لو أنّ الإمبراطورية الأشّورية عادت إلى الحياة

تم النشر في

لو أنّ الإمبراطورية الأشّورية عادت إلى الحياة لتأثّرت هذه الدول:

إيران، أذربايجان، جورجيا، أرمينيا، تركيا، قبرص، العراق، سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، العربيّة السعوديّة، الإمارات العربيّة المتحدة، قطر، البحرين، عُمان، مصر، وليبيا.

لو أنّ الإمبراطورية الأشّورية عادت إلى الحياة
لو أنّ الإمبراطورية الأشّورية عادت إلى الحياة
  • باللّون البرتقالي الداكن نرى متن الثقافة الأشّورية التاريخي.
  • باللّون البرتقالي الفاتح نرى المنطقة التي ذاع اسمها سوريا بسبب تمدّد الأشوريّين فيها.
  • باللّون البرتقالي الأفتح نرى الدول التي تخسر أجزاء منها لصالح الإمبراطورية.

الإمبراطورية الأشورية أو الأسورية هي أحد المراحل الأكثر إثارة للاهتمام في تاريخ المشرق القديم، إذ أنّها عاشت 1120 سنة، وأثّرت في ثقافة المنطقة ككل، وأثّرت في جميع الإمبراطوريّات التي حكمت متنها من بعد زوالها.

اسم أوّل عاصمة للإمبراطورية ومهدها على نهر دجلة هو مدينة ”آشُّر“ 𒀸𒋩 من التسمية الأكّدية ”أشّورايُ“ 𒀸𒋗𒁺𐎹. ووردت في النقوش الفارسيّة القديمة ”أثوره“ 𐎠𐎰𐎢𐎼𐎠، وفي التركيّة الپارسيّة ”أصورِ إستان“ 𐭀𐭎𐭅𐭓𐭎𐭕𐭍، وفي الصينية القديمة ”يِشوَ“ 亞述. 

واللّفظ الأكّدي “أشّورايُ” هو الذي تحوّل مع الزمن وفي اللّغة الأشوريّة نفسها إلى ”أسّورايو“، وصار في الإغريقية ”أسّوريا“ Ἀσσυρία، ثمّ في السريانيّة ”أطور“ ܐܬܘܪ، ومن ثمّ في الإغريقيّة الكوينيّة والعربيّة ”سوريا“.

ومعنى التسمية الأكّديّة ”أشّورايُ“ مشتقّ من الصفة الأكّديّة ”أشُّرّي“ 𒀭𒀸𒋩 ومعناها ”حرام“ ما يجعل اسم المدينة القديم بمعنى ”البلد الحرام“ أو ”الحرم“ من القداسة. وتعود التسمية إلى وجود معبد رئيسي لعبادة الشمس في المدينة وعلى مذهب ذكوري يخالف أنوثة ديانة سومر وأكّد. حيث قال الناس أن إله آشور هو الشمس بصيغة ذكر، وأسمته ”ربّو“ و“بيلو ربّو“ و“شادو“ وأشارت له النقوش البابلية بالرمز ”أن شار“ 𒀭𒊹 ولفظته بابل تماماً كلفظ آشّور لكنّ معناه بالسومرية هو ”كلّ السماوات“ أو ”منتهى السماوات“. ونتجت عن الصفة الأكّدية أشُّرّي في عربيّة اليوم كلمتين هنّ ”الشر“ و“عاشور“ وله يوم عاشوراء.

تأسّست المدن الأسوريّة في الأساس كمستوطنات سومريّة شمال النهرين حوالي الفترة 2600 ق.م (قبل 4600 سنة) وأطلقت عليها سومر آنذاك تسمية ”سُ-بير“ التي صارت في الأكّدية ”شُوبَر-تُم“ (شو-بَ-ري) والتي تعني حرفياً في الأكّدية ”بلد الشمال“ أو “البلد الذي فوق”. وتعني في السومريّة ”المرتفعات“ أو ”أرض البر“ في مقابل ”سُ-مير“ ”المنخفضات“ أو ”أرض البحر“… وجاء بناء مدينة آشور في ذلك الوقت كعاصمة دينيّة لمجموعة مستوطنات ”سُ-بير“ (سوبَر).

مع تأسيس الإمبراطوريّة الأكّديّة وبحسب التقسيمات الإدارية صار اسم المنطقة مملكة ”شُبَرتو“ ومنحتها أكّد الولاية على ”إبلا“ و”كنعان“ و“آسيا“ (الأناضول) على غربها… ومع انهيار المملكة الأكّديّة استقلّت مملكة ”شُبَرتو“ تحت اسم عاصمتها آشّور وصارت مملكة ”أشّورايُ“ بتحالف ضمّ شُبَرتو وماري وإبلا في البداية. اتّحاد هذه الممالك الثلاث هو ما أسّس للإمبراطوريّة الأشّوريّة التي نعرفها اليوم.

استمرّت الإمبراطورية الأشّوريّة حيّة بثقافتها ونظامها الاجتماعي، على الرغم من حالات الضعف التي بادرتها وأسقطتها تحت سلطة إمبراطوريّات غيرها في مراحل متعدّدة، لكنّها استمرّت بكيانها متميّزة حتى في جسم الآخر. وكان زهوها الأعظم في الفترة ما بين 911 ق.م و609 ق.م حين حكمت كامل الشرق الأوسط تقريباً.

كانت الإمبراطوريّة الأشّوريّة مملكة زراعيّة، اعتمدت على النظام الضريبي الإقطاعي كمورد أساسي للبلاد، وطوّرت قوانينها بالتالي بما يخدم الدورة الاقتصاديّة الزراعيّة في البلاد، واعتمدت تقويماً شمسيّاً، كما كانت ديانتها التي تقدّس الشمس.

تحدّثت الإمبراطوريّة الأشوريّة اللّغة الأكّديّة لغة رسميّة واستعملتها للتعليم. ثمّ لاحقاً وبعد تحوّل بابل إلى الآراميّة صارت كذلك لغة رسميّة إلى جانب الأكّديّة في آشّور، بالإضافة إلى السومريّة التي بقيت لغة للدين والتشريع. وتحدّثت مجتمعات الإمبراطوريّة لغات متعدّدة لم تمنعها الحكومة، أهمّها الحوريّة والكنعانيّة (الفنيقية) والحثّيّة والمصريّة القديمة (رنُّكومَت).

تابعت الإمبراطوريّة الأشّوريّة الديانة السومريّة ذاتها بتطويرات مذهبيّة خاصّة، فعبدت الأسرة المقدّسة (الثالوث المقدّس)، وكان على سيادة هذه الأسرة المقدّسة ”ربّو“ أو ربّ آشور الشمس. وافترضت الديانة الأشّوريّة كما السومريّة بقداسة النكاح، وبوجوب المثابرة على ممارسة النكاح والإنجاب كعبادات للثالوث المقدّس. وآمن الآشّوريّون بالآخرة دون وجود نصوص تذكر يوم حساب. حيث اعتبر الآشّوريّون أنّ الحياة التالية تستمرّ في العالم السفليّ، يذهب إليها جميع الموتى بغضّ النظر عن أعمالهم. ثمّ يرقى القويّ منهم إلى رتبة الآلهة لتحقيق الحياة الأبديّة على الأرض العليا.

أخيراً وبعد نزاع مع الميديّين على السيطرة على غرب آسيا، هُزمت الإمبراطوريّة الأشوريّة سنة 609 ق.م ونزلت تحت حكم الإمبراطوريّة الميديانية. ثمّ أعادت لها حضورها الإمبراطوريّة الأخمينيّة سنة 549 ق.م من بابل. ثمّ سقطت البلاد الأشوريّة تحت تجاذبات نزاعات ممالك الطوائف الهيلينيّة ومن بعدها صراعات الترك والرومان ومن بعدهم الفرس والروم، حتّى تحوّل القسم الغربي إلى المسيحية في القرن الثالث، حين تحوّل القسم الشرقي إلى المجوسية في ذات الوقت تقريباً. وانتهت بالتالي ديانة الشمس الأشورية كما عرفها العالم لأكثر من 2500 سنة.

بقي القسم الشرقي من الأشوريّة على اسم أسوري إستان إلى أن زال الحكم الساساني بالإسلام. وتحوّل أغلبه إلى ديار ربيعة وديار مضر وديار بكر.

وبقي القسم الغربي من الأشوريّة على اسم سوريا إلى أن زال الحكم البيزنطي بالإسلام. وتحوّل ما سيطر عليه المسلمون إلى ولاية قنّسرين والثغور الشامية.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك