صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي

منشورة كما هي على مدوّنة ليس اختياراً

في صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي، استيقظت. حضّرت لنفسي فطوراً في السرير. أضفت الملح والفلفل إلى البيض واستخدمت التوست للسندويتش جبن وقديد. عصرت ليمون الفردوس في كأس عصير. قحطتُ الرماد عن المقلاة ونظّفت بقايا الزبدة عن طاولة المطبخ. نظّفت كلّ الأطباق وطويت المناشف.

صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي وقعت في الحبّ. ليس مع صبي أسفل الشارع أو مدير المدرسة الإعدادية. ليس مع ذلك الذي يجري كلّ يوم أو البقّال الذي يترك الأڤوگادو دائماً خارج الكيس. وقعت في الحبّ مع أمّي والطريقة التي بها جلست على أرض غرفتي تجمع كلّ حصاة من مجموعة في كفّيها حتّى تنامى فيهن السواد مع العرق. وقعت في الحبّ مع أبي على ضفّة النهر حيث وضع أوراق خواطري في قنّينة وأرسلها مع المجرى. وقعت في الحبّ مع أخي الذي آمن يوماً بالحصان وحيد القرن لكنّه جالس الآن في مقعده في المدرسة يحاول بيأس الإيمان بأنّني لم أزل موجودة.

صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي، مشيت مع كلبتي. راقبت كيف ارتعش ذيلها حين طار عصفور نحوها، أو كيف توتّرت على منظر قطّة. رأيت الفراغ في عينيها حين التقطت العصاة واستدارت حول نفسها لترحّب بي، لكي تلعب الرمي والالتقاط، لكنّها رأت لا شيء غير سماء في مكاني. وقفت متفرّجة بينما كان الغرباء ينقرون على كمامة وجهها وهي تذبل تحت لمستهم كما فعلت ذات مرّة من أجلي.

صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي، عدتُ إلى فناء الجار حيث تركت طبعات حذائي في الإسمنت، يوم كنت بعمر العامين، وتفحّصتهم، إذ كانوا قد بدؤوا يختفون. التقطت بعض الوريقات الساقطة واقتلعت بعض الحشائش، وراقبت عجوزاً عبر نافذتها بينما كانت تقرأ في الصحيفة أخبار موتي. رأيت زوجها يبصق التبغ في حوض المطبخ ويحضر لها دواءها اليومي.

صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي، راقبت الشمس تشرق… كل شجرة برتقال تتفتّح مثل يد، والطفل في الشارع أشار إلى غيمة حمراء وحيدة. صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي، عدت إلى تلك الجثة في المشرحة وحاولت أن أكلّمها ببعض المنطق. أخبرتها عن الأڤوكادو والحجارة النافرة والنهر ووالديها. أخبرتها عن غروب الشمس والكلبة والشاطئ. صباح اليوم بعد أن قتلت نفسي، حاولت أن ألغي قتل نفسي، لكنني لم أستطع إنهاء ما بدأته.

Meggie Royer, Minneapolis, Minnesota, USA

من تأليف مؤنس بخاري

باحث عربي مستقل، شغوف بالطهي وتاريخه وتراثه، دارس للمطبخ ومدوّن في علومه. مدوّن باحث في التاريخ الاجتماعي ومتخصّص في الهندسة المجتمعية. أحبّ التدوين وأهوى البحث عن أصول الكلمات ومنابعها، وللإمساك بالأصول أتسلّق عرائش الحكايات بالمقلوب، فأعود من اليوم إلى أبعد ما يمكن في الأمس، وعلى مسار خطوات العودة تأتي الاستعادة؛ فأضع هنا خلاصة سيرة حياة كلمة.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: