گولاش بالعدس على مزاجي

في الزمن الغابر BC ما قبل كورونا اعتدت زيارة مطعم نمساوي في برلين متميّز بطبق الگولاش، ذاك الحساء هنگاري الأصل الذي تنتشر محبّته بأسماء مختلفة ما بين نهر المسرقان شرقاً وبحر الشمال غرباً. بكلّ حال، تسبّبت أزمة كوڤيد بإغلاق المطعم، وفقدتُ بالتالي المكان الوحيد في برلين حيث أحصل على وجبة گولاش ممتازة بلحم طري. جرّبت طلبها من أماكن أخرى… لكن، يبق اللحم قاس وليس كما أحبّ.

هكذا، لم يبق لي إلّا أن أتعلّم طبخ الگولاش على أصوله بنفسي، مع السعي للوصول إلى مرحلة المعلّم كي أحصل على ذات النكهة التي أحببت؛ من ذاك المطعم النمساوي. بدأت بسؤال الناس من الألمان من حولي، والكلّ معتاد على طلبها من مطعم… سألت هنا في مجموعة المطبخ السوري على فيٓسبوك وحصلت على مفاتيح ممتازة، ثمّ اتّجهت إلى يوتيوب، والكثير من التجارب الفاشلة. ثمّ عدت إلى التاريخ، وهنا وُفّقت.

لأخرج بطريقة طهي ممتازة تلائم مطبخي، تنبغي العودة إلى التاريخ، وإلى الوصفة الأصليّة للگولاش، لأبدأ منها ثمّ أنتهي إلى وصفة وطريقة تلائم اللّحم المتوفّر من الأسواق وتناسب إمكانيّات مطبخي. وگولاش في الأصل هي طبق الگولياش لاڤاش أي حساء الراعي أو يخنة الراعي. وجبة تعود إلى القرن التاسع، كانت في الأصل هي الوجبة التي يتغذّى عليها رعاة الماعز والغنم الهنگار وهم في الخارج سارحون في الظعن. هكذا، تصبح عناصر الوصفة الأم التي ينبغي أن أركّز عليها هي خمس: راعي + لحم ماعز + نار + قدر + ماء.

إذاً لتحقيق الوصفة المناسبة يجب أن أفكّر بمنطق الراعي، وليس بمنطق الشيف ولا مطبخ البيت. والراعي عادة إنسان بذهن رائق، طويل البال، مسترخي أغلب الوقت… إذاً، إذا طبخ يطبخ على مهل: حرار منخفضة على الجمر وانتظار لوقت طويل، يطبخ للمزاج لا لسدّ الجوع. فهو غير مستعجل على استواء طبخته. وفي ذات الوقت، يطبخ من الموجود من حوله، فإذا عثر على عشبة يحبّها أضافها، وإذا وجد خضاراً جيّدة أضافها… هكذا إذاً، ينبغي أن تكون طبخة الگولاش بلا حدود في خياراتها، تستغذي من الموجود.

من جهة ثانية، الگولاش هي طبخة الراعي، ما يعني أنّها ستحتوي عادة على أرخص قَطعات اللّحم؛ لا أفضلها، لأنّ الراعي؛ وهو من يعيش على صنعة اللّحم، سيبيع أفضل قَطعات اللّحم ليكسي أهله؛ ويترك لنفسه القطعات التي لا تبيع… وهذا سبب وجود وصفة وطريقة طهي خاصّة بالگولاش تركّز على تطرية اللّحم وتحويله إلى لحم سهل في الفم وعلى الهضم. إذاً، قطعات اللّحم الممتازة لا تصلح للگولاش على أصوله.

وهكذا، نستخلص أنّ منطق طبخ الگولاش بأيّ شكل كان هو منطق طهي لحم الماعز، وهذا عادة لحم قاسٍ بطبيعته ويحتاج إلى وقت طويل للاستواء. لكن، وقبل انتشار الگولاش في بيوت الناس؛ تحوّلت ربّات بيوت الهنگار عن استعمال لحم الماعز إلى لحم البقر، بسبب وفرته في أسواق المدن قديماً وانخفاض ثمنه في هنگاريا عن ثمن لحم الماعز. هكذا، بقي المنطق نفسه، أرخص قطعات اللّحم وزمن أطول للطهي. لكن، تميّزت طبخة گولاش اللّحم البقري بارتفاع كميّة الدهن في الإدام، طالما أنّ اللّحم البقري ذو دهن أكثر من لحم الماعز المتميّز بعضلاته وبالكولاجين فيه.

ليرتخي لحم البقر ولتزداد طراوته يحتاج حرارة أخفض من حرارة طهي لحم الماعز، وهذا ما تناسَب مع عادات طهي البيوت الهنگارية غير الثريّة. إذ كانت الناس تترك موقد البيت مقاداً طوال فصل الشتاء للتدفئة، ثمّ تترك على قطعة الرخام من فوقه القدر باللّحم مع الماء فيه لساعات طوال النهار، حتّى تكون الوجبة جاهزة لتناولها على مائدة ميقات العشاء؛ وقد عاد الجميع إلى البيت.

هكذا اكتملت المعادلة التي تسمح لي بطبخ وتطوير وصفتي الخاصّة من الگولاش بناء على تراث من اخترعوها وظروفهم: حرارة منخفضة بحرارة موقد التدفئة + لحم بقري من قَطعة رخيصة + قدر معدني سميك.

في بيتي لا يوجد موقد حطب كتلك المواقد التي تدفّاً عليها الناس قديماً، إنّما يوجد موقد للطهي يحرق الغاز. ما يعني أنّني لن أحصل على حرارة بانخفاض حرارة لوح الحجر المرصوف فوق الموقد. هذا يسمح لي بخفض زمن الطبخ، لكنّ يحتاج منّي إبداعاً أكثر لتحسين النكهة… ولا أرغب بالطهي في طنجرة الضغط لأنّني أبحث عن تلك النكهة الأصليّة التي قدّمها لي ذلك المطعم النمساوي.

وهكذا عدت إلى التفكير بمنطق الراعي… ذلك الذي كان يتسلّى بنار الحطب بينما يحصد بعض الدفئ. ولتحسين النكهة اعتاد الرعاة الهنگار على تحريق قطع اللّحم على النار قبل رميها في القدر وغمرها بالماء… لا يمكنني إيقاد نار في بيتي ولا مجال لتحريق قطع اللّحم بلمس النار. لكن، يمكنني تحميص قطع اللّحم في المقلاة كخطوة أولى، وهكذا فعلت. 

في البداية استعملت الووك، قمت بتقلاية قطع اللّحم على نار قويّة حتّى تلوّنت وتصلّبت أطرافها، ثمّ نقلتها إلى قدر (طنجرة) بقاعدة سميكة، ثم رميت عليها البصل المفروم حتّى ذبل وتلوّن، ثمّ غمرتهم بالماء ورميت التوابل، ثمّ نزلت بالحرارة حتّى أخفض درجة وغطّيت القدر وتركتهم ساعتين. والنتيجة أتت ممتازة، لحم طري جداً لا يعلق بين الأسنان وبنكهة لذيذة خالية تماماً من الزنخة.

هكذا ومع نجاحي بطبخ اللّحم كما أريد، وصلت إلى المرحلة التالية، وهي استعمال أنواع مختلفة من الخضار والحبوب لأصل إلى وصفتي الخاصّة، تماماً كما فعل الرعاة باستخدام الموجود. وجرّبت تقريباً كلّ شيء، خضار وحبوب مختلفة مع الخلط ما بينها. إلى أن خلصت في النهاية إلى وصفة أحببتها جدّاً وكرّرتها أكثر. باستعمال العدس والحمّص.

لحم بقري مقطّع مكعبّات ومقلّى، مع كميّة وافرة من البصل الأصفر المقطوع أنصافاً فقط، مع حبّات ثوم مع فليفلة حارّة وحبّات من الفلفل الأسود والكمّون، وملعقتين أو ثلاث من صلصة آيڤار والقليل من جوزة الطيب. تُترك ساعة على نار خفيفة مغمورة بالماء. ويجب أن يكون الماء ساخن سلفاً درجة الغليان. ثمّ يضاف العدس والحمّص المسلوق، مع كميّة مناسبة من زيت الزيتون، وتترك ساعة ثانية على أخفض حرارة ممكنة. ولا تخشى البصل والثوم بلا فرم، لأنّ الطبخ البطئ كفيل بتحويلهم إلى إدام غني بعصارة كلّ شيء مع دهن اللّحم.

من جهتي لا أحبّ ارتفاع نسبة الدهن فيها، لكن من أصولها أن يضاف مصدر للدهن حتّى يكون الإدام لزجاً وبسماكة تزيد عن سماكة الزيت. لكنّني أفضّلها بزيت الزيتون. وعادة أقدّمها مع شپيتسله أو أي صنف معكرونة آخر معجون بالبيض، وأحياناً أقدّمها مع أرز، وأحبّ تزيينها بالكزبرة الخضراء إن توفّرت. وهكذا أرى أنّي قد حقّقت اندماجاً ما بين وصفتين من سوريا وألمانيا. ما رأيك؟ وماذا تضيف إليها على مزاجك؟

Photo: Bev Cooks

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك