خارطة توزّع نقوش البدو والرعاة العربيّة ما قبل الإسلام

خلال الأعوام الألف التي سبقت ميلاد المسيح وحتّى القرن السابع، اعتاد بدو العرب وممتهني الرعي على استخدم أبجديّة المسند الحميريّة؛ لتسجيل علامات على أملاكهم بنقوش واضحة على الصخور وعلى جدران الكهوف، حيث لطالما ارتاحت مواشيهم. وهذه الخارطة هي تسجّل مناطق الكثافات العالية لاكتشاف النقوش، لكنّها لا توثّق جميع الأماكن التي لُقيت فيها نقوش عربيّة قديمة.

ومن المهمّ الانتباه إلى أنّ هذه النقوش لا تمثّل تواجد العرب جغرافيّاً قبل الإسلام، ولا تخصّ العرب الحضر؛ سواء من المزارعين والمدنيّين. لذا، فهذه الخارطة لا تمثّل كلّ مناطق تواجد العرب قبل الإسلام، إنّما تعبّر عن العرب سكّان البادية فقط. من جهة ثانية، اعتاد كثرٌ من عرب البوادي في غير هذه المناطق على تسجيل نقوشهم بأحرف أڤستية وإغريقية، وهؤلاء جميعاً لا تشملهم هذه الخارطة بسبب تركيزي فيها على نقوش البوادي المسنديّة فقط.

خارطة توزّع نقوش البدو والرعاة العربيّة ما قبل الإسلام
خارطة توزّع نقوش البدو والرعاة العربيّة ما قبل الإسلام

بدأ تسجيل هذه النقوش وتوثيقها منتصف القرن 19، وصُنّفت أسماؤها تبعاً للمكان الأوّل الذي اكتُشفت فيه، ولا علاقة لتسمياتها بمن استخدم هذه الأنظمة لكتابة نصوصه العربيّة القديمة. فهي ليست أسماء قبائل أو شعوب. ومن المؤسف أن يخطئ الكثير من العرب بتسميتها لغات قديمة لشعوب قديمة مختلفة، حينما هي في الواقع لهجات للغة واحدة هي العربيّة، لا تختلف مطلقاً عن اختلافات اللّهجات العربيّة المعاصرة إلّا في أدوات التعريف، وتستخدم كلّها ذات الكلمات ونفس الأفعال ونفس الأسماء العربيّة.

نقوش البوادي العربيّة الشمالية تسمّى الثموديّة وهي الأوسع انتشاراً على مستوى المساحة، وتسمّى كذلك بالنقوش الجزريّة الشماليّة وبنقوش خطّ البادية. والتسمية مجازيّة لا علاقة لها بقوم ثمود المذكورين في القرآن. جميعها تستخدم خطّ المسند ولكن بأشكال يتّضح منها بساطة تعليم من نقشوها، مقارنة بنقوش المسند المدنيّة، وجميعها تتميّز باستخدام حرف الهاء أداة تعريف تماماً كما العبريّة. وتتشارك هذه الميزة إضافة إلى العبريّة مع الأبجديّات الصفائيّة والمعينيّة. ويصل انتشارها حتّى شمال الجزيرة ما بين دجلة والفرات. وأقدم النقوش الجزريّة الشماليّة عمراً لا يتجاوز 3100 سنة، أي أنّها تسبق الإسلام بـ1600 سنة. واستمرّ استعمالها حتّى عهد مروان بن عبد الملك نهاية القرن السابع حين تحوّلت كلّ العربيّة نهائياً إلى استعمال خط الجزم المطوّر عن نظام الكتابة النبطي والمتطوّر ربّما عن الأڤستا الغربيّة.

وصُنّفت أنماط النقوش الثموديّة تبعاً لترتيب اكتشافها إلى ستّ أنماط سُمّيت على الترتيب A وB وC وD وE وF. وتسمّى النسخة A من الثموديّة بالنقوش التيمائيّة نسبة إلى مدينة تيماء شمال المملكة السعوديّة المعاصرة. أمّا النسخ B وC وD فتنتشر في شمال السعوديّة وسوريا وفلسطين ومصر بالإضافة إلى اليمن. مع تركيز عالٍ للنسخة C في نجد. النسخة E تسمّى بالنقوش الحِسمائيّة وتنتشر في معظم مناطق المملكة الأردنيّة. أمّا النسخة F فنجدها جنوب شبه الجزيرة العربيّة وخاصّة في المناطق التي كانت معروفة بإمارات الأدارسة ما بين اليمن والسعودية.

وبينما تحتوي جميع النقوش الثموديّة على رموز وعبارات دينيّة، تتميّز النقوش الحِسمائيّة بخلوّها غالباً من أي إشارة دينيّة. أمّا النقوش الددانيّة فتتميّز بأخبارها السياسيّة وحكايا الملوك، ونظام كتابتها هو الوحيد بين النقوش العربيّة القديمة الّذي دوّن جميع حروف العلّة، سواء أكانت قصيرة أم طويلة. تماماً كما تُكتب اليوم جميع الأنظمة المشتقّة عن اللاتينيّة.

وتتفرّع عن أنظمة الكتابة الثموديّة نقوش تسمّى بالصفائيّة نسبة إلى موقع تلال الصفا في حوران، مع انتشارها في كامل بادية الشام وصولاً حتّى ديار بكر شمالاً، بالإضافة إلى بادية العراق والأردن، وتمثّل هذه النقوش لهجة عربيّة جزريّة. واستمرّ استعمالها طيلة الألف سنة التي سبقت ميلاد المسيح، ثمّ تغيّرت في القرن الخامس واستبدلت هاء التعريف فيها بـ”الـ” التعريف النبطيّة، وبدأت بالتراجع رويداً رويداً لصالح النبطيّة؛ التي نعرفها اليوم باسم العربيّة. وتتميّز النقوش الصفائيّة عن الثموديّة بتسجيلها لأدب عربيّ قديم، إذ لم تقتصر النقوش على تسجيل الأملاك وحسب. إنّما سجّلت كذلك اهتمامات الراعي ومشاهداته اليوميّة وخواطره، وأبيات من الشعر، وآرائه في نقوش أخرى قرأها في طريقه، أو حكايا وأخبار. وتصاحبها كذلك رسومات ومشاهد صيد ومعارك وشخصيّات نسائيّة… مثل فيٓسبوك.

نقوش البوادي العربيّة الجنوبيّة؛ السبئيّة والقتبانيّة والحضرميّة والمعينيّة جميعها مسنديّة كذلك وتتشارك ذات النظام مع نقوش المدن اليمنيّة، وتنتشر في اليمن وعلى سواحل البحر الأحمر جميعاً وصولاً حتّى ميناء القلزم في سيناء شرق مصر. وهي ذاتها التي تركها الناس كذلك على الساحل الشرقي لأفريقيا وصولاً حتّى ميناء غزّة جنوب موزامبيق. وبدأ ظهور هذه النقوش قبل ألف سنة من ميلاد المسيح، ونظامها الكتابي شقيق للنظام الفِنيقي؛ ومنحدر عن النظام السينائي، وتطوّر عنه النظام الجعزي الذي انتشر في شرق أفريقيا. وتتميّز نقوش البوادي العربيّة الجنوبيّة بتسجيل اتفاقيّات وعمليّات تجاريّة، إضافة إلى تسجيل الأملاك وإرشادات الطريق.

نقوش البوادي العربيّة الشرقيّة؛ الأحسائيّة والظفاريّة جميعها مسنديّة كذلك وتتشارك ذات النظام مع نقوش المدن اليمنيّة، وهي قريبة جميعاً من اللّهجة المعينيّة، حتّى أنّ بعض الآثاريّين يصنّفنها بلهجة معينيّة، لا أكثر. وتنتشر النقوش العربيّة الشرقيّة من ظفار على معظم الساحل الغربيّ للخليج العربيّ وصولاً إلى مدينة الوركاء العراقيّة، وتتركّز أكثر نقوشها في منطقة ثاج شرق المملكة السعوديّة المعاصرة. وتتميّز النقوش الأحسائيّة بزخارفها وإنفاق الوقت في تزيينها ورسمها، وأغلبها منقوش في الجصّ. كما تتميّز النقوش العربيّة الشرقيّة باستخدام أداة التعريف “هن” بدلاً عن الهاء الثموديّة، كما تعرّف الأسماء المذكّرة بـ”ذ” والأسماء المؤنّثة بـ”ذت” بشكل مشابه للّغة الإنگليزيّة المعاصرة.

خارطة توزّع نقوش البدو والرعاة في المشرق العربي ما بين الألف الثاني قبل الميلاد والقرن الثامن بعد الميلاد
خارطة توزّع نقوش البدو والرعاة في المشرق العربي ما بين الألف الثاني قبل الميلاد والقرن الثامن بعد الميلاد

أخيراً، ينبغي أن أشير إلى أنّني رسمت هذه الخارطة بناء على أعمال الأساتذة: أحمد الجلّاد، ديڤد گراف ومايكل تسڤيتّلير.

الأستاذ أحمد الجلّاد، عضو هيئة التدريس في مركز اللّغويات في جامعة لايدن Universiteit Leiden في هولاندا. ويمكن الاطلاع على أعماله من هنا.

الأستاذ ديڤد گراف David Frank Graf أستاذ محاضر في قسم الدراسات الدينيّة في كلّيّة الفنون والعلوم، جامعة ميامي الأميركيّة. ورئيس مشروع الجوراش Jurash السعودي-الأمريكي المشترك ومشروع پترا الهيلينيّة في الأردن.

الأستاذ مايكل تسڤيتّلير (زوِتلِر) Michael J. Zwettler كان أستاذاً محاضراً في جامعة أوهايو الأميركيّة. اشتغل في قسم ثقافات ولغات الشرق الأدنى، حيث درّس اللّغة العربيّة وآدابها طيلة 35 سنة، وتوفّي سنة 2010. والأستاذ تسڤيتّلير هو أوّل من ناقش حقيقة أنّ لغة شعر “الجاهليّة” العربيّ لم تكن هي ذاتها اللّهجة المحكيّة بشكل يوميّ بين العرب، إنّما استعملت الناس وطيلة قرون لغة خاصّة للشعر تألفها جميع العرب، تماماً كما نفعل اليوم مع العربيّة الفصحى.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك