في العرب الشوايا المشارقة

تم النشر في

هذا موضوع أدرسه وأبحث فيه منذ خمس سنوات. ولطالما سألت عن معنى كلمة شوايا ومصدرها دون أن أحصل على إجابة علميّة مفيدة. قال لي البعض أنّ مصدر التسمية هو فعل شوي اللّحم، وهذه برأيي إجابة مضحكة ولا تليق بالشوايا فعلاً ولو برّرها البعض بصفة الكرم. كما أنّ صفحة ويكيپيديا تنشر معلومات خاطئة بمجملها، مع الكثير من التشويه العلمي والربط السطحي لوصف الشوايا بنظريّات علماء المجتمع الفرنسيّين القدامى؛ التي عفى التاريخ على ضحالتها وسذاجتها. إذ ثبت ما ينقضها جميعاً. تلك التي تربط كلمة بدو بالبداية بدلاً عن الأرض البادية.

قال لي آخرون أن كلمة شوايا هي تحوير لكلمة “شْويّات” الشائعة على ضفاف الفرات، والتي تعني القرى ذات العدد القليل من السكّان، وهذه إجابة منطقية؛ لكن، لم أجد دليلاً علمياً عليها غير عبارة مكرّرة بذاتها بالحرف في ثلاث معاجم عربيّة هي لسان العرب ومقاييس اللّغة والصحّاح في اللّغة. والعبارة هي “الشَّوِيَّةُ: بقيَّةُ قومٍ هَلَكوا، والجمع شَوايا، والواحِد شَوِيَّة؛ وإِنَّما سمِّيت بذلك لقلَّتها وهُونِها.”. وهكذا يصبح معنى الشوايا هو النازحين أشتاتاً بلغة عصرنا، لكنّها مع ذلك لا تعبّر عن معنى اسم عشائر الشوايا العرب لعدم ثبوت نزوحهم عن أمم سالفة في المراجع التي درستها.

يقول ابن خلدون في مقدّمته في شرح شعوب بلاد المغرب العربي “ومن كان معاشه في السائمة مثل الغنم والبقر فهم ظعن في الأغلب لارتياد المسارح والمياه لحيواناتهم، فالتقلّب في الأرض أصلح بهم، ويسمّون شاويّة. ومعناه: القائمون على الشاء والبقر، ولا يبعدون في القفر لفقدان المسارح الطيبة، وهؤلاء مثل البربر والترك وإخوانهم من التركمان والصقالبة.”.

لشرح مفردات ابن خلدون:

  • “ومن كان معاشه في السائمة” أي من كان يعتاش من العمل في الحيوانات المستأنسة في قطعان.
  • “ظعن” رُحّل.
  • “المسارح” المراعي المفتوحة.
  • “لا يبعدون في القفر” أي لا يخرجون إلى الأراضي الجافّة المقفرة بعكس البدو.
  • “الشاء” الغنم.
  • “البقر” الجاموس.
  • “الصقالبة” المماليك من السلاڤ والقوقاز في الأندلس والمغرب وصقلية.

يعتقد الأغلبية أنّ رواية ابن خلدون تقتصر على شاويّة الجزائر فقط ولا تشمل شوايا المشرق، لكن قد يتّصل الوصف بأهل المشرق من الشوايا كذلك، لنتابع.

بين أيدي المؤرّخين ثلاث فرضيّات علميّة عن أصل الشوايا تستند إلى الكلمة السوريّة ذاتها ومعانيها عبر التاريخ:

الفرضيّة الأولى تعود بكلمة شوايا إلى الكلمة العثمانية “شڤايه” التي تصف من هم “خارج الدولة”، من كلمة “شڤا” العثمانية؛ أي “خرج عن الدولة”، أي أنّهم لا يتّصلون بمؤسّسات الدولة العثمانية ولا يدفعون الضرائب فلا يتلقّون خدماتها. ويقال أن “شوايا” صفة مُنحت لجميع قبائل الرُعاة في متصرفية الزور (من سوريا والعراق اليوم) بسبب رفضهم الخدمة في الجيش العثماني خلال القرن التاسع عشر. 

علماً أنّ الشوايا وعلى الرغم من رفضهم الخدمة الإلزامية في عهد السلطان سليم الثالث غير أنّهم شاركوا بقيادة عشائر زُبيد في الحروب دفاعاً عن العثمانية ومنذ انقلاب 1806 والغزو الروسي. ثمّ صاروا من أنصار السلطان الإنقلابجي محمود الثاني في وجه تيّار السلفية والإنكشارية في البلاد. ودرس العديد منهم في المدرسة العسكرية العثمانية في سَرايبُرنُص Sarayburnu وتخرّجوا ضبّاطاً، ساهموا لاحقاً في تشكيل الحركة القحطانية.

الفرضية الثانية تعود بتسمية شوايا إلى الكلمة الفارسية “شيوايى” التي وصلتنا من أحد اللّهجات لشعب “اونکی” الذي سكن منطقة سيستان جنوب غرب آسيا في إيران الحالية، وكلمة اونكى أو اوڤنكى بالفارسيّة المعاصرة تعني “الشعب الغير مرغوب به”، وتنحدر أصول هذا الشعب إلى شعب شيوايى المهاجر من مُنشوريا شرق آسيا باتجاه الغرب حوالي 1600 قبل الميلاد، كما تقول الأسطورة.

تحوّر معنى اسم قبائل “اونکی شيوايى” ليصبح “الشعب الغير مرغوب به” بسبب رفض الشيوايى التخلي عن ديانتهم الآسيوية والتحوّل إلى الزرادشتية في العهد الساساني، ثم تقول الفرضية بترحيلهم خلال القرن العاشر نحو الجزيرة واعتناقهم الإسلام. نسخة ثانية من الفرضية تقول بترحيلهم نحو الجزيرة خلال القرن 15 حين رفضوا التشيّع والتزموا مذهب السنّه، وكان ذلك بموجب اتفاقية ما بين الدولتين العثمانية والصفوية.

الفرضية الثالثة تربط بين شوايا سوريا، وشاويّة الجزائر بشكل مباشر، بافتراض هجرة شاوية الجزائر إلى الجزيرة السورية والاستيطان فيها لأسباب دينية خلال فترة خلافة الموحّدين على المغرب وإبيريا. وهذه فرضيّة لم أجد دليلاً عليها، فلا يوجد ذكر عبر التاريخ الماضي لهجرة كبيرة من الجزائر نحو منطقة النهرين، سوى سيرة المتطوّعين الذين تطوّعوا في الجيش الأيّوبي لقتال الصليبيّين على الساحل السوري ثمّ استقرّوا في مصر. لكن، تعيدني هذه الفرضية إلى كلمات ابن خلدون التي ذكرتها في بداية التدوينة.

“ومن كان معاشه في السائمة مثل الغنم والبقر فهم ظعن في الأغلب لارتياد المسارح والمياه لحيواناتهم، … ويسمّون شاويّة.”.

أثناء بحثي عثرت بكلمة عمرها نحو 2800 سنة من الفارسية القديمة المسمّاة بالأڤستية الغربية، بسبب تدوين كتاب أڤستا الزرادشتية بها، وهذه اللّغة الدينية بقيت حيّة تتطوّر من بعد الأخمينيّين في العصر الهيليني، ثمّ صارت لغة رسمية للبلاد تحت اسم اللّغة الپهلوية في العهد الپارثي الأشكاني ثمّ الفارسي الساساني. والكلمة هي صفة “شوانكاره” مزيج كلمتين هنّ “شَوان” أي فعل رعي الحيوانات + “قارَه” أي مهنة. هذه الكلمة نفسها بقيت في الكردية إلى اليوم بصيغة “شبانكاره” بمعنى “راعي غنم”.

ومن الكرد الفيليّين من تكنّى باسم آل شبانكاره وهم الذين أسّسوا إمارة إقطاعية بويهيّة في القرن 11 دامت حتّى القرن 14. إذ صارت من إقطاعات السلاجقة اعتباراً من سنة 1071 وصار اسمها إمارة هزاراسپیان على اسم أحد ملوكها.

مع ربط كلمة رعي الحيوانات الأخمينية “شَوان” بكلام ابن خلدون في شرح الشاويّة خرجت بالفرضية الرابعة لتفسير معنى اسم الشوايا.

الفرضية الرابعة، إذ وبناء على أقدميّة كلمة “شَوان” في الشرق الأوسط، وهي صيغة اسم فاعل من الفعل “شَوا” أي راعى، صار ممكناً القول بأنّ كلمة شوايا معناها وبكلّ بساطة: الرعاة. سواء أكانوا من العرب أو الفرس أو الكرد أو أيّ شعب آخر تواصل مع الإمبراطوريّات الإيرانية المتعاقبة. الشوايا هم الأقوام التي امتهنت السروح مع السائمة في مراعي المسارح. فهم لا يبتعدون عن مجاري المياه ولا يخرجون إلى الصحراء، فليسوا من أهل البادية، وهم كذلك لا يشتغلون بالزراعة لاتّكال اقتصادهم على المواشي والثروة الحيوانية، كما كان المورو والآراميّون منذ 4000 سنة إلى اليوم. فلا يقيمون في الأراضي الزراعيّة. وهم هكذا سكّان المناطق المحصورة ما بين المزارع والبادية.

بكلّ حال، الفرضيّات الأربع كلّها مجرّد فرضيّات لا نظريّات؛ لكنّها تستند على أسّس علميّة ووقائع موثّقة. قد تكون أيّ منها صحيحة، وقد تكون جميعها صحيحة. لكن يبق الحال والواقع أنّ الشوايا جزء من المجتمع العربي كلّه، يشتغلون اليوم في جميع المهن دون استثناء، سيّما بعد تراجع مهنة الرعي خلال القرن العشرين، مع تطوّر آليّات إنتاج اللّحوم والاتّجار بها. ويمكننا تخيّل أثر هذا التراجع على المنطقة الزرقاء في هذه الخارطة هنا وتضاؤل سعة مساحتها.

بمراجعة أسماء قبائل وعشائر الشوايا نجد أنّها تقريباً من كلّ العرب، ومن كلّ الطوائف، ومنها من ترك مهنة الرعي تماماً واتّجه إلى الزراعة منذ القرن 19. علماً أنّ كلمة شوايا غير متداولة اليوم في محيط سوريا وخارج حدودها إلا على نطاق شديد الضيق.

خارطة المناطق الإدارية التي ينتشر فيها شوايا المشرق العربي
خارطة المناطق الإدارية التي ينتشر فيها شوايا المشرق العربي

المؤرّخ العربي العراقي عباس العزّاوي سرد في المجلدين الثاني والثالث من موسوعته عشائر العراق الشاويّة القحطانية والعدنانية:

في المجلّد الثاني: موسوعة عشائر العراق، أهل الأرياف، صنّف العشائر الزُبيديّة والطائيّة وأحوالها وأنسابها، والعشائر المُلحقة بها، أو التي تساكنها وسائر ما يبصُر بعناصرها المهمة.

في المجلّد الثالث: موسوعة عشائر العراق، أهل الأرياف، صنّف المنتفق وربيعة وكعب وإمارة كلّ منها، وقيس وعبادة وبني تميم، وبني هاشم، وما يمتّ إليها من العدنانية، أو يساكنها، مع بيان أحوالها العامّة، وسائر ما يبصُر بها.

وكذلك قام المؤرّخ الشركسي السوري أحمد وصفي زكريا في كتابه “كتاب عشائر الشام” بسرد العشائر التي تتبع نمط حياة الرعاة الشاوية، وهذه بعض القبائل منها:

  1. قبيلة عنزة الوائلية، بأفخاذها : الفدعان والرولة والسبعة في سوريا.
  2. قبيلة الجبور الزبيدية في سوريا والعراق.
  3. قبيلة حرب الخولانية في سوريا والعراق بفخذها الأحامدة.
  4. قبيلة طيء القحطانية في سوريا والعراق.
  5. قبيلة البقّارة الهاشمية القرشية في سوريا والعراق.
  6. عشيرة البوبدران الحسينية الهاشمية.
  7. عشيرة البوناصر في العراق. والتي ينتمي إليها الرئيس العراقي السابق صدام حسين المجيد. وكذلك أمراء إمارة الناصرية التي كانت على الأحواز.
  8. قبيلة شمّر الطائية متمثّلة بعشائرها: زوبع وشمر طوقة و المسعود و الجعفر وبنو سعد والجدادة والشمامرة والأكرع والبوحسان في العراق، وشمر الجربا في سوريا والعراق.
  9. قبيلة العُبيد الزبيدية في سوريا والعراق.
  10. قبيلة بني لام الطائية في سوريا والعراق. وأغلب الظنّ أنّهم ينتسبون إلى مدينة لام (سوسة) عاصمة الإيلاميّين التاريخية وقلب الأحواز.
  11. قبيلة عتيبة بفخذها الأساعدة في العراق.
  12. قبائل البوشعبان الزبيدية في سوريا والعراق.
  13. قبيلة زعب في سوريا.
  14. قبيلة الموالي في سوريا والعراق.
  15. قبيلة الحديديّين في سوريا والعراق.
  16. قبيلة العزّة الزبيدية في سوريا والعراق.
  17. قبيلة الدليم الزبيدية في سوريا والعراق.
  18. إمارة الزبيد وعموم قبائلها في سوريا والعراق.
  19. قبيلة الجُميلة الهلالية التي ينتسب لها الرئيس العراقي الراحل عبدالسلام عارف.
  20. قبيلة العقيدات الزبيدية الموجودة في سوريا والعراق.
  21. قبائل بني معروف التنوخية في جبل حوران في سوريا.
  22. قبيلة الشرابيّين الزبيدية في سوريا.
  23. قبيلة الجغايفة الزبيدية في سوريا والعراق.
  24. قبيلة الجنابيّين الزبيدية في العراق.
  25. قبيلة قيس عيلان (جيس) العدنانية في سوريا والعراق وتركيا. وهم ورثة مملكة حمص الجيسية (الگسياسية) التي حكمت المشرق بالتحالف مع الرومان منذ سنة 46 ق.م وحتّى انتصاب الغساسنة وبهراء.
  26. قبائل كعب العدنانية في العراق.
  27. قبيلة جهينة القضاعية بأفخاذها؛ البيات والرفاعة والرجبان والريباوي والصوالحة والفوقة في العراق.
  28. قبيلة الجحيش الزبيدية في سوريا والعراق.
  29. قبيلة العونان الزبيدية في العراق.
  30. قبيلة البوسلطان الزبيدية في العراق.
  31. قبيلة المجانين الزبيدية في العراق.
  32. قبيلة بني تميم المضرية في العراق.
  33. قبيلة بني خالد الهوازنية في العراق.
  34. قبيلة النعيم القرشية في سوريا والعراق.
  35. قبيلة الدواسر في العراق بأفخاذها: البدارين والخليفة والحميد والصخابرة وآل نغميش.
  36. قبائل وإمارة المنتفق العدنانية في العراق.
  37. قبائل وإمارة ربيعة العدنانية في العراق.
  38. قبائل وإمارة كعب في العراق.
  39. قبيلة الخزرج الأنصارية متمثّلة ببطنها الكريم بني ساعدة أصحاب السقيفة وأفخاذها في العراق: 
    • 1- عشيرة العبد الله 
    • 2- عشيرة البومحمّد 
    • 3- عشيرة البوسياب 
    • 4- عشيرة المعامير 
    • 5- عشيرة الرحاحلة 
    • 6- عشيرة البوسلمان 
    • 7- عشيرة الجوابر 
    • 8- عشيرة النزارات 
    • 9- عشيرة ألبوسلمة 
    • 10- عشيرة البدحات 
    • 11- عشيرة الجنازلة 
    • 12- عشيرة التركي 
    • 13- عشيرة أهل شطيطة

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك