منطقة العراقَين الجغرافية في العصر العثماني

عرف العرب جغرافياً منطقة العراق منقسمة إلى منطقتين: شرقية وغربية. واحدة سُمّيت بعراق العجم والثانية سُمّيت بعراق العرب. وهذه الخارطة لا تعبّر عن مفهوم العراقين في الأصل التاريخي، إنّما تشير إلى ما عُرفت به أراضي عراق العجم وعراق العرب في العهد العثماني فقط. 

في العصر العبّاسي كانت المنطقة الشرقية تسمّى ولاية الجبال، بينما تسمّى الغربيّة ولاية العراق. ثمّ في العصر السلجوقي تغيّر اسم القسم الشرقي من ولاية الجبال إلى عراق العجم، بينما صار اسم القسم الغربيّ عراق العرب.

خارطة مفهوم العراقَين في العصر العثماني
خارطة مفهوم العراقَين في العصر العثماني
  • باللون الأصفر لوّنت حدود المحافظات الإدارية المعاصرة التي يمكن أن نعتبرها محافظات العراقين، لكن بالمفهوم التاريخي؛ يمتدّ عراق العجم حتّى البحر الطبري في قزوين.
  • باللون الأخضر إطار عراق العجم في العهد العثماني.
  • باللون الأحمر إطار عراق العرب في العهد العثماني.

في معجم البلدان (جـ2 صـ99) يعتبر ياقوت الحمويّ أنّ عراق العجم هو مناطق وسط إيران المعاصرة، ويشرح أنّ الكلمة جاءت من السلاجقة، لذات المناطق التي كانت تعرف باسم “الجبال” في القرون الخمسة الأولى من الهجرة. ثمّ في النصف الثاني من القرن 11 سيطر السلاجقة على كامل إقليم الجبال وجعلوا من مدينة همدان عاصمة لهم، وامتدّت سيطرتهم إلى بلاد النهرين. من هذا الوقت، سمّيت المناطق الوسطى من إيران إلى الشمال من بلاد النهرين بعراق العجم، حتّى لا يتمّ الخلط بينها وبين عراق العرب، الذي كان في سهول الجزء السفلي من بلاد النهرين. في هذا الوقت، مُنح سلطان السلاجقة لقب سلطان العراق من قبل الخلفاء العباسيين، ممّا يشير إلى أنّ “العراق” يعني كامل المنطقتين، الشرقية والغربية، بما فيه المنطقة التي كانت مقرّ الحكومة السلجوقية. (~ معجم “لغت‌نامهٔ دهخدا”، علي أكبر دهخدا 1931).

بكلّ حال، أقدم وثيقة تاريخية تظهر فيها تسمية العراقَين هي خريطة طُرق تجارة رسمها في القرن 11 المؤرّخ محمود الكاشغري (مەحمۇد قەشقىرى). وكتب تسمية “أرض العراقَين” على كلّ المنطقة ما بين خرسان شرقاً والحجاز غرباً. وتماسّ حدودها أراض: الشام، الأكراد، اليمن، وفارس. ما يعني أنّ أرض عراق العجم ليست فيها لا بلاد الكرد ولا بلاد فارس.

خارطة محمود الكاشغري من كتاب القرن 11

أهمّ مدن عراق العجم تاريخياً هي: أصفهان وهمدان والري (طهران) وقزوين وكرمنشاه، وبهذا يمتدّ عراق العجم من مطلع جبال زاغروس حتّى البحر الطبري (بحر قزوين). وبعد فتح المونگول لخوارزم والعراق في القرن 13، اندثر كلّ من اسم “الجبال” و”عراق العجم”. لكن في القرن 14، نقرأ تسمية “عراق العجم” في كتاب «نزهة القلوب» عن المستكشف الجغرافي الفارسي حمد الله مستوفي القزويني.

أمّا العجم:

قال ابن منظور قال أَبو إسحق: الأَعْجَمُ الذي لا يُفْصِحُ ولا يُبَيِّنُ كلامَه وإِن كانَ عَرَبيَّ النَّسبِ كزيادٍ الأَعْجَمِ؛ فأَما العَجَميُّ فالذي من جنس العَجَم، أَفْصَحَ أَو لم يُفْصِحْ. ورجل أَعْجَميٌّ وأَعْجَمُ إذا كان في لسانه عُجْمة، وإن أَفْصَحَ بالعجمية، وكلامٌ أَعْجَمُ وأَعْجَميٌّ بَيِّنُ العُجْمة.

نجد هكذا أنّ أبو إسحق إبراهيم الشيرازي قد فصل في تعريفه ما بين الأعْجَم والعَجَميّ. فالأعجم قد يكون عربياً لكنه لا يفصح في لسانه. بينما العَجَمي هو من نسبه إلى غير الغرب ولو عرّب في لسانه بفصاحة. أي أنّ العَجَميّ هو المستعرب، بينما الأعجم هو غير الفصيح من العرب وغير العرب. واحدة تعبّر عن النسب، والثانية تعبّر عن مستوى الفصاحة.

عموماً، في الخارطة وضعت الحدود المعنوية لمنطقتي عراق العرب وعراق العجم كما تداولتها الخرائط العثمانية، ونرى أنّها في معانيها تغيّرت كثيراً عن معاني العراقين في القرن 11. إذ انسحبت حدود عراق العجم الغربية حتّى شط العرب، بينما كانت لا تتجاوز حروف الجبال على الشرق من قبل. وبهذا صار نهريّ عراق العجم هما نهري المسرقان والكرخة. بينما نهريّ عراق العرب هما نهري دجلة والفرات. والأنهار الأربعة جميعاً تصبّ في شطّ العرب ثمّ تنتهي مياهها في خليج البصرة.

إذاً بالخلاصة، عراق العجم ليست بلاداً لغير العرب، إنّما بلاد للعرب؛ أطلق عليها السلاجقة تسمية عراق العجم لأنّ أهلها لا يتّحدثون بفصاحة أهل عراق العرب. وعراق العجم، الذي كان يُعرف قبلها باسم “الجبال” هو بلاد عربيّة، كانت الوصلة المنطقية ما بين بلاد النهرين وخرسان، وهذه الأخيرة كانت مدنها بأغلبها مدناً عربية قيسيّة. ومنها خرجت الثورة العبّاسية التي تطالب بهاشميّة الخلافة، على إثر الحرب الأهلية القيسية-اليمانية.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *