وادي في الجليل الأدنى في فلسطين
فلسطين, إتيمولوجي, تاريخ, تركستان, خرائط, سوريا

بيسان، عاصمة للتورُگ الغربيّين في قلب بلاد العرب!

لطالما تساءلت عن سبب وجود تشابه في الكثير من العادات التركستانية والأفغانية القديمة مع العادات المتأصّلة في منطقة حوران وشمال فلسطين، والتي يعتبرها الحوارنة والفلسطينيّين من أصول عاداتهم المحلّية ومن صلب التقاليد. وكثيرة هذه العادات التي تتنوّع في أكل الجميد وتقنيات حفظ الحليب وتخزينه وصناعة المنتجات الغذائية منه، وشكل وتصاميم الملابس والأزياء التقليدية الجميلة والفنون الشعبية، وتقاليد الأعراس وأصول الزفاف، واللّهجة المميّزة لعربيّة حوران والجليل الفلسطيني.

ولطالما ظننت أنّ الإجابة على تساؤلاتي تعود إلى الفترة الإسلامية، فلم أُفلح حيث بحثت في النصوص القديمة، لا يوجد تماس حوراني-فلسطيني بتركستان في عهود الدول الإسلامية؛ وكلّ الهجرات إلى حوران عربيّة. لكن، أخيراً، وبعد خروجي خطوة من الصندوق، عثرت على الإجابة البيّنة التي وضّحت أمام عينيّ قصّة وصول العادات القديمة من وسط آسيا وتوطّنها في حوران وفي فلسطين.

الصور التالية لثوب بيسان عن أزياء السندس. وثوب بيسان مثال حي لأناقة الثوب الفلسطيني الذي هو جزء لا يتجزأ من التراث الفلسطينيّ، ثوب فلّاحي يمكن ارتداؤه في المناسبات والأعراس والأعياد للاعتزاز بعراقة التراث. ويمتاز ثوب بيسان بتطريزه الفلّاحي على قماش من نوع الكريب المبرّد، والعروق المطرزة التي تمتد على طول القطعة تزيد الثوب جمالاً وأناقة، يأتي بمقاسات مختلفة وألوان متنوعة، مغلق بالكامل وبحزام متصل من الخلف وقبة مفتوحة للأعلى.

قُبيل العصر الهيليني ومنذ منتصف العصر الأخميني (قبل 2500 سنة)، أطلق الإغريق على مدينة بيسان الفلسطينية تسمية “سكوثِوپوليس” Σκυθόπολις ومعناها الحرفي “مركز إقليم سكوثيا”. حيث پوليس تعني مركز إقليم، إذ أنّ پول تعني إقليم (محافظة، ولاية) وَفْقاً للنظام الإداري.

لكنّنا نعلم أنّ بيسان تقع شمال فلسطين على الغرب من منطقة حوران، التي لم تنل في حياتها تسمية سكوثيا Σκυθική. إنّما كانت سكوثيا، كما هو واضح على الخريطة، القسم الشمالي من المنطقة الأم للشعب التركي وسط آسيا وشمال القوقاز. والسكوثيّون هم “الساكا” و“الساه” و“السيه” في الفارسية القديمة التي تنسب إليهم منطقة سيستان جنوب غرب إيران المعاصرة. وهم تقنيّاً القسم من الترك من الذين كانوا يفضّلون نمط حياة الظعن وتربية المواشي. مقارنة بالپارثيّين (الأپارنيّين) من الترك، أهل پارثا Παρθία (پارصَو 𐭐𐭓𐭕𐭅) الذين كانوا يفضّلون حياة المدن والاستقرار. (~صـ37)

خريطة ممالك التورك الغربيّين بعد انفراط مملكة السلوقيّين فترة 100-60 ق.م. الأحمر مناطق السكوثيّين، الساكا الرعاة. الزهري مناطق الپارثيّين، الساكا المزارعين.
خريطة ممالك التورك الغربيّين بعد انفراط مملكة السلوقيّين فترة 100-60 ق.م. الأحمر مناطق السكوثيّين، الساكا الرعاة. الزهري مناطق الپارثيّين، الساكا المزارعين.

إذاً، كيف اتّخذت مدينة بيسان تسمية سكوثِوپوليس (عاصمة السكوثيّين) قُبيل وخلال العهد الهيليني، وهي بعيدة عن موطن الترك السكوثيّين؟

السبب كان أنّ المدينة وُظّفت أوّلاً وخلال العهد الأخميني كمركز تجاري حر للسكوثيّين الساكا في منطقة حوران، يسهّل التجارة بين مصر جنوباً وسكوثيا على الشمال. لاحقاً وخلال العصر السلوقي صارت بيسان قاعدة عسكرية سكوثيّة لمصلحة السلوقيّين في مواجهة القوّات الپطولمية المصرية. فكانت بيسان هكذا أحد القواعد العسكرية في مواجهة المساعي المصرية الهيلينية للتوسّع في الشام وفي سوريا. واستخدم السلوقيّون الفرسان الترك (التورُگ) لتحقيق هذه المقاومة. (~صـ159-165)

مع ذلك، سيطرت القوّات المصرية على بيسان سنة 301 ق.م (~صـ49) وحافظت على الوجود التركي فيها وتركتهم على ديانتهم، فصاروا في موالاة الپطالمة. الذين غيّروا اسمها من سكوثِوپوليس إلى “بيت شِئن” أي “بلد مقدّس” وكما في العربية الفصيحة اليوم: بلد ذات شأن، بسبب وجود معبد كبير بناه السكوثيون على تل وسط المدينة. (~صـ44)

بعد قرن كامل، سنة 198 ق.م استعاد السلوقيّون السيطرة على فلسطين، ومنها “بيت شِئن” التي كانت قد تعرّبت بسكّانها تحت الحكم المصري. وفي العهد الروماني صارت المدينة واحدة من مدن حلف الديكاپوليس Dekápolis العربي. وفي العهد البيزنطي صارت مركز مطرانيّة ميثرانية؛ تحوّلت إلى مطرانيّة مسيحيّة مع تحوّل البلد إلى المسيحيّة سنة 321. تحوّل اسم المدينة من بيت شِئن إلى بيشان على لسان سكّان المنطقة. ثمّ، تغيّر لفظ اسمها على لسان الخليفة عمر بين الخطّاب في القرن السابع من بيشان إلى بَيسان، ودُوّنت أوّل مرّة مع توثيق معركة بَيسان سنة 635. (~صـ159-165)

الأزياء التراثية الأوزبكية من ولايات أوزبكستان الـ14 المعاصرة

وبعيداً عن جغرافيا فلسطين، مدينة السكوثيّين الأولى كانت مدينة سكوثيا نیاپول (نِاپوليس) في شبه جزيرة القرم، واسمها المعاصر هو سيمفروپول. بينما كانت مدينة الپارثيّين الأولى هي مدينة طوس في خُراسان، وآثارها اليوم بالقرب من مدينة مشهد الإيرانية. وعن السكوثيّين تفرّعت الكثير من الأمم والشعوب؛ مثل الهون والقوط والترك والأوار (أڤار) والخزر (القز) وغيرهم. (~صـ181) و(~صـ1346)

وهكذا فإنّ حكاية مدينة بيسان تبرّر سبب وجود الكثير من التقاليد والعادات التركية والأفغانية القديمة في حوران وفلسطين، بزمن يعود إلى قرون تسبق الإسلام، وتسبق اتّصال العرب المسلمين بالترك في تركستان وسط آسيا. وهذه واحدة من أجمل حكايات التواصل والتبادل الإنساني عبر التاريخ القديم.

المراجع المذكورة في التدوينة:

History of Civilizations of Central Asia: The Development of Sedentary and Nomadic Civilizations, 700 B. C. to A. A. H. Dani, UNESCO Staff, M. S. Asimov, B. A. Litvinsky, Guang-da Zhang, R. Shabani Samghabadi, C. E. Bosworth, Unesco. UNESCO, 1994.

Alexander to Constantine – Archaeology of the Lan: Archaeology of the Land of the Bible, Volume 13. Meyers & Chancey. 2012.

The Topography and History of Beth Shean. Philadelphia: Alan Rowe 1930. 

Palestine: a guide. Interlink Books. Mariam Shahin. 2005.

History of Humanity: From the seventh century B.C. to the seventh century A.D. Sigfried J. de Laet, Joachim Herrmann . UNESCO, 1 Jan 1996.

The Oxford Dictionary of Late Antiquity. Oxford University Press. Mark Dickens 2018.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s