خارطة التسميات الإقليميّة لبلاد العرب الشرقيّة

خارطة التسميات الإقليميّة لبلاد العرب الشرقيّة وعواصمها التاريخيّة باستخدام التقسيمات الإداريّة المعاصرة.

وهذه الحدود ليست حدوداً سياسيّة دقيقة ولا تصلح لإسقاطها على حدود الدول الغابرة، لكنّها تمثيل للحدود التاريخيّة استخدمت فيه التقسيمات الإدارية المعاصرة. والكلام هنا بحاجة إلى القراءة برويّة، ففيه تقليب لمصطلحات تعلّمتها بصورة مخالفة طوال حياتك.

خارطة التسميات الإقليميّة لبلاد العرب الشرقيّة وعواصمها التاريخيّة باستخدام التقسيمات الإداريّة المعاصرة.
خارطة التسميات الإقليميّة لبلاد العرب الشرقيّة وعواصمها التاريخيّة باستخدام التقسيمات الإداريّة المعاصرة.

بالأزرق سوريا أو أسوريا التي بدأت من شرق منطقة الجزيرة وتوسّعت منها لتمتدّ من الخليج العربي شرقاً حتّى كيليكيا وقبرص غرباً وعاصمتها بابل. وفي الواقع، سوريا هي ميراث مملكة سوبر شمال العراق، التي كانت في الأصل مستوطنة سومريّة؛ انفصلت عن أكّد بانفراط الإمبراطورية وتحالفت مع إبلا وماري لتشكيل مملكة جديدة اتّخدت من مدينة أشُّر (آسور) عاصمة لها، وهي المدينة التي منحت الدولة اسمها أسوريا. مع ذلك فإنّ اسم أسوريا مستمدّ في الأساس من اسم جهة الشرق “أسُّر”، الذي تحوّل خلال العهد الهيليني إلى سوريا بإسقاط ألف التعريف. سوريا توسّعت غرباً على حساب الممالك الفنيقية وقضمتها واحدة واحدة. وفي أحد هذه التوسّعات توقّفت عند نهر عفرين شمال حلب وكان هو الحدّ الفاصل ما بين فنيقيا وسوريا، وهذا السبب في اسمه كون كلمة عفرين كانت في الأساس اسم المملكة الفنيقية. في مرحلة تالية توسّعت سوريا جنوباً وضمّت حماة وصارت بانياس على الساحل هي آخر نقطة حدودية ما بين سوريا وفنيقيا، واستمرّ التنازع عليها حتّى خلال العهد البيزنطي، حين كانت ضرائب بانياس تُجبى لصالح أنطاكية، عاصمة سوريا البيزنطية، بينما تبعت أبرشية بانياس المسيحية لأبرشية حمص، عاصمة فنيقيا المقدّسة.

اليوم نعرف سوريا باسم الجمهورية العراقية، بينما انحرف الاستعمار باسم سوريا إلى ولاية شام بعد تقسيمها سنة 1864. وعليه، يكون لقب سريان تاريخياً خاصّ بالعراقيّين وليس بسكّان سوريا المعاصرة. وكانت تسمية العراق تخصّ منطقة السهول الخفيضة جنوب سوريا التي سكنتها طيء، ثمّ تحوّلت في العصر العباسي-التركي إلى تسمية تشمل معظم العراق المعاصر، ثم صارت في العصر السلجوقي تسمية تشمل العراق المعاصر والجزيرة بالإضافة إلى إقليم الجبال الذي صار اسمه عراق عجم، ويمتدّ حتّى البحر الطبري وأذربايجان.

قبل العهد الروماني درجت تسمية سوريا على لمملكة السلوقية حيثما توسّعت. وخلال العهد الروماني بقيت فنيقيا مملكة مستقلّة باسم مملكة حمص (إميسا) وفي بداية التحالف الحمصي الروماني توافق الطرفان على منح مدينة دمشق وغوطتها مستعمرة لروما، لتحقيق عزل ما بين مملكة حمص وممالك اليطوريّين الأربع في جنوب لبنان وحوران وفلسطين. بعد هزيمة اليطوريّين وضمّ مناطقهم إلى الإمبراطورية الرومانية تغيّرت تسمية مملكة حمص إلى سوريا الفينقيّة، والمقصود هو أنّها القسم الفنيقي من سوريا التي كانت سلوقية. ثم عادت في العهد البيزنطي إلى تسمية فنيقيا وانقسمت إلى محافظتين هنّ: فنيقيا اللبنانية (حمص) وفنيقيا البحريّة (صور)، وامتدّت سلطة فنيقيا اللبنانية على كامل بادية الشام.

على الغرب تقسّمت مملكة العربيّة (أي الغربية) إلى ثلاث أقاليم هنّ: الشام والحجاز واليمن.

مراحل نزوح تسمية الشام اتّجاه الشمال
مراحل نزوح تسمية الشام اتّجاه الشمال

الشام باللّون الزهري ويعني اسمها الشمال كونها شمال المملكة أو المملكة الشمالية، عاصمتها الأولى كانت پترا ثمّ انتقلت في العهد الروماني إلى مدينة بصرى، وبقيت لپترا مكانتها المقدّسة. في الواقع، تحالف الأخمينيّون قبلاً مع العرب ومنحوهم منطقة حوران مكافأة فتوسّعت الشام حتّى اقتربت من دمشق. ثمّ خلال العهد الإسلامي توسّعت الشام شمالاً وانتقلت بمركزها من مدينة بصرى إلى مدينة دمشق لتصبح متن “جند الشام”، وضمّت محافظات فنيقيا وغيّرت اسمها إلى “حمص”. كما توسّعت مرّة ثانية بقرار من النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي لتضمّ حماة والمعرّة التي صار اسمها معرّة حمص؛ التي صارت لاحقاً معرّة النعمان بعد وفاة الرجل بعدّة سنوات. توسّعات الشام الشمالية هذه كانت على حساب سوريا، التي خسرت على الساحل كذلك مدينة بانياس وصارت حدودها الجنوبية تتوقّف عند مدينة جبلة.

للمزيد حول مراحل نزوح تسمية الشام اتّجاه الشمال انقر هنا.

الحجاز نالت اسمها لكونها المنطقة الجبلية التي تحجز ما بين الشام واليمن أو بمعنى أصح ما بين تهامة واليمن. وتغيّرت حدودها كثيراً مع توسّعات وتقلّصات الدول، لكن أهمّ ما فيها قبل الإسلام أنّها كانت متن طيء، لاحتضانها مدينة خيبر العاصمة الدينية لقبائل طيء، وكان يهود خيبر جميعاً من طيء، أسوة بيهود العراق.

اليمن باللّون البرتقالي ويعني اسمها الجنوب كونها جنوب المملكة أو المملكة الجنوبية، عاصمتها التاريخيّة هي تعز بالإضافة إلى مدينة مأرب الشهيرة. ولطالما توسّعت سيادة اليمن على شقيقتها حضرموت أو تقلّصت عنها وفقاً للظروف الدولية، لكن في العهد الروماني كانت السيادة السياسية على حضرموت لليمن بينما تنفّذت على موانئها تجارياً الشام وبالأخصّ التجّار الأنباط، بسبب اهتمام الرومان بالموانئ والبحرية الحضرمية في خدمة التجارة الرومانية في بحر العرب وجنوب شرق آسيا. بينما احتكرت تعز التجارة على طول الساحل الشرقي لأفريقياً وصولاً إلى ميناء غزّة الموزامبيقي جنوب أفريقيا.

على الشرق من حضرموت استمرّ الأزد في تطوير وتقليب ممالك عُمان (مگان) طيلة 4000 سنة على الأقل، حتّى اتّسعت في أحد الفترات لتحكم پشتونستان كلّها، وكانت منطقة البحرين تقع تارة تحت سلطة الأزد وتارة تحت سلطة السوريّين (العراقيين)، ثمّ صارت سواحل الخليج العربيّ كلها في يد الأزد في باكر عصر الإسلام، وكانت لهم الأغلبيّة في سكّان البصرة.

بالخلاصة، انقسمت البلاد العربية على مبادئ جغرافيّة بسيطة، بلاد شرقيّة وبلاد غربيّة، للشرقيّة كان شمالها وجنوبها يتنافس فيهم الأزد والسوريّون (التغالبة)، وللغربيّة كان شمالها وجنوبها كذلك تتبادل فيها السلطة تارة الشام وتارة اليمن. لكن، من المهمّ القول أنّ كلّ المراجع الإغريقية والرومانية القديمة تذكر عرب فنيقيا باسم الگسياسيين والجساسين والجيسيين والبسيانس والگيسيّين، وكلها أسماء تشير إلى أنّهم كانوا هم القيسيّون، الذين انتشرت أملاكهم أخيراً ما بين الجزيرة والبحر المتوسط. لذا، فعلى الأغلب أنّ من نعرّفهم بالفنيقيّين والكنعانيّين هم نفسهم القيسيّون، وما اختلاف الأسماء إلا بسبب اختلاف جنس الراوي، وتغيّر أسماء الدول.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك