بيسان، عاصمة للتورُگ الغربيّين في قلب بلاد العرب!

وادي في الجليل الأدنى في فلسطين

لطالما تساءلت عن سبب وجود الكثير من العادات التركستانية والأفغانية القديمة متأصّلة في منطقة حوران، والتي يعتبرها الحوارنة من أصول عاداتهم المحلّية ومن صلب التقاليد. وكثيرة هذه العادات التي تتنوّع في أكل الجميد وتقنيات حفظ الحليب وتخزينه وصناعة المنتجات الغذائية منه، والملابس والأزياء والفنون الشعبية، وتقاليد الأعراس وأصول الزفاف، واللّهجة المميّزة لعربيّة حوران.

ولطالما ظننت أنّ الإجابة على تساؤلاتي تعود إلى الفترة الإسلامية، فلم أُفلح حيث بحثت في النصوص القديمة، لا يوجد تماس حوراني بتركستان في عهود الدول الإسلامية؛ وكلّ الهجرات إلى حوران عربيّة. لكن، أخيراً، وبعد خروجي خطوة من الصندوق، عثرت على الإجابة البيّنة التي وضّحت أمام عينيّ قصّة وصول العادات القديمة من وسط آسيا وتوطّنها في حوران.

قُبيل العصر الهيليني ومنذ منتصف العصر الأخميني، أطلق الإغريق على مدينة بيسان الفلسطينية تسمية “سكوثِوپوليس” Σκυθόπολις ومعناها الحرفي “مركز إقليم سكوثيا”. حيث پوليس تعني مركز إقليم، إذ أنّ پول تعني إقليم (محافظة، ولاية) بحسب النظام الإداري.

لكنّنا نعلم أنّ بيسان تقع شمال فلسطين على الغرب من منطقة حوران، التي لم تنل في حياتها تسمية سكوثيا Σκυθική. إنّما كانت سكوثيا، كما هو واضح على الخريطة، القسم الشمالي من المنطقة الأم للشعب التركي وسط آسيا وشمال القوقاز. والسكوثيّون هم “الساكا” و“الساه” و“السيه” في الفارسية القديمة التي تنسب إليهم منطقة سيستان جنوب غرب إيران المعاصرة. وهم تقنيّاً القسم من الترك من الذين كانوا يفضّلون نمط حياة الظعن وتربية المواشي. مقارنة بالپارثيّين من الترك، أهل پارثا Παρθία (پارصَو 𐭐𐭓𐭕𐭅) الذين كانوا يفضّلون حياة المدن والاستقرار. (~صـ37)

خريطة ممالك التورك الغربيّين بعد انفراط مملكة السلوقيّين فترة 100-60 ق.م. الأحمر مناطق السكوثيّين، الساكا الرعاة. الزهري مناطق الپارثيّين، الساكا المزارعين.
خريطة ممالك التورك الغربيّين بعد انفراط مملكة السلوقيّين فترة 100-60 ق.م. الأحمر مناطق السكوثيّين، الساكا الرعاة. الزهري مناطق الپارثيّين، الساكا المزارعين.

إذاً، كيف اتّخذت مدينة بيسان تسمية سكوثِوپوليس (عاصمة الترك الشماليين) قُبيل وخلال العهد الهيليني، وهي بعيدة عن موطن الترك السكوثيّين؟

السبب كان أنّ المدينة وُظّفت أوّلاً وخلال العهد الأخميني كمركز تجاري حر للسكوثيّين الساكا في منطقة حوران، يسهّل التجارة مع بين مصر جنوباً وسكوثيا على الشمال. لاحقاً وخلال العصر السلوقي صارت بيسان قاعدة عسكرية سكوثيّة لصالح السلوقيّين في مواجهة القوّات الپطولمية المصرية. فكانت بيسان هكذا أحد القواعد العسكرية في مواجهة المساعي المصرية الهيلينية للتوسّع في الشام وفي سوريا. واستخدم السلوقيّون الفرسان الترك (التورُگ) لتحقيق هذه المقاومة. (~صـ159-165)

مع ذلك، سيطرت القوّات المصرية على بيسان سنة 301 ق.م (~صـ49) وحافظت على الوجود التركي فيها وتركتهم على ديانتهم، فصاروا في موالاة الپطالمة. الذين غيّروا اسمها من سكوثِوپوليس إلى “بيت شِئن” أي “بلد مقدّس” وكما في العربية الفصيحة اليوم: بلد ذات شأن، بسبب وجود معبد كبير بناه السكوثيون على تل وسط المدينة. (~صـ44)

بعد قرن كامل، سنة 198 ق.م استعاد السلوقيّون السيطرة على فلسطين، ومنها “بيت شِئن” التي كانت قد تعرّبت بسكّانها تحت الحكم المصري. في العهد الروماني صارت المدينة واحدة من مدن حلف الديكاپوليس Dekápolis العربي. وفي العهد البيزنطي صارت مركز مطرانيّة ميثرانية؛ تحوّلت إلى مطرانيّة مسيحيّة مع تحوّل البلد إلى المسيحيّة سنة 321. تحوّل اسم المدينة من بيت شِئن إلى بيشان على لسان سكّان المنطقة. ثمّ، تغيّر لفظ اسمها على لسان الخليفة عمر بين الخطّاب في القرن السابع من بيشان إلى بَيسان، ودُوّنت مع توثيق معركة بَيسان سنة 635. (~صـ159-165)

وبعيداً عن جغرافيا فلسطين، مدينة السكوثيّين الأولى كانت مدينة سكوثيا نیاپول (نِاپوليس) في شبه جزيرة القرم، واسمها المعاصر هو سيمفروپول. بينما كانت مدينة الپارثيّين الأولى هي مدينة طوس في خُرَسان، وآثارها اليوم بالقرب من مدينة مشهد الإيرانية. وعن السكوثيّين تفرّعت الكثير من الأمم والشعوب؛ مثل الهون والقوط والترك والأوار (أڤار) والخزر (القز) وغيرهم. (~صـ181) و(~صـ1346)

وهكذا فإنّ حكاية مدينة بيسان تبرّر سبب وجود الكثير من التقاليد والعادات التركية والأفغانية القديمة في حوران، بزمن يعود إلى قرون تسبق الإسلام، وتسبق اتّصال العرب المسلمين بالترك في تركستان وسط آسيا. وهذه واحدة من أجمل حكايات التواصل والتبادل الإنساني عبر التاريخ القديم.

المراجع المذكورة في التدوينة:

History of Civilizations of Central Asia: The Development of Sedentary and Nomadic Civilizations, 700 B. C. to A. A. H. Dani, UNESCO Staff, M. S. Asimov, B. A. Litvinsky, Guang-da Zhang, R. Shabani Samghabadi, C. E. Bosworth, Unesco. UNESCO, 1994.

Alexander to Constantine – Archaeology of the Lan: Archaeology of the Land of the Bible, Volume 13. Meyers & Chancey. 2012.

The Topography and History of Beth Shean. Philadelphia: Alan Rowe 1930. 

Palestine: a guide. Interlink Books. Mariam Shahin. 2005.

History of Humanity: From the seventh century B.C. to the seventh century A.D. Sigfried J. de Laet, Joachim Herrmann . UNESCO, 1 Jan 1996.

The Oxford Dictionary of Late Antiquity. Oxford University Press. Mark Dickens 2018.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *