التصنيفات
إتيمولوجيا تاريخ تدوينات بالعربية شخصيات عامّة مطبخ

تاريخ أكلة داوود باشا \ الگولاش

كرات مستديرة من اللّحم تصطفّ بالزيت على درجة حرارة مرتفعة، أو تنغمس فى الصلصة لتذوب بها وتتشرّبها فتصبح ليّنة تذوب فى الفم. كفتة داوود باشا من أشهى الأكلات التى يحبّها المشرقيّون بشكل عام، ويبدعون فى إعدادها بطريقتين، إمّا محمّرة أو بالصلصة، دون أن يعرفوا من هو داوود باشا الذي سُمّيت هذه الأكلة على اسمه.

يعود أصل الأكلة إلى أيّام السلطان العثماني محمود الثاني في القرن التاسع عشر، والذي عَيّن على بغداد الوالي المملوك داوود پاشا. وأثناء حكمه لبغداد كان داوود پاشا، يفضّل هذه الأكلة، فكانت أكثر الوجبات التي يطلب من الطهاة إعدادها باستمرار، إذ لا يمل منها ويأكلها كل يوم. وذات مرّة أخطأ أحد الطهاة فى المقادير أثناء إعداده الكفتة لداوود باشا، فلم تعجب الوالى، ومن كثرة حبّه لها قام بمعاقبة الطاهي الذى أعدّها، ومن هنا صارت تسمّى على اسمه ” كفتة داوود باشا”.

كان داوود پاشا آخر الولاة المماليك الذين حكموا مدينة بغداد (1767-1851)، ولد داوود في تبليسي في جورجيا، وبيع في بغداد مملوكاً، ثم اعتنق الإسلام وتعرّف على الوالي سليمان باشا حيث تزوّج من ابنته وتدرّج في أرقى المناصب في زمانه، ومن ثمّ أصبح والياً على بغداد بعد وفاة سليمان باشا، فاشتُهرت عنه غزواته على العشائر المتمرّدة في لواء الدليم كما اشتُهرت عنه بسالته ودفاعه وصدّه للغزوات القاجارية التي كانت تنوي سلب بغداد من العثمانية.

أصل هذه الطبخة من القسم الغربي للعثمانية يوم كانت تحكم البلقان وهنگاريا، واسمها المعاصر گولاش Goulasch عن اسمها القديم گولياش-لڤش Gulyásleves من اللّغة الهنگارية الذي يعني حرفياً “حساء الرعاة”، بينما اسم الأكلة الأصلي القديم من الهنكارية-العثمانية هو باگراجش-گولياش bográcsgulyás حين استعار الهنگار كلمة “باقراچ” العثمانية والتي معناها “قِدر كبير من النحاس” ليصبح معنى الاسم القديم طبخة “طاجن الرعاة”.

كان الرعاة الهنگار في زمن العثمانية يخيّمون في البراري مع قطعانهم، فيطبخون من المواد التي يحملونها أو التي يعثرون عليها في البراري، وأداة الطبخ الوحيدة في حقائبهم كانت الباقراچ مع سكين الراعي. هكذا وُلدت هذه الطبخة بطريقة طهي بسيطة لا تحتاج الكثير من المراحل لإعدادها. وفي المطبخ الهنگاري كان طبق گولياش التقليدي عبارة عن طاجن كثيف يُحضّر من قطع اللّحم السميكة. ثمّ يضاف لها ثوم وكراويا وفلفل حلو وأحياناً النبيذ الأحمر. فهذا الطبق يمكن أن يعدّ كحساء أو كطاجين، وفي الوصفة الهنگارية الأصلية لا يضاف الطحين لتكثيف القوام. إضافة الطماطم والبصل هو أمر مستحدث وغير معروف في الوصفة الأصلية ولا في ثقافة الطبخ في وسط أوروپا حتى أوائل القرن العشرين.

يمكن تحضير الگولياش من لحم البقر أو لحم العجل أو لحم الخنزير أو لحم الضأن. وتُختار قطع اللّحم من الكتف أو العرقوب، وعليه فإن سماكة الخليط تستمدّ من تلك العضلات الغنية بالكولاجين والذي يتحول إلى جيلاتين أثناء الطبخ. يقطّع اللّحم إلى قطع وتملّح بملح الطعام. يطهى البصل المقطع في وعاء بالزيت أو شحم الخنزير. تضاف الفليفلة مع الماء. وبعد أن يطهى قليلاً، يضاف الثوم والكراويا المطحونة والخضراوات كالبقدونس والجزر والفلفل والفليفلة والكرفس (اختيارياً). كما تضاف توابل مختلفة خاصّة الفلفل الحار وورق الغار والمردقوش. وتضاف قطع البطاطا المقطّعة أحياناً كمصدرٍ للنشاء ما يجعل القوام أكثر كثافة وسلاسة. كما تضاف أحياناً كميات قليلة من النبيذ قُبيل الانتهاء من الطبخ. يقدّم الگولاش في ألمانيا والنمسا مع شعريّة (نودل) البيض المعروف باسم “شپيتسله” Spätzle.

في القسم الشرقي من العثمانية قام الطهاة بفرم اللّحم فرماً ناعماً وتحويل القطع إلى كرات كفته ومن ثمّ طهوها بطريقة الگولياش، فصارت الوجبة أسلس أكلاً وهضماً. لاحقاً أضيفت الطماطم في بغداد مع انتشار هذه الثمار المستوردة خلال القرن 19. ووصلت داوود پاشا دول المغرب العربي كذلك في العهد العثماني فأضاف لها المغاربة الزيتون وسمّوها طاجين الزيتون بالكفتة. اليوم تنتشر “داوود پاشا” أو “الگولاش” في عموم الشرق الأوسط ووسط أوروپا عن المطبخ العثماني ومع الطماطم، كما تعتبرها مطابخ ألمانيا من الأكلات التراثية في مطابخها. ومن طرائف كفتة “داوود باشا” أنّ الطهاة كانوا يضعون في إحدى الكرات خاتماً فضّيّاً، فمن وجده صار من نصيبه.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك