مشروع السلطان محمّد الخامس لتحويل العثمانية إلى دولة فيدرالية

منظر لبرج غلطة، اسطنبول

يبدو أنّ في التاريخ الذي درسناه الكتب المدرسية افتراء على المرحلة الأخيرة من حياة الدولة العثمانية. وهي السنوات العشرة الأخيرة التي سبقت القرار الدولي بحلّ السلطنة العثمانية وفضّ العرش.

ما نقرأه هنا هو دليل على أنّ العثمانية لم تنتهج سياسة تتريك في المنطقة العربية، ولا في أيّ واحدة من أقاليمها ذات الأغلبية غير التركية. حتّى في عهد الاتّحاديّين وبعد سقوط النظام السلطاني مع سقوط السلطان عبد الحميد الثاني. يبدو أنّ الحكومة العلمانية انتهجت منهجاً يتنازل للأقلّيّات عن حقوق قومية. وأنا هنا لا أدافع عن منهج الاتّحاديّين بالعموم ولا أعاديه، فسيرة النهج الاستبدادي لحكومة الضبّاط الثلاث معروفة. لكنّ سرد التفاصيل بوقائعها حقّ ومسؤولية على رقاب مدوّني التاريخ. 

تُصوِّر هذه الخريطة نسخة فدرالية للإمبراطورية العثمانية، التي كانت قد اعتُمدت سنة 1910 وباشرت بتنفيذها حكومة حركة الاتّحاد والترقّي. وكان هذا المشروع قد سقط بواقع الحال الناتج عن الحرب العالمية الأولى سنة 1918.

خارطة مشروع السلطان محمّد الخامس لتحويل العثمانية إلى دولة فيدرالية.
خارطة مشروع السلطان محمّد الخامس لتحويل العثمانية إلى دولة فيدرالية.

للحصول على نسخة عالية الدقة من الخريطة من مصدرها go.monis.net/UpgoLr

في مواجهة القوى الداخلية والخارجية التي تهدد وجود السلطنة، وعلى إثر إنقلاب 1908 الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني، اضّطر السلطان محمّد الخامس إلى الشروع في مجموعة من الإصلاحات تمنح المزيد من الحكم الذاتي للعديد من الجنسيات في البلاد، وتحويلها إلى دولة فيدرالية تتكوّن من ثلاثة كيانات شبه مستقلة: تركيا وعاصمتها القسطنطينية. العربية وعاصمتها دمشق. رومليا وعاصمتها سالونيكا.

بناءً على نظام ميلّت Millet (الملل) الإمبراطوري المعتمد مسبقاً في السلطنة، والذي منح الحكم الذاتي غير الإقليمي للمجتمعات العديدة في الإمبراطورية وسمح لهم بحكم أنفسهم بموجب قوانينهم الدينية، تنبأت الإصلاحات بإنشاء كيانات إقليمية مستقلة (متصرّفيات) على أساس الإثنية.

هدفت الإصلاحات إلى ترويج البقاء في العثمانية في الأقاليم الراغبة بالانفصال ووقف صعود الحركات القومية الانفصالية داخل السلطنة العثمانية من خلال محاولة دمج غير المسلمين وغير الأتراك بشكل أكبر في المجتمع العثماني تحت راية آل عثمان.

من خلال إنشاء الأقاليم الفيدرالية الثلاث، جمع شخص محمد الخامس في نفسه المسؤوليات العلمانية إلى جانب ألقابه الدينية.

  • على المستوى العلماني: سلطان التركي (سلطان تركيا) Sultan-i Türkiyé، وسلطان العرب (سلطان العرب) Sultan ul-Ǎrab، وقيصر الروم (إمبراطور الرومان) Qayser-i Rûm. 
  • على المستوى الديني: أمير المؤمنين (أمير المؤمنين) Amir ul-Mu’minîn، وخليفة المسلمين Khalîf ul-Islâm، وخادم الحرمين الشريفين Xâdim ul-Ħaramayn iş-Şarîfayn.

بقيت القسطنطينية عاصمة إمبراطورية تعمل كمقرّ لكل من البرلمان الإمبراطوري Meclis-i Hümayûn (المجلس الهميوني) والبرلمان التركي Meclis-i Türkî (المجلس التركي). صارت دمشق مقراً للبرلمان العربي Meclis ul-Ǎrab (مجلس العرب) وصارت سالونيكا مقرّ البرلمان الروماني Meclis-i Rûm (مجلس الروم).

الإصلاحات، التي يشار إليها باسم الإصلاحات الاتحادية Islaħât-i Ittiħad ، منحت الفيدرالية وضعاً إدارياً متساوياً ما بين اللّغات التركية العثمانية والعربية واليونانية، بالإضافة إلى الاعتراف الإقليمي بعدد من لغات الأقلّيات بما في ذلك الأرمينية والألبانية والعبرية واللادينو والبلغارية. في حالة اللّغتين التركية والعربية، تم إنشاء لجان لغوية بهدف كتابة هاتين اللّغتين بالحروف اللاتينية والتحضير للانتقال من النص العربي إلى النص اللاتيني… في عهد محمّد الخامس قبل عهد مصطفى كمال. وهدفت الحكومة العثمانية إلى بداية عهد تكون فيه الدولة مزدوجة اللّغة، تركية-عربية كونها لغات الأغلبية من مواطني العثمانية سنة 1910.

بموجب هذه الإصلاحات أقرّت الحكومة العثمانية سنة 1910 ما يلي:

اسم الدولة الرسمي: 

  • بالتركية العثمانية: Devlet Alîyé-i Osmâniyé. 
  • بالعربية: دولة عليّة عثمانية. 
  • باليونانية: Το Ανώτατο Οθωμανικό Κράτος.

أقاليم الاتّحاد والقسيمات الإدارية:

  1. إقليم عربستان. العاصمة دمشق شام شريف. وكانت مدينة ذات أغلبيّة عربية مسلمة. لغة الإقليم الرسمية هي العربية.
  2. إقليم رومليا وقبرص. العاصمة سالونيكا. وكانت مدينة ذات أغلبيّة تركية يهودية. لغات الإقليم الرسمية هي التركية واليونانية.
  3. إقليم تركيا. العاصمة القسطنطينية. وكانت مدينة ذات أغلبية تركية مسلمة. لغة الإقليم الرسمية هي التركية.
  4. أقاليم شهريلر الأزاد (المدن الحرّة). وهي مدن ذات إدارة اتّحادية خاصّة بها تصل إلى مستوى الإقليم (مثل مدينة برلين اليوم). وهذه المدن هي: القسطنطينية، دمشق، سالونيكا، مكة المكرّمة، المدينة المنوّرة، القدس، بيروت، جدّة، حلب، إزمير، أُسقب (سكوبيا).

يحتوي كلّ إقليم على مناطق ذات حكم ذاتي للأقلّيّات الإثنيّة التي لا تنتمي إلى ملل الأغلبيّة، وتتمتّع كل منطقة حكم ذاتي بامتيازات لغوية ودينية واستقلاليّة إداريّة. وهذه المناطق مع عواصمها هي:

  1. في الإقليم العربي: متصرّفية جبل لبنان (بيروت)، ومتصرفية فلسطين (القدس)، ومتصرّفية الكويت.
  2. في الإقليم الرومي: متصرّفية الألبان – أرناؤود (پريشتينه)، ومتصرّفية جنوب روملي (يانية).
  3. في الإقليم التركي: متصرّفية إرمنيستان (أرضروم)، ومتصرّفية كردستان (دياربكر)، ومتصرّفية الپنطس – قره دنيز (طرابزون).

يحتوي كلّ إقليم إلى جانب المتصرّفيّات على ولايات تتبع إدارة الإقليم مباشرة، وهي مع عواصمها:

  • ولايات الإقليم العربي: بغداد، البصرة، حلب، الحجاز (جدّة)، الموصل، الشام (دمشق)، اليمن (صنعاء).
  • ولايات الإقليم الرومي: الجزائر البحرية (رودس)، كريت (خانيّة)، قبرص (نيقوسيا)، تراكيا (أدرنه).
  • ولايات الإقليم التركي: أضنة، أنقرة، إسكي شهر، إسطنبول (قسطنطينية)، قونيا، عثمانية (قيصريه)، قصطموني، سواس، خُداونديگار (بورصا). 

شارك برأيك