وصارت من إقطاعات السلاجقة اعتباراً من سنة 1071.

فيم بعد، عيّن السلغوريّون أبو طاهر شبانكاره حاكماً على محافظة کهگیلویه، فامتدّ سلطانه منها على لرستان ثمّ أصفهان، فنال من السلاجقة لقب أتابك واستقلّ بإمارته الفيلية تحت اسم هزاراسپیان. 

تحالفت إمارة هزاراسپیان مع الخوازرميّين الترك في مواجهة المغول، ثم استسلمت للمغول بعد هزيمة “جلال ‌الدین خوارزمشاه”. سار جيش هزاراسپیان بصحبة جيش هولاگو لغزو بغداد، لكنّ الأمير “تكله شبانكاره” انسحب بفصائله بعد أن علم نيّة هولاگو تدمير بغداد وقتل الخليفة. وبقي الأمير “تكله” هارباً إلى أن اعتقله وأعدمه هولاگو لاحقاً.

خلال عهد “أباقا خان” ثاني ملوك إيلخانات فارس المغول، أُضيفت گلپایگان وخوزستان (الأحواز) إلى سلطة هزاراسپیان، ورُدّ اعتبار أسرة شبانكاره كأمراء على الإمارة التي اعتُبرت واحدة من إيلخانات مغول فارس، وانتقلوا بعاصمة الإمارة إلى مدينة “ايذه” شرق الأحواز.

نهاية القرن 13 حاول أمير هزاراسپیان “أفرسياب” الاستقلال بإمارته مع جنوب العراق عن سلطة المغول، لكنّه انهزم وأعدمه “غازان خان” حاكم مغول فارس سنة 1296. مع ذلك استمرّت إمارة هزاراسپیان بالوجود والازدهار كإمارة كردية إلى أن قضى عليها التيموريّون سنة 1424.

خلال العهد الصفوي في القرن 16 تحوّل كرد الفيلية (فه‌یلی) إلى المذهب الشيعي ومُنحت بلادهم تسمية كردستان، التي بقيت تُستعمل إلى زوال الملك القاجاري. وطُرد الفيليّون السنّة ممّن رفضوا التشيّع إلى العثمانية وصاروا فيها لاجئين.

انقر هنا لقراءة تاريخ الإمارات الكردية الكبرى

انقر هنا لقراءة تاريخ الإمارة الكردية جبل داسن

انقر هنا لقراءة تاريخ الإمارة الكردية المندية، جبل الأكراد، كلّز واعزاز

من تأليف مؤنس بخاري

باحث عربي مستقل، شغوف بالطهي وتاريخه وتراثه، دارس للمطبخ ومدوّن في علومه. مدوّن باحث في التاريخ الاجتماعي ومتخصّص في الهندسة المجتمعية. أحبّ التدوين وأهوى البحث عن أصول الكلمات ومنابعها، وللإمساك بالأصول أتسلّق عرائش الحكايات بالمقلوب، فأعود من اليوم إلى أبعد ما يمكن في الأمس، وعلى مسار خطوات العودة تأتي الاستعادة؛ فأضع هنا خلاصة سيرة حياة كلمة.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: