خبز أسمر صحّي ولذيذ في البيت

هو الخبز من طحين القمح الكامل، وهو الطحين الذي أفضّله وأحبّ مذاقه ونكهته في العديد من المعجّنات، بالإضافة إلى امتيازه بكمّيّة عالية من الطاقة تخدم كثيراً من حاجات الجسم.

تم النشر في
خبز أسمر
خبز أسمر

أوّل مرّة تعرّفت فيها على مذاق خبز القمح الكامل كانت في دمشق، وكنت صغيراً آنذاك في صحبة أمّي التي ذهبت لتشتري خبزاً من فرن الشعلان بالقرب من طريق الصالحية آنذاك، وذقت الرغيف الذي سرَت نكهته في عروقي كإحياء النبات. مذّاك سألت أمّي عن سبب لونه البنّي وطعمه المتميّز. وأنصتّ كذلك بانتباه إلى أحاديث جدّتي والخالات عن مزايا الطحين الأسمر وتقنيّات عجنه وخبزه.

بداية، من المهمّ التوضيح أنّ الطحين الأسمر المعروف باسم طحين حبّة القمح الكاملة، ليس طحيناً للقمح بقشرته. القشرة تُنزع بكلّ حال ولا يستهلكها الإنسان عن طريق المعجّنات. إنّما الطحين الأسمر هو طحين لبّ حبّة القمح الكامل. نسمّيه في دمشق طحين راسه بعبّه، لأن الطبقة المتروكة للطحين الأسمر هي النخالة، والتي تكون في الأصل كشكل غطاء على رأس لبّ حبّة القمح الأبيض، ولا تغلّفها بالكامل. هذا الغطاء هو ما يسمّى بالنخالة وبالرماد، وفيها أغلب فوائد حبّة القمح من ناحية الطاقة ودعم الصحّة.

لكن، طبقة الرماد هذه، عبّ الحبّة، صعبة الهضم وفيها أغلب كميّة الگلوتين التي تزعج الناس التي تعاني حساسيّة من الگلوتين… لذا، ومنذ آلاف السنين، ابتكرت الناس تقنيّة التخمير لزيادة القدرة على هضم الخبز الأسمر والاستفادة منه. في الواقع، تقوم بكتيريا الخميرة بهضم الگلوتين وبقيّة مكوّنات رماد الطحين، ثمّ تترك لنا موادّاً يسهل امتصاصها في الأمعاء.

لهذا السبب، لا يمكن خبز الخبز الأسمر بذات طريقة خبز الخبز الأبيض العادي، وإلا نُصاب بعسر الهضم مع النفخة الشديدة مع تباطؤ الدماغ في فترة الهضم. عجين الخبز الأسمر يحتاج فترة أطول للتخمير، وحرارة أقل أثناء الخبز أو الشوي، وكميّة ماء أكبر في العجين. وفي حال حقّقنا هذه الظروف بطريقة مناسبة، نحصل على خبز يدعم نشاط الدماغ بطريقة ممتازة، بعكس الخبز الأبيض الذي لا يقدّم للجسم غير النشاء والسكّر.

من جهة ثانية، العجين المصنوع من الطحين الأسمر سيتخمّر أسرع من العجين المصنوع من الطحين الأبيض. والسبب في ذلك بسيط: يحتوي طحين القمح الكامل على المزيد من العناصر الغذائيّة التي تتغذّى عليها الخميرة أكثر من الطحين الأبيض. إذا لم تكن لك الخبرة الكافية للتعامل معه يسهل أن تقع في خطأ الإفراط في تخمير العجينة. وللتعويض عن هذا التأثير، يجب على الخبّاز إمّا تقصير أوقات التخمير أو تقليل درجة حرارة الفرن. تقصير أوقات التخمير هنا أقصد بها التخفيض من 24 ساعة إلى 4-5 ساعات. من جهتي أفضّل تخير عجينة الطحين الأسمر ما بين يومين إلى ثلاث مغطّاة في البرّاد، أو التمديد حتى خمس أيام إذا أردت خبز خبزة مرقّدة (فوكاشيا).

يمكن تقصير وقت التخمير إلى أقل من أربع ساعات إذا رغبت بخبز خبز رقيق أو عجينة للپيتزا من الطحين الأسمر بالكامل دون خلط. لكن، ذلك يعني مشاكل گلوتين لمن يعانيها، ونفخة البطن وثقل الهضم. وكحلّ لهذه المشكلة تلجأ الأفران الفاخرة إلى مزج الطحين الأسمر بطحين أبيض، بنسب مختلفة، ثلثين وثلث، أو نصف بنصف. أمّا الأفران التجارية فلا تخلط ولا تمنح عجينة الخبز الأسمر حقّها من التخمير، فتمنحنا خبزاً أسمر أقل جودة وأثقل على الجسم، تذهب أغلب فوائده بالخروج من غير قدرة الأمعاء على امتصاصها.

متوسّط حرار خبز عجينة الخبز الأسمر التقليدية هي 190 درجة، تقل في حال كانت العجينة قد أخذت وقتها الكامل من التخمير وارتاحت على رواق، وتزيد في حال كان الخبز رقيقاً مع تقصير زمن الخبز. وزمن خبز رغيف الخبز الأسمر السميك، سواء القالب أو السندويش أو التوست أو المرقّد؛ قد يصل حتى 50 دقيقة أو حتّى تأخذ اللون المرغوب. ويُترك بعدها الرغيف السميك لكي يبرد لمدّة 20 دقيقة على الأقل قبل التقطيع. أمّا الخبز الرقيق لعرائس اللّفّ فلا يحتاج أكثر من ست دقائق على المقلاة؛ على الوجهين.

نقطة أساسيّة وشديدة الأهمّيّة

عجين الطحين الأسمر لا يحتاج إلى كثير من العجن، ولا إلى البشكرة المتكرّرة. بسبب سرعة تخمّره. كثرة العجن قد تحوّل الرغيف إلى قطعة صلبة من البلوك. والطريقة المثلى هي خلط العجينة بأقل كميّة ممكنة من الماء حتّى تتجانس، ثمّ تترك ساعة لتتخمّر بمساعدة بادئة التخمير ويمكن تمديد هذه المرحلة ما بين يوم إلى ثلاثة إذا رغبت بخبز طري عالي الطاقة. ثم تُعجن حتّى تأخذ شكلاً سلسلاً وتقطّع، ثم تترك لترتاح نصف ساعة، ثمّ تُبشكر على الشكل الذي نريد، ثم تترك لتتماسك وتتخمّر لساعتين، ثمّ تشوى أو تُخبز. والنتيجة خبز برائحة وطعم رائع ينعش القلب.

من جهتي ولأنّني وحدي، أخبز في الأسبوع وسطيّاً مرتين. وأمس خبزت هذا الرغيف من الطحين الأسمر مع خلطة الزعتر الخضراء والشطّة. والمقادير هي:

خبز أسمر منزلي
خبز أسمر منزلي
  • كأس وربع ماء دافئ.
  • ملعقتين زيت زيتون (غير أساسية).
  • 3 ونصف كأس طحين أسمر.
  • ربع كأس طحين السمسم، أو حبّ السمسم.
  • ملعقة ش ملح.
  • ملعقة ش خلطة زعتر خضراء.
  • ربع ملعقة ش شطّة بودرة، أو قرنين فليفلة حلبيّة جافّة مفرومة دون بذور.
  • كميّة مناسبة من بادئة التخمير (خميرة طبيعية).

أعجن وأترك للتخمير على الترتيب سابق الذكر، ثم أخبزها في فرن داخل القالب، على حرارة 190 درجة لمدّة 40 دقيقة. في اليوم التالي أقطّعها شرائح مناسبة للتوستر. والرائحة في كلّ المراحل تذهلني.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك