خارطة مراحل نزوح تسمية الشام اتّجاه الشمال

هذه الحدود ليست حدوداً سياسيّة دقيقة ولا تصلح لإسقاطها على حدود الدول الغابرة، لكنّها تمثيل للحدود التاريخيّة باستخدام التقسيمات الإدارية المعاصرة.

مراحل نزوح تسمية الشام اتّجاه الشمال
مراحل نزوح تسمية الشام اتّجاه الشمال

في الأصل كلمة شام كلمة عربيّة تعني جهة الشمال وتقابل كلمة يمن التي تعني الجنوب، والمقصود فيها هو الإشارة إلى القسم الشمالي من مملكة العرب أو بلاد العرب، حيث عرب هم أهل القسم الغربي من شبهة الجزيرة العربية. ولمّا كان العرب يعبدون الشمس فقد وضعوا الشمس قبالتهم تتوجّه إليها قبلة معابدهم، ثمّ صار الجنوب بالتالي عن يمينهم والشمال عن شمالهم (يسارهم).

تشير تدرّجات اللّون الزهري على الخارطة إلى مراحل توسعة تسمية الشام جغرافياً من الداكن إلى الفاتح، وأُفردها هنا مرحلة مرحلة:

عاصمة شمال مملكة العرب أو المملكة العربيّة الشمالية كانت في الأساس مدينة پترا واسمها هذا إغريقي يعني الصخرة أو صخر، بينما كان اسمها العربيّ هو بكّة نسبة إلى المعبود بك. ثمّ انتقلت العاصمة في العهد الروماني إلى مدينة بصرى الشام.

في الواقع، خلال العهد الأخميني قبل نحو 2600 سنة تحالف الأخمينيّون قبلاً مع العرب ومنحوهم منطقة حوران مكافأة على مساهمة العرب بفتح مصر لصالح الأخمنيّين. فتوسّعت الشام بالتالي حتّى اقتربت من دمشق. وكانت عرب الشام آنذاك على ديانة دوسرا (ذو الشرى)، تعبد ابن عشتار وتطلق اسمه على الجبال العربيّة وتسمّيها السراة. وبقيت هذه الحال مستمرّة دون تغيير في العهد السلوقي، على الرغم من جنوح العرب عدّة مرّات لموالاة الپطالمة بدلاً عن السلوقيّين، وكانت هذه كذلك هي ميول الفنيقيّين. لكن، بقيت عاصمة سوريا السلوقية هي أنطاكيا، تنازع الشام والمصريّين على حماة وفنيقيا.

خلال العهد الروماني انقسمت سوريا ما بين الأشكان والرومان، فبقي القسم الروماني باسم سوريا، وتغيّر اسم القسم الأشكاني إلى أسوري إستان، وهو الاسم الذي بقي للجزيرة وأغلب العراق طوال العهد الساساني. أمّا شام العهد الروماني فتقسّمت إدارياً ما بين عربيّة وفلسطين. وبقيت دمشق من فنيقيا.

ثمّ خلال العهد الإسلاميّ وعقب معركة اليرموك سنة 636 توسّعت الشام شمالاً وانتقلت بمركزها من مدينة بصرى إلى مدينة دمشق لتصبح متن “جند الشام”، وضمّت في أراضيها محافظة فنيقيا كلّها وغيّرت اسمها الإداري إلى حمص، كما توسّعت مرّة ثانية سنة 680 بقرار من النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي لتضمّ حماة والمعرّة التي صار اسمها معرّة حمص؛ الذي تغيّر لاحقاً إلى معرّة النعمان بعد وفاة النعمان بعدّة سنوات. توسّعات الشام الشمالية هذه كانت على حساب سوريا البيزنطية، التي خسرت على الساحل كذلك مدينة بانياس وصارت حدودها الجنوبية تتوقّف عند مدينة جبلة. واستقرّت عاصمتها في مدينة قنّسرين التي منحت اسمها للولاية جند قنّسرين.

هكذا إذاً توسّعت تسمية الشام نحو الشمال على الترتيب التالي:

  • 1- في البداية كانت منطقة شام العربيّة (شمال العربية) تعبّر عن منطقة تبوك والجوف وأغلب المملكة الأردنيّة المعاصرة. ومركزها پترا.
  • 2- في العهد الأخميني توسّعت منطقة شام شمالاً وضمّت كلّ حوران وفلسطين. وبقي مركزها في پترا.
  • 3- في العهد الروماني انتقل مركز منطقة شام من پترا إلى بصرى الشام.
  • 4- في العهد الإسلامي الأوّل توسّعت منطقة شام شمالاً وضمّت فنيقيا (لبنان)، وانتقل مركزها إلى دمشق وحمص.
  • 5- في العهد الإسلاميّ الأمويّ توسّعت منطقة شام شمالاً وضمّت حماة ووصلت حتّى المعرّة؛ التي نسبتها إلى حمص.
  • 6- عقب العهد الإسلاميّ السلجوقيّ تماماً نشأت مملكة باسم الشام اتّخذت من دمشق عاصمة لها، وحوّرت تسمية دمشق إلى شام شريف.

وخلال العهد الإسلامي الباكر بقيت الناس تذكر منطقة دمشق وحمص دائماً باسم لبنان، فالمجتمع فيها لبناني ومطبخها لبناني وموسيقاها لبنانية، ولم تقتصر كلمة لبنان آنذاك لا على الجبل ولا على الساحل وحده. واستمرّ هذا الحال إلى أن انفرطت الإمبراطورية السلجوقية.

سنة 1095 استقلّ التركماني ظاهر الدين طغتكين البوري بما تبقّى من مقاطعته السلجوقيّة (شرفيّة الشام) وقد انفرط المُلك على إثر غزوات الصليبيّين. وامتدّت حدود الإمارة البوريّة آنذاك من حمص شمالاً حتى تبوك جنوباً، وجاورها على الغرب مملكة بيت المقدس الفرنچية وعلى الشمال إمارة حلب الزنگية، وعلى الجنوب الحجاز. واتّخذ طغتكين البوري من دمشق عاصمة لمُلكه. ولمنح مملكتهم شرفيّة وقداسة وحقّاً بالوجود، استخرج البوريّون كلّ الأحاديث النبوية التي تتحدّث بفضل الشام، وطالما أنّ اسم إمارتهم كان الشام فقد كثّفوا هالة القدسيّة كلّها حول عاصمة ملكهم دمشق وصارت في الأعراف هي الشام المباركة.

خلال العهد الروماني بقيت فنيقيا مملكة مستقلّة باسم مملكة حمص (إميسا: أي الشمسيّة) وفي بداية التحالف الحمصي الروماني سنة 46 ق.م توافق الطرفان على منح مدينة دمشق وغوطتها مستعمرة لروما، لتحقيق عزلٍ ما بين مملكة حمص وممالك الإيطوريّين في جنوب لبنان وحوران وفلسطين. وقبلها كانت دمشق مدينة فنيقية تتبع حمص. بعد هزيمة الإيطوريّين وضمّ مناطقهم إلى الإمبراطورية الرومانية تغيّرت تسمية إميسا إلى سوريا الفينقيّة، ثم عادت في العهد البيزنطي إلى تسمية فنيقيا وانقسمت إلى محافظتين هنّ: فنيقيا اللّبنانية (الداخل) وفنيقيا البحريّة (الساحل). ومن المهمّ هنا القول أنّ كلّ المراجع الإغريقيّة والرومانيّة القديمة تذكر عرب فنيقيا باسم الگسياسيين والجسّاسين والجيسيين والجِسيوسيّين والبسيانس والگيسيّين والگيشيّين، وكلّها أسماء تشير إلى أنّهم كانوا هم القيسيّون، الذين انتشرت أملاكهم أخيراً ما بين الجزيرة والبحر المتوسط. لذا، فعلى الأغلب أنّ من نعرّفهم بالفنيقيّين والكنعانيّين هم نفسهم القيسيّون، وما اختلاف الأسماء إلا بسبب اختلاف جنس الراوي، وتغيّر أسماء الدول.

أمّا سوريا بشطريها الشرقي الساساني والغربي الروماني فقد كان أغلب أهلها هم عرب تغلب ومُضر، مع نفوذ واسع للبهرائيّين في نهاية العهد البيزنطي. لكن وقد كانت الأغلبيّة من الأغالبة، فيمكن اعتبار تغلب هي ميراث الأسوريّين الحقيقي يشاركهم فيه المضريّون، حلفاء الأسوريّين منذ القرن الثامن قبل الميلاد على الأقل.

للمزيد حول تلبيس دمشق تسمية الشام، أنصحك بقراءة تدوينتي من أين أخذت دمشق تسميتها الشام؟

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

(1) Comment

  1. […] للمزيد حول مراحل نزوح تسمية الشام اتّجاه الشمال انقر هنا. […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *