المدارس النظامية، أداة الترك لنشر اللّغة العربية في غرب آسيا

للمدرسة النظامية البغدادية حكاية شديدة الأهمّية، تكاد تحكي قصّة اللّغة العربية في قارّة آسيا بالمجمل. فالمدرسة النظامية في بغداد هي واحدة من سلسلة جامعات أسّستها الدولة السلجوقية في المناطق المختلفة من إمبراطوريّتها الواسعة، وكان لها غايتين: الأولى هي نشر اللّغة العربية لاستخدامها كلغة دولية في أنحاء الإمبراطورية السلجوقية وما حولها، والثانية كانت تدريس القانون على الفقه الشافعي.

وتبدأ الحكاية من مدينة بخارى في تركستان، إذ تأسّست فيها في القرن التاسع جامعة لدراسة النحو العربي، وكان المؤرّخ أبي بكر محمد بن جعفر النرشحي قد ذكرها في كتابه “تاريخ بخارى” المنشور مطلع القرن العاشر، كما ذكر المستشرق الروسي برتولد فاسيلي أن مدرسة النحو العربي في بخارى كانت قد تعرّضت لحريق أتلفها سنة 937 وهو حريق أتلف كذلك أجزاء واسعة من المدينة القديمة 1.

ومن المعروف أنّ تعليم اللّغة العربية كان إلزامياً، وشكّل القوّة النابضة لتطوّر علوم اللّغة العربية في تركستان، وبهذه الطريقة اشتغل العلماء بعلوم النحو والصرف باللّغة العربية، وكتبوا في تلك الجامعات رسائل عديدة منها: “الأنموذج في النحو”، و”الحركات” للزمخشري، و”المصباح في النحو” للمطرزي، و”تصريف الأفعال” لمحمّد المعزّي، و”مقدمة الضريري” لحميد الدين الضريري، و”شرح ملا” لعبد الرحمن الجامي. وبالإضافة إلى ذلك سافر علماء تركستان لدراسة علم النحو واللّغة العربية في بلاد العرب في الشام، والعراق، والحجاز. وكان من بينهم: ابن الخياط، ويوسف البرقي، وأحمد البرقاني، وغيرهم.

وعلى هذه الخلفية، حين أسّس السلاجقة الأتراك دولتهم مطلع القرن 11، كانت دراسة النحو العربي بشكل أكاديميّ من أساسيّات تقاليدهم التركية ومن مظاهر الوسط العلمي في تركستان. ولا غرابة أن يشرعوا بنشر ذات التقليد التركي في العراق، انطلاقاً من مدينة بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية. إذ لم يكن عصر الدولة السلجوقية بعد الدولة البويهية في العراق أقلّ نصرة للنحو وعلوم اللّغة العربية. وكان للمدرسة النظامية التي أنشأها في بغداد نظام الملك وزير السلطان ألب أرسلان، الأثر الحسن في توجيه العلماء إلى التعليم، ونبغ بفضله عدد كبير من العلماء. وهي أوّل جامعة بنيت في بغداد وكانت متخصّصة بالتدريس، في حين كان قبلها التعليم يجري في المساجد الجامعة. وجُعلت الرواتب للمدرسين والطلبة في المدرسة”. 2

سنة 1064 اقترح عالم اسمه أبو إسحق إبراهيم الشيرازي على نظام الملك تأسيس جامعة المدرسة النظامية لإعادة نشر اللّغة العربية حيثما قصّرت في تدريسها الدولة البويهية لحساب اللّغة الفارسية، والرجل كان فارسيّاً وابن مهد الثقافة الفارسية شيراز. لم يكن عربياً ولا عارباً، مع ذلك أقنع الحسن نظام الملك بتأسيس سلسلة جامعات تنشر اللّغة العربية، وتدرّس القانون على الفقه الشافعي. هذا الرجل بقي مديراً عامّاً للجامعات النظامية ودرّس فيها في بغداد حتّى وفاته سنة 1083.

سنة 1065 شرعت الدولة السلجوقية وبأمر من “خواجه نظام الملك” بإنشاء جامعة في بغداد سُمّيت على اسمه بالمدرسة النظامية. وبعد نجاح تجربة بغداد أنشأت ذات المؤسّسة سلسلة جامعات بذات الاسم في العديد من المدن داخل حدود الدولة السلجوقية أهمّها: نيساپور (نشاپور)، أمل (مازندران)، بلخ، حيرات (هرات)، إصفهان. ثمّ انتقلت تجربتها إلى دول إسلامية مختلفة لتصبح النموذج المصدر لما صار يُعرف بالجامعات الإسلامية حول العالم. كما اقتبس الروس والپولانديّون والفرنسيّون ذات التجربة فيما بعد لتأسيس مدارس على ذات النمط، لدراسة اللّغة الوطنية والقانون. إذ تكفّل هذا النموذج بابتكار فكرة المؤسّسة الأكاديميّة للتعليم، بإخراج التعليم من المؤسّسات الدينية، وبنشر مبدأ مجّانية التعليم بالمطلق، حين صُرفت رواتب المدرّسين وتكاليف التعليم من الضرائب المجموعة أساساً من المواطنين. 3

أهمّ المدن التي أسّست فيها الدولة السلجوقية سلسلة جامعات المدرسة النظامية لدراسة اللّغة العربية خلال القرن 11
أهمّ المدن التي أسّست فيها الدولة السلجوقية سلسلة جامعات المدرسة النظامية لدراسة اللّغة العربية خلال القرن 11

ونظام المُلك هو قوّام الدين الحسن بن العبّاس الطوسي المعروف بنظام المُلك (خواجه بزك). وهو رجل تركيّ من مدينة طوس، المعقل التاريخي للعائلات الأرستقراطية الپارثية (الأشكانيّة). ومعروف على كتبه في المراجع العربية باسم “الطوسي”. أنجر للمدرسة النظامية كتاب “سير الملوك” (سياست نامه) واستمرّ أحد كتب المنهج النظامي لأكثر من مئة سنة. كما اشتغل بالتدريس في جامعة المدرسة النظامية شخصيّات ذات أثر عظيم في التراث الإسلامي، مثل الفيلسوف أبو حامد محمّد الغزّالي الطوسي النيسابوري الذي أسّس المدرسة الأشعرية في علم الكلام. وهو من عرب مدينة طوس، في خرسان. وإلى جانب الغزالي، درّس في الجامعة النظامية كذلك الحقوقي “مقاتل بن عطيه بكري” الذي كلّفه السلطان جلال الدولة ملك شاه الأوّل برئاسة “مؤتمر علماء بغداد” (در جستجوی حق در بغداد) الذي عُقد في بلاط السلطان لفتح باب المناظرة ما بين علماء السنّة والشيعة؛ وبتنظيم من جامعة المدرسة النظامية نفسها. 

وعلى الرغم من اعتماد الدولة السلجوقيّة على اللّغة الفارسيّة لغة رسميّة دبلوماسيّة. لكن، رأى الحسن نظام الملك وإبراهيم الشيرازي أنّ نشر العربية كلغة تعليم من خلال المدارس الحكومية في الدولة الإسلامية هو ما سيصنع السوق المشتركة لتحقيق كتلة اقتصاديّة ذات حضور على مستوى العالم. وكليهم من غير العرب، ولو كانت فيهم روح الشعوبية لكان لهم الأولى تدريس ونشر اللّغة الفارسية، وهي الأقوى على المستوى السياسي في القسم الشرقي من العالم الإسلامي آنذاك.

ركّز منهاج جامعة المدرسة النظامية في البداية على الدراسات الدينية والشريعة الإسلامية والأدب العربي والحساب، ثم امتدّ لاحقاً إلى التاريخ والرياضيات والعلوم الفيزيائية والموسيقى. 4. وكانت الجامعات النظامية من أوائل مؤسّسات التعليم العالي المنظّمة جيداً في العالم الإسلامي. إذ كانت جودة التعليم فيها من بين أعلى المعدّلات في العالم، وقد اشتهرت حتى في أوروپا. تمّ دعمها مالياً وسياسياً وروحياً من قِبل المؤسّسة الملكيّة وطبقة النخبة، ما جعلها المؤسّسة التي خرّجت سياسيّي وقادة المجتمع في العالم الإسلامي.

استمرّ منهج قوّام الدين الحسن بن العبّاس الطوسيّ وأبو إسحق إبراهيم الشيرازي يعمل بفعّالية؛ تحافظ عليه الدول المختلفة لتسعة قرون، من القرن 11 حتى القرن 20. حين كان يمكنك التجوّل من كاشغر على حدود الصين شرقاً حتى المحيط الأطلسي غرباً، لتجد دوماً من يمكنه التواصل معك باللّغة العربيّة، تماماً كما نتواصل اليوم عالميّاً بالإنگليزية.

المراجع:

1 برتولد فاسيلي فلاديميروفيتش Василий Владимирович: عن مدفن تيمور. نشرة دورية للقسم الشرقى للجمعية الأثرية روسيا. ج. 18. بتراغرد: 1915. أ.د. محمّد البخاري (باللغة الروسية) https://go.monis.net/GQGjtD 

2 الشيخ محمّد الطنطاوي، رجال من التاريخ. 

3 Virani, Shafique N. The Ismailis in the Middle Ages: A History of Survival, A Search for Salvation (New York: Oxford University Press, 2007), 73.

4 B.G. Massialas & S.A. Jarrar (1987), “Conflicts in education in the Arab world: The present challenge”, Arab Studies Quarterly: “Subjects such as history, mathematics, physical sciences, and music were added to the curriculum of Al-Nizamiyah at a later time.“ https://go.monis.net/X6yoh1 

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك