سلطنة كِلوة

تم النشر في

على الرغم من اتّساعها على البر لكن تُعتبر سلطنة كِلوة واحدة من الإمبراطوريات البحرية الكبرى؛ ينظر إليها التاريخ كما ننظر إلى الفنيقيين والحضارمة والماوري. ومن وجهة نظري فإنّ حكاية سلطنة كِلوة لا تقلّ بمأساتها عن مأساة الأندلس وضياعها من أيدي العرب. إذ أنّها وبعد قرون كثيرة من الحكم العربي، زالت من الوجود وطُرد العرب عنها وتعرّضوا للعديد من عمليات الإبادة الجماعية. ولو استمرّت لكانت اليوم أكبر بلد عربي في الوجود.

المصدر الوحيد لتاريخ سلطنة كِلوة قبل الغزو الپرتغالي هو كتاب بالعربية بعنوان “كتاب السُلوى” كان سجلّاً ملكيّاً لحكّام كِلوة، ثمّ ترجمه إلى الپرتغالية المؤرّخ الپرتغالي “جواو دي باروشه” João de Barros وضمّن ترجمته هذه في كتاب بعنوان: Décadas da Ásia لأنّ الپرتغالية آنذاك كانوا يعتقدون بأن أفريقيا جزء من آسيا. وتمكّن الپرتغاليّون بفضل هذه الترجمة من فهم تاريخ السلطنة واللّعب على أوتاره لإثارة الفتن والتزاعات المحليّة بين مجتمعات كِلوة للتدخّل في شؤونها واحتلالها.

خلفية تاريخية:

تبدأ حكاية سلطنة كِلوة مع تأسيس السلطنة البويهية في بغداد، لكن للمنطقة تاريخ طويل قبل تنفّذ البويهيّين.

خلال الألفيات السابقة للعصر الهيليني سكنت شرق أفريقيا قبائل “سامية” كما تسمّيها الأكاديميات اليوم، واعتاشت هذه القبائل على رعي المواشي والصيد، ولم تمارس الزراعة. وكانت هذه القبائل “السامية” قد انتشرت في كامل القسم الشرقي من أفريقيا نازحة عن إثيوپيا والسودان.

بدأً من القرن الرابع قبل الميلاد بدأت تتوافد على المنطقة هجرات من قبائل البانتو سكّان نهر النيجر وكانت مصر الپطولمية أو حتى المضرية قبلها؛ قد استعانت بالبانتو المزارعين للسيطرة على شرق أفريقيا ومدّ خطوط التجارة، فتعرّفوا على المنطقة واستمرّت هجراتهم تستهدف البحيرات العظيمة على الشرق ونشأت بالتالي شعوب “مَشارِكي بانتو” أي البانتو المشرقيّين.

خلال تلك الفترة سيطر الحضارمة واليمنيّين عموماً على سواحل شرق أفريقيا وجميع الجزر ما بين الهند وأفريقيا، واستعملوا السواحل لإنتاج البن والعطور وتصديرها، كما اشتغلوا بالتجارة ما بين الهند والبانتو المشرقيّين، فترك لهم البانتو السواحل دون ضرر. ومع نزول العرب تحت سلطة الرومان ثم البيزنطيّين استعملت المملكة العربية تجار حضرموت البحّارة لتمرير التجارة البيزنطية عبر بحر العرب.

هكذا صارت الكثير من الجزر المبعثرة في بحر العرب والمحيط الهندي ممتلكات بيزنطية يقوم عليها حضارمة وتعزيّون، ومن مدنهم تلك عبر بحر العرب وشرق أفريقيا كانت مدينة كِلوة القائمة على جزيرة بنفس الاسم قبالة الساحل التنزاني اليوم. وكانت أهمّ منافذ التجارة البحرية على شرق أفريقيا إلى جانب مقديشو في الشمال. ومع قيام الإسلام ودولته، ومن ثمّ نزول اليمن وحضرموت مع القسم العربي من البيزنطية تحت سيطرة الأمويّين، صارت كلّ تلك الممتلكات البحرية ممتلكات أمويّة، عزّز الأمويّون من استثمارها ومن الحضور العربي فيها.

تأسيس سلطنة كِلوة:

لتأسيس كِلوة حكاية ترتبط بالأحوال السياسية في العراق وفارس، لكن لأنساب السلطان المؤسّس أسطورتين:

سنة 951 أسقط عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه حكم الصفاريّين على شيراز وأسّس الشاهية البويهية الفارسية. 

تقول الأسطورة الأولى أنّه كان على شيراز آنذاك أمير صفاري اسمه الحسين بن علي يعود بنسبه إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد. وكان للحسين سبعة أبناء أصغرهم اسمه علي من زوجة صومالية، ونزح هذا الأمير مع من بقي من أرستقراطية شيراز على سفن أنزلتهم لاجئين في مقديشو الصومالية. 

الأسطورة الثانية تنسب علي إلى الحسن علي بن بويه نفسه، وتقول بأنّ عليّ كان ابناً لعماد الدولة من جارية صومالية، فكان زنجيّاً يكرهه إخوته. ولمّا استمكن أبوهم من السلطة وتأسّست الشاهية البويهيّة؛ طرد الإخوة الستّ أخيهم السابع ابن الجارية، فاختار الرحيل بأهله إلى بلاد الزنج حيث نزلت سفنهم في مقديشو الصوماليّة. (~ صـ56)

بكلّ حال، بعد ست سنوات من الإقامة في الصومال اختلف أعيان مقديشو مع علي بن الحسين، ربّما بسبب ضغط من شاه بويه في بغداد معزّ الدولة أحمد بن بويه. وربّما لأسباب مرتبطة بطموحات الأمير نفسها. فطُرد علي مع أتباعه من مقديشو ورحلوا من جديد يبحثون عن وطن.

سنة 957 اشترى علي بن الحسين الشيرازي جزيرة كِلوة من ملك البانتو المشارقة، وكانت كِلوة مدينة عربية يسكنها عرب من اليمن. وأسّس عليها دولة لأهله استمرّ على حكمها إلى أن توفّى فخلفه ابنه محمّد بن علي شيرازي وتأسّست السلالة مع بعده. ولتعزيز مكانته في كِلوة تزوّج علي الشيرازي بأميرة من بنات ملك البانتو المشارقة ويقال أنّها والدة سلالة الشيرازيّين من بعدها.

اشتغل أبناء علي الشيرازي على تأسيس دولة بحريّة فتحت الدعوة للمهاجرين من كلّ مكان، فوفد عليها السكّان من اليمن ومصر وإثيوپيا بالإضافة إلى بلاد الفرس والترك، وازدهرت الدولة حتى صارت في القرن 12 في عهد السلطان الشيرازي التاسع “سليمان بن الحسن بن داوود” تمتدّ على المساحة التي نراها في الخارطة، من مقديشو شمالاً حتى غزّة جنوباً، بالإضافة إلى الربع الشمالي الغربي من مدغشقر وجميع جزر بحر العرب وأغلب جزر المحيط الهندي، بالإضافة إلى ميناء مانْگَلور المهم جنوب غرب الهند، وكان آنذاك ثاني أهمّ ميناء هندي على الإطلاق.

خارطة سلطنة كلوة في عهد السلطان سليمان الحسن شيرازي
خارطة سلطنة كلوة في عهد السلطان سليمان الحسن شيرازي

اعتمد الشيرازيّون على البحّارة العرب في حكم الأرخبيلات البعيدة، ولا سيّما الحضارمة والتعزيّين، ما سجّل أسماء عربية لجميع هذه الجزر قبل وصول الپرتغاليين والهولانديّين. واستعمل الشيرازيّون كذلك أبناء مقديشو الصوماليّين على أملاكهم في مدغشقر، فأطلق الصوماليّون تسمية مقديشو على الجزيرة، واستوطنوا على الأكثر على الساحل الشرقي.

نشر الشيرازيون الإسلام السنّي على المذهب الشافعي في أملاك السلطنة، وارتفعت مكانة الإسلام حتّى صار دين النخبة الأرستقراطية في المدن خارج السلطنة، في تنزانيا ومدغشقر، ما شجّع ملوك هذه البلاد على تغيير أبجديّات لغاتهم المحلّيّة لاعتماد أبجدية الجزم العربية، التي استمرّت نظام كتابة للبانتو المشرقي والسورابي في  مدغشقر حتى القرن 18، حين استبدلها الاستعمار الأوروپي باللاتينية.

ونتيجة لجوّ التوليف العادل الذي خلقه الشيرازيّون في سلطنة كِلوة ومواطنيها المتنوّعين، اندمجت لغة الپانتو المشارقة بالعربية والصومالية فنشأت اللّغة السواحليّة، وهي تسمية البانتو المشارقة للغة أهل السواحل. والتي كانت في الأصل تعني اللّغة العربية. ثمّ تكوّنت اللّغة السواحليّة التي نعرفها اليوم وصارت لها هويّتها الخاصّة. 

وفي تلك الفترة أطلق أهل الساحل على أهل الداخل تسمية الزنج ويقصدون بها جميع البانتو المشارقة. ولم تكن كلمة زنج في عرف السواحلية تعني أهل البشرة الداكنة، لأنّهم هم أنفسهم كانوا من ذوي البشرة الداكنة، لكن كلمة زنج أشارت على الأغلب إلى غير المسلمين من أهل البلاد، أو ببساطة إلى الأجانب من غير مواطني سلطنة كِلوة.

سنة 1277 وبسبب ضعف السلاطين وتسلّط الوزراء، أنهى الحسن بن طالوت حكم الأسرة الشيرازيّة ليؤسّس حكم أسرة المهادلة العرب، والمهادلة أصولاً من قبائل صليل، إحدى قبائل عك في تهامه غرب اليمن. وتحت عهد المهادلة عرفت سلطنة كِلوة أقصى عهدو ازدهارها، وتوسّعت حتى شملت كامل الساحل الشرقي من الصومال، مع عدن وتعز، كما كانت لها مستوطنات بحرية عديد في جنوب شرق آسيا.

خلال القرن 15 وفي عهد المهادلة كانت صارت أغلب مدن شرق أفريقيا مدن عربية خالصة، كمدن براوة وملندي وزنجبار ومافيا والبيرة وسفالة وإنهامبان وغزّة المعروفة اليوم باسم خاي خاي. بالإضافة إلى العديد من مدن غرب مدغشقر مثل أنصوحي ومهجنگة وتمبوهورنو. لكن في تلك الفترة كانت سلطنة كِلوة قد خسرت الصومال لصالح سلطنة عُمان فباتت ملندي في الشمال هي أقصى حدودها الشمالية.

بداية التدخّل الپرتغالي والعُماني:

سنة 1495 دعم الپرتغالية محمّد بن كواب المهدلي للانقلاب على سلطة السلطان المهدلي الشرعي إبراهيم بن محمّد. ومحمّد بن كواب كان ابن شقيق السلطان الراحل سليمان بن محمّد وطمع في السلطة. لكن بعد أربع سنوات أُسقط محمّد بن كواب وسقطت معه الامتيازات الپرتغالية في البلاد، فاستحوذت الپرتغال سنة 1498 وبالقوة على ميناء غزّة جنوب البلد.

سنة 1505 بدأ التحرّش الپرتغالي في أراضي سلطنة كِلوة، وهم راغبون في إزالة سيطرة العرب والمسلمين عن تجارة المحيط الهندي، فشرع الپرتغالية في توسيع الاحتلال من غزّة و احتلّوا ميناء سفالة.

سنة 1511 تعرّضت جزيرة كِلوة لغزو پرتغالي واحتلال دام سنتين، ثمّ ونتيجة المقاومة انسحب الپرتغاليون مع تدمير مدينة كِلوة وهدموا كلّ مساجدها وعمّروا بحجارتها سجناً ضخماً لم يزل إلى اليوم. فنزح عن كِلوة أهلها إلى جزيرة آنگوشه حيث استمرّ حكم المهادلة، لكن وبنتيجة الاحتلال الپرتغالي انفرطت السلطنة سنة 1513 إلى ثماني ممالك أصغر.

استمرّت السيطرة الپرتغالية على شؤون عرش المهادلة إلى أن أزالهم العُمانية سنة 1550. فنزل القسم الشمالي من تلك الإمارات تحت الحماية العُمانية وهو ما صار اليوم تنزانيا، بينما بقي القسم الجنوبي يعاني التحرّش الپرتغالي وهو ما صار اليوم موزامبيق. وصار الپرتغاليّون يتدخّلون في تعيين السلاطين وإزالتهم في بعض تلك الإمارات. 

سنة 1784 صار القسم الشمالي من سلطنة كِلوة تحت سيطرة سلطنة زنجبار العُمانية التي أسّس منها السلطان “ماجد بن سعيد البوسعيد” عاصمة جديدة هي مدينة دار السلام سنة 1865 على قرية سواحلية كان اسمها “مْزِزِمه” أي مصحصة. 

سنة 1886 أخذت ألمانيا المدينة واعتمدتها مقراً لشركة شرق أفريقيا الألمانية. ثمّ أخذتها منها بريطانيا سنة 1918 وبقيت دولة بحريّة تحت الحماية البريطانية إلى أن ضمّتها تنجانيقا على إثر ثورة 1964. وما يسمّى بثورة زنجبار كان في الواقع دعم سوڤييتي وتنجانيقي للقوميّين الأفروشيرازي وميلشيا أوغندا المسيحية، أسقط آخر السلاطين العرب “جمشيد بن عبد الله البوسعيدي”. وأبادت تلك الثورة\المجزرة أغلب العرب في الجزيرة وكانوا آنذاك حوالي نصف السكّان. ونزح الناجون إلى بريطانيا وعُمان. أخيراً استولت تنجانيقا على الجزر العربية والشيرازية في المنطقة السواحلية وصارت من أقاليم تنزانيا الجديدة.

نشوء دولة موزامبيق:

سنة 1544 سيطر الپرتغاليّون على آخر الإمارات الناتجة عن انفراط سلطنة كِلوة المهدلية، وكان عليها ملك أمير اسمه “موسى بن مالك بيك” وكان موسى قد نال لقب بيك من العثمانيّين أثناء زيارته للحجاز، إذ وعدوه بدعم لحماية بلاده من الپرتغاليين عن طريق القوّات البحرية العُمانية الحليفة. إمارة موسى لم تقتصر على السواحل فقط بل كانت تمتدّ عميقاً في أراضي شرق أفريقيا على طول نهر زمبيزي. فشكّلت مناطقها أغلب حدود ما نعرفه اليوم بدولة موزامبيق.

اسم الأمير موسى بن بيك هو الذي حوّله الپرتغاليّون إلى اسم للإمارة التي كان عليها فصارت موتسامبيق، وهو الاسم الذي صار اسماً للبلاد كلّها وحتى اليوم موزامبيق. (~ جان سلير) وبأخذ إمارة موسى بيك صار للپرتغالية دولة داخل عمق البرّ الأفريقي وهو ما تحوّل لاحقاً إلى مستعمرة موزامبيق الپرتغالية. اليوم تعتبر حكومة موزامبيق أن الأمير موسى بن مالك بيك هو المؤسّس الفعلي لهذا البلد، فأسّست سنة 1998 جامعة على اسمه Universidade Mussa Bin Bique في العاصمة مابوتو.

اقتصاد كِلوة:

عاشت سلطنة كِلوة خلال حياتها ثراءً شديداً بسبب صداقة جمعتها مع جارتها الجنوبية إمبراطورية موتاپه Mwene we Mutapa التي حكمت كامل المثلث الجنوبي لقارة أفريقيا. فقد كانت أساطيل كِلوة البحرية تقوم بتصدير البضائع الموتاپية إلى العربية والهند. مثل الملح والعاج والذهب. وعادت إليها من الهند والعربية بالحديد والعطور والأقمشة الملوّنة والأدوات الزجاجية والمعدنية والمجوهرات والخزف.

منتجات كِلوة الأساسية كانت زيت النخيل وفلفل پيري پيري وأصداف السلاحف البحرية. وزراعتها الأساسية كانت فلفل پيري پيري ونخيل جوز الهند الذي اعتمدت عليه في مختلف مناحيها الحياتية. إذ صنعت سفنها من أخشاب النخيل، كما استعملت كلّ أجزاء النخلة في أعمال البناء إلى جانب الحجر المرجاني المكوّن للجُزر نفسها.

ولخدمة تجارتها اعتمدت سلطنة كِلوة على صناعة سفن الداو العربية، وهذه السفن هي من بنات سكان سواحل البحر الأحمر منذ القرن السادس. وصنع الكِلويّين سفنهم ممّا توفّر لهم من نخل شرق أفريقيا، ويقال بأنّهم أحضروا النخل من العراق أو من خليج البنغال، وربّما من الاثنين معاً. وتنقسم سفن الداو بحسب أحجامها ومهمّتها إلى: البغلة، البقارة، البتيل، البوم، الغنجة، الجهازي، الجالبوت، الصنبوق، الشوعي، والزورق.

سفينة داو عربية
سفينة داو عربية

بقايا تراث كِلوة:

بقايا الأسرة الشيرازية اليوم معروفين في زنجبار باسم “مبويره” Mbwera وهؤلاء الشيرازيون الواصلون إلى شرق أفريقيا أصلهم عرب من العراق ورؤساؤهم ينحدرون من الخليفة العباسي هارون الرشيد علماً بأنّ المنحدر السابع من هارون الرشيد هو أبو القاسم عبد الله المستكفي باللّه قد خلعه أحد إخوانه، ولهذا فرّ من العراق مع أهله واستوطن مدينة شيراز (فارس) حيث عيّنه أهل شيراز كملك على البلاد. (~ هاشم بن محمد المعلم. المفاخر السامية في ذكر تاريخ سلاطين جزر القمر. دمشق، سوريا 2009: الدار العالمية).

اكتُشفت حديثاً في عُمان وثيقة من القرن 13 بعنوان “المقامة الكِلويّة” تتحدّث عن بعثة عُمانية إلى كِلوة لإعادتها إلى العقيدة الأباضية، حيث تذكر المقامة بأنّ كِلوة كانت قد تأثّرت بالفرقة الغرابية من شيعة العراق. ما يعني بأنّ التوجّهات الدينية قد تغيّرت على مرّ القرون ولم تثبت على مذهب واحد طيلة حياة السلطنة.

سنة 1331 زار الرحالة العربي ابن بطوطة مدينة كِلوة، وكانت تحت حكم السلطان المهدلي الحسن بن سليمان، فقال عنها: “ركبنا البحر من جزيرة منبسي إلى مدينة كلوة وهي مدينة عظيمة ساحلية أكثر أهلها الزنوج والمستحكموا السواد ولهم شرطات في وجوههم. ومدينة كلوة من أحسن المدن وأتقنها عمارة وكلّها بالخشب، وسقف بيوتها الديس، والأمطار بها كثيرة، وهم أهل جهاد، والغالب عليهم الدين والصلاح، وهم شافعية المذهب، وسلطان كِلوة في عهد دخولي إليها هو أبو المظفر حسن ويكنّى أيضاً أبا المواهب لكثرة مواهبه ومكارمه، وكان كثير الغزو في أرض الزنوج.”. (~ صـ249. رحلة إبن بطوطة. دار التراث، بيروت 1968).

اليوم تضع منظّمة اليونيسكو مدينة منارة سونگو ومدينة كِلوة وقصورها ومسجدها الكبير على قائمة التراث العالمي لحمايته، والمدينة مهجورة بالعموم في تنزانيا يتهدّدها الخراب منذ سنة 2004.

وينبغي هنا القول بأنّ لا فضل لسلطنة كِلوة بإدخال التمدّن إلى شرق أفريقيا، إذ كان موجوداً قبلها، سيّما وأنّ الموانئ الأفريقية كانت نشطة باستقبال السفن اليمنية والمصرية لاستقبال البضائع الهندية وتصدير الأفريقية. كما أنّ البانتو المشارقة كانوا معروفين بأنّهم شعب الحدّادين وتعلّموا تعدين الحديد من العرب الجنوبيّين قبل وصول تقنيّاته إلى مصر بثلاث قرون. كما أنّ شهرتهم التي ذاعت عنهم عبر التاريخ القديم هو قلاعهم المبنية من الأحجار الكبيرة على أبراج عالية مدوّرة. فهم إذاً شعب متحضّر قبل وصول الحكم الإسلامي إلى المنطقة.

لكن ما تميّز مع سلطنة كِلوة هو إشاعة النظام التعليمي الموحّد ونشر الأبجدية العربية في كلّ لغات المنطقة، ما مكّن شعوبها جميعاً من التواصل على مستوى ثقافي واحد. بالإضافة إلى نشر أنظمة سياسية واقتصادية لم تكن معروفة قبل سلطنة كِلوة، وهي الأنظمة البيرقراطية المعقّدة الموروثة عن الممالك العراقية والپارثية على السواء. ولا ننسى فضل سلطنة كِلوة بتوفير الظروف التي خلقت اللّغة السواحلية وهويّتها الثقافية، وأنتجت تمازجاً رائعاً بين مطابخ العرب والفرس والبانتو، نجده اليوم في المطبخ الزنجباري والسواحلي بالعموم.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك