في الخبّ وخيبة الأمل

تم النشر في
KLAUS-VEDFELT

لطالما احترت في ترجمة وصف “خيبة الأمل”، وليست حيرتي في ترجمة الكلمات، فهي في اللّغات معروفة، لكنّني على الدوام محتار في ترجمة هذه الكلمات إلى نفسي، فما هو وزن خيبة الأمل؟

في كتابها “حارس أختي” My Sister’s Keeper تقول جودي پِكولت

“اسمع منّي هذه: إذا التقيت بأحد المعتزلة، لا تأبه بكلّ تبريراته. إذ هي ليست لاستمتاعه بالعزلة. إنّما هؤلاء اعتزلوا لأنّهم حاول الاندماج في العالم من قبل، واستمرّت الناس في تخييب آمالهم.”

~جودي پِكولت Jodi Picoult روائيّة أميركيّة ذات إنتاج غزير وأحد أبرز مؤلّفي حلقات “المرأة المعجزة” Wonder Woman.

قد ترمي أملاً في شيء ثمّ يخيب أملك؛ ولا يتحقّق ما أملت أو تأمّلت به، فيسقط ما رميت من آمال ولا يحقّق هدفه. وهذه سهلة قد يهون ابتلاعها. إذ تسحب رميك وترمي من جديد إلى أن تصيب فلا تخيب. أمّا الصعبة التي لا تهون بعدها، فهي الآمال التي يزرعها الآخرون من الناس فيك. فيرفعون منك وترتفع بك الأماني، ثمّ من عاليها تخيب. فتسقط أنت وآمالك كُساراً بَعاثر بغير جابر… ولربّما يكون هذا ما قصدَته جودي پِكولت في نصيحتها، ولهكذا سبب نرى المعتزلة… أو لا نراهم في الواقع، إذ من كثرة الخيّابين وكثرة المواجع، صار المُنعزَل أكثر أمناً على النفس والروح في الجسد.

Photo by: Rubén Chase

في كتابه “القاموس المحيط” يربط الفيروزآبادي ما بين الخيبة والباطل، ويشبّه من خاب أمله بالناس بمن “وقعَ في وادٍ تُخُيِّبَ” فيقول فيه أنه إذ ذاك وقعَ عليه دُثار من الباطل وانكسر عن يديه الحقّ. أمّا في كتابه “لسان العرب” فيرى ابن منظور أنّ العرب اصطرفت الخيبة من الخِبّ. والخِبُّ في كلام العرب هو الخِدَاعُ والخُبْثُ والغِشُّ… نعم، لا تأتي خيبة الأمل من الناس وبالناس إلّا من بعد خداعٍ وخُبثٍ وغِشّ، وهذه جميعاً مدمّرات لروابط الثقة وذاهبة بالآمال. إذ ذاك يصبح مخيِّب الأمل هو الخِبُّ والخَبُّ الخبيب، وهذا بحسب ابن منظور هو خَدَّاع جُرْبُزٌ، خَبيثٌ مُنْكَرٌ.

لخيبات الأمل قوّة عظيمة على كسر الصِلات… إذ تصير؛ ومهما ثخنت وثقلت من قبل، كأنّها قضيم جرذان. لا تقبل إعادة الوصل ولا الإصلاح. انكسار الثقة لا يُجبر بالهيّن، وإن جُبرتْ؛ هذي الصِلات، لا تعود كما كانت قبل أن كُسِرت.

Photo by Klaus Vedfelt

أتلاحظ معي تشابه شكل كلمتيّ الحُبّ والخُبّ؟ 

الفرق ما بين شكليّ الكلمتين نقطة الخاء، لا أكثر. لكنّ الافتراق في المعاني أكبر بكثير من تناقض وجهتين ونقطة. فالخُبّ هو ضدّ الحُبّ تماماً وبالمطلق، والخِبّ هو عدوّ الحِبّ الخليل. في الواقع، عدوّك خِبّك، وحليفك في الحياة حِبّك.

يُبنى الحبّ على الثقة، ومتى استوثق اثنان في قلبيّ بعضهما التأم ما بينهما بالحُبّ. أمّا الخُبّ فهو انهدام كلّ ثقة… ومن يثقّ بمخادع غشّاش؟ لا يلتئم الحبّ على كذب. 

نحن نستأمن الحبيب على أسرارنا كأنّ أرواحنا وديعة بين يديه. يخاف عليها ويحميها من كلّ ضرّ… أمّا الخبيب فلا يؤتمن. إذ أنّ المرأة الخِبَّة هي من لا مخبأ بين طيّاتها، تلدغ فيك من خلف ظهرك. والرجل الخِبُّ؛ كما أسلفت هو الخَدَّاع الغشّاش، الذي ما إن اصطاد منك سرّاً أفشاه وانقلب به عليك. والخَيَّابُ هو من طرح من حياتك حتّى لتشعر كأنّه يغرف ويخسف فيها خَساراً… وهذا الأخير هو مخيّب الآمال.

Klaus-Vedfelt
Photo by Klaus Vedfelt

مشهور عن شاعر مجهول قوله في مدح الحبيب:

وَمَا أَنتَ بالخَبِّ الخَتُورِ وَلَا الَّذِي ... إِذَا اسْتُودِعَ الأَسْرارَ يوماً أَذاعَها. 

فالخُبّ في لسان العرب هو نقيض وعدوّ الحُبّ. وبينما يكون الحِبّ هو بيت الأمان والاستئمان، يكون الخِبُّ هو الخَدَّاعُ المُفْسِدُ للودّ في العلاقات، الجُرْبُزُ الَّذِي يَسْعَى بينَ الناسِ بالفَساد. 

الأسرار، الآمال، السرائر، كلّها مدافين تبحث عن قلب حِبّ فتُكمر فيه. وما الانكمار غير حسّ الأمان والأمل بمستقبل الوجود. فإذا خاب هذا الأمل زال المستقبل كأنّما زال كلّ الوجود. وجبْرُ الآمال المخيَّبة ليس كجبر الخواطر، فالأخيرة ضمّة وربتة كتف وتلتئم. أمّا الآمال المخيّبة فكتف مخلوع مجذوع ومرميّ بغير إياب. من هنا علا صوت الجوهريّ في كتابه “الصَحّاح” وصرخ في كلّ من اختاب الآمال: “خببت يا رجل تَخَبُّ خِبَّاً” وكم في هذه الكلمات الأربع من قذيع معاني الكلام. إذ يسمّي الجوهريّ صراحة الناس الخَبَّابَة بالأُناس الخدّاعة.

أستثمر حياتي في تَيمان آمل الآخرين. وأجهد، أن لا أُخيّب آمال أحد. فلا أزرع حيث تتباخس إمكانيّاتي.


مصادر

خابَ خَوْباً: افْتَقَرَ.

والخَوْبَةُ: الجُوعُ، والأرضُ لم تُمْطَرْ بَيْنَ مَمْطُورَتَيْنِ، والأَرضُ لا رِعْيَ بها.

خابَ يَخِيبُ خَيْبَةً: حُرِمَ، وخَيَّبَهُ الله، وخَسِرَ، وكَفَرَ، ولم يَنَلْ ما طَلَبَ. وفي المَثَلِ: “الهَيْبَةُ خَيْبَةٌ”. ويقالُ:

خَيْبَةٌ لِزَيْدٍ، بالرَّفْعِ والنَّصبِ: دُعاءُ عليه.

وسَعْيُهُ في خَيَّابِ بنِ هَيَّابٍ، مُشَدَّدَيْنِ، أي: خَسارٍ.

والخَيَّابُ أيضاً: القَدْح لا يُورِي.

و”وقعَ في وادِي تُخُيِّبَ” بضم التاءِ والخاءِ وفتحها وكسر الياءِ غيرَ مَصْرُوفٍ، أي: في الباطلِ.

(القاموس المحيط — الفيروزآبادى (٨١٧ هـ))

ـ

الخِبُّ: الخِدَاعُ والخُبْثُ والغِشُّ، ورجلٌ مُخابٌّ مُدْغِلٌ، كأَنه عَلَى خابَّ. ورجلٌ خَبٌّ وخِبٌّ: خَدَّاع جُرْبُزٌ، خَبيثٌ مُنْكَرٌ، وَهُوَ الخِبُّ والخَبُّ

(لسان العرب — ابن منظور (٧١١ هـ))

ـ

قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمَا أَنتَ بالخَبِّ الخَتُورِ وَلَا الَّذِي … إِذَا اسْتُودِعَ الأَسْرارَ يوماً أَذاعَها 

والأُنثى: خَبَّة. وَقَدْ خَبَّ يَخَبُّ خِبّاً، وَهُوَ بَيِّنُ الخِبِّ، وقد خَبِبْتَ يارجُلُ تَخَبُّ خِبّاً، مثلُ عَلِمْتَ تَعْلم عِلْماً

(لسان العرب — ابن منظور (٧١١ هـ))

ـ

لَا يدخُلُ الجنَّةَ خَبٌّ وَلَا خائنٌ.

الخَبُّ، بالفتْح: الخَدَّاعُ وَهُوَ الجُرْبُزُ الَّذِي يَسْعَى بينَ الناسِ بالفَساد؛ ورجلٌ خَبٌّ وامرأَةٌ خَبَّةٌ، وَقَدْ تُكْسَرُ خاؤُه، فأَمَّا الْمَصْدَرُ فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ. والتَّخبِيبُ: إفْسادُ الرجُل عَبْداً أَو أَمَةً لغيرهِ؛ يُقَالُ: خَبَّبَها فأَفسَدَها. وخَبَّبَ فلانٌ غُلامي أَي خَدَعَه. وَقَالَ أَبو بَكْرٍ فِي قَوْلِهِمْ، خَبَّبَ فلانٌ عَلَى فلانٍ صَديقَه: مَعْنَاهُ أَفسده عَلَيْهِ؛ وأَنشد:

أُمَيْمة أَمْ صارتْ لقَوْلِ المُخَبِّبِ

والخِبُّ: الفسادُ.

(لسان العرب — ابن منظور (٧١١ هـ))

ـ

والخَبُّ: [الخِبُ] ضِدُّ الغِرِّ، وَهُوَ الخَدَّاعُ المُفْسِدُ.

(لسان العرب — ابن منظور (٧١١ هـ))

ـ

الخَبُّ والخِبُّ: الرجل الخدَّاع الجربز.

تقول منه: خببت يا رجل تَخَبُّ خِبَّاً، مثال عَلِمْت ُتعلم علماً.

وقد خَبَّبَ غلامي فلانٌ، أي خدعه.

(الصحاح — الجوهري (٣٩٣ هـ))

ـ

خبخبوا عنكم من الظهيرة، أي أبردوا

(الصحاح — الجوهري (٣٩٣ هـ))

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك