جامعة مير عرب والإرث اليمني في أوزبكستان

Po-i-Kalyan

لطالما استمر الحضور اليمنيّ في تركستان، جارياً على طريق الأرز على طول مجرى نهر السند. وتميّزت مدن تركستان الكبرى بحضور يمنيّ قويّ وبالأخصّ في مدينة بخارى، التي عرفت سوقين للعرب في المدينة قبل وصول الإسلام وبعدّة قرون. 

كان السوق العربي الأوّل في بخارى هو سوق البزور (ميدان البزور) “بزور ميداني” bozor maydoni في قلب المدينة، الذي افتتحه طائيّي العراق لبيع العطورات، فمنحهم أهل بخارى لقب العطّارين attori. وكان يتوسّط السوق معبد لعبادة القمر (مه) صار لاحقاً صومعة زرادشتية، ثمّ صار مسجداً للمسلمين وكنيساً لليهود في ذات الوقت (إذ تحوّلت طيء إلى اليهودية قبل الإسلام) وسمّته الناس مسجد العطّارين attori masjidi، ولم يزل موجوداً إلى اليوم في قلب بخارى باسم “مغاك إعَطّار إمَسجدي” Magʻoki Attori masjidi. تاريخ هذا السوق والمسجد الباقي إلى اليوم يحكي عن تاريخ قديم جداً لعرب طيء في بخارى، يتفوّق على تاريخ الإسلام بسبعة قرون على الأقل.

أمّا السوق العربيّ الثاني، وهو موضوع هذه التدوينة، فكان سوقاً لتجّار اليمن، حيث تقع قلعة بخارى اليوم؛ إلى شمال الشرق من مسجد العطّارين بنحو 300 متر. في مجمّع ضخم يسمّى “پا إكَلان” Poi Kalon وهي تسمية أوزبكية-عربية تعني في اللّغة البخارية “عند قدم العظيم”. وفي الواقع، تشترك كلمة كَلان البخارية مع كلمة قيّل في الأصل والمعنى. ويتكوّن مجمّع “پا إكَلان” اليوم من ثلاث منشآت هي: منارة كَلان “مِناره إكَلان” Minâra-i Kalân ومسجد كَلان “مسجد إكَلان” Masjid-i Kalân وجامعة مير عرب “مير إعَرب مدرسه” Mir-i-Arab Madrasah، وفي وسط مربّع المجمّع بين هذه المنشآت يقع سوق bozor لم يزل قائماً إلى اليوم. وهو بقيّة السوق التي كانت لتجّار اليمن في مدينة بخارى.

مسجد كَلان هو ثالث أكبر مساجد تركستان التاريخية، يأتي قبله المسجد الكبير في هرات في أفغانستان، وقبله مسجد بيبي خانم في سمرقند في أوزبكستان. 1.

وعلى عادة أهل اليمن أينما حلّوا وأنشأوا الأسواق، أسّسوا فيها كذلك المدارس لتدريس القانون على شرعة اليمن، ثمّ وبعد الفتح الإسلامي تحوّلت مدرسة سوق “كَلان” إلى تدريس الشرع الإسلامي، ثمّ وفي القرن 11 أُعيد بناؤها على نفقة تجّار اليمن لتكون كليّة لتدريس القانون على الفقه الشافعي. ثمّ سنة 1121 أنشأ أرسلان خان قراخانیان مسجداً إلى جوار المدرسة، تبعه بعد ستّ سنوات ببناء منارة ضخمة بارتفاع 46 متر؛ على الجهة المقابلة للمسجد. 2.

سنة 1220 دمّر جيش چنگيز خان المدرسة والمسجد وترك المنارة منتصبة على حالها. وعمر البخارية مكان المدرسة مسجداً متواضعاً حمل بعض حلقات التدريس. ويقول تراث بخارى أنّ چنگيز خان ظنّ خطأ أنّ المدرسة والمسجد هما مقرّ قصر الخان فدمّرهما، ثمّ أبهرته عمارة المنارة فتركها… لكن، في رأيي، يصعب على شخص كچنگيز خان المغول أن يخطئ ما بين قصر ومسجد ومدرسة، وهو الذي كان يدرس المنشآت قبل إصدار قرار تدميرها من قَبل غزو المدينة من الأساس.

خلال القرن 15 أقام في بخارى أمير يمنيّ اسمه في المراجع البخارية “عبد اللّه اليمنيّ”، وخلفه على أملاكه في بخارى ابنه سعيد. وكان سعيد صديقاً قريباً جدّاً من وليّ عهد بخارى عُبيد الله خان ابن السلطان محمود الشيباني. وبعد وفاة السلطان محمود سنة 1533 وجلوس نجله عُبيد الله على العرش، أراد الاحتفال بذكرى السلطان المؤسّس لإمارة بخارى الشيبانية 3، فاقترح عليه الأمير سعيد بن عبد اللّه إعادة إنشاء المسجد والكلّية الاتي ذهب بهنّ چنگيز خان. وأخذ السلطان بالاقتراح.

سنة 1535 اكتمل بناء كلّ من مسجد كَلان، وجامعة مدرسة مير عرب. ومير عرب هذه تعني ببساطة أمير العرب. إذ يقول البخارية بأنّهم منحوا الجامعة اسم الأمير اليمني الذي اقترح إنشاءها، وتقول كتب سيرة آل شيبان أنّ السلطان عُبيد الله خان أراد منح نفسه والشيبانيّين من بعده لقب أمير عرب تركستان، فمنح الجامعة اسم أمير العرب (مير عرب). وصعدت مكانة الجامعة من بعدها حتّى تخرّج من على مقاعدها أغلب قادة وسياسيّي تركستان طوال أربعة قرون سبقت الاحتلال الروسي.

صحن المسجد وتظهر الجامعة في عمق الصورة، وعلى اليمين المنارة ما بينهما
صحن المسجد وتظهر الجامعة في عمق الصورة، وعلى اليمين المنارة ما بينهما

أغلقت السلطات السوڤييتية جامعة مير عرب سنة 1923 لتعيد افتتاحها سنة 1945، ليتخرّج منها من جديد أغلب رجال الدين المسلمين في تركستان، أمثال: أول مفتي لأوزبكستان بعد الاستقلال السيد محمّد صادق محمّد يوسف. ومفتي مسلمي روسيا السابق ورئيس المجلس الروسي للمفتين السيد راويل عين الدين. ومفتي روسيا الحالي السيد طلعت تاج الدين. ومفتي أوبلاست تيومين حيث يقيم أغلب مسلمي روسيا السيد نَفِگُللّه أشرف. ومؤسّس الأدب الطاجيكي الحديث الشاعر صدر الدين عيني، وهو بخاري.

المسجد مسقوف بـ288 قبّة مرصوفات من الطوب وبشكل هندسيّ بديع وشديد التعقيد.

تصميم قِباب المسجد من الداخل
تصميم قِباب المسجد من الداخل
تزيينات المسجد من الداخل
تزيينات المسجد من الداخل

أمّا جامعة مدرسة مير عرب فتضمّ 160 قاعة للتدريس، وسكناً للطلّاب يتكوّن من 114 غرفة. وتصميمها يدلّ على خبرة حسابيّة مذهلة في فنون العمارة 4. إذ وبدلاً عن الشكل المربّع التقليدي الذي يلي إيوان المدخل، صُمّمت هذه الجامعة على شكل مثمّن 5\8 تتقاطع في مركزه ستّ محاور، موزّعة بالتناظر ثلاث في كلّ جناح، وترتبط بأربع أواوين متّصلة ببهوين يسقف كلّ واحد منهم قبّة. 5.

مخطط مجمّع پا إكَلان مع المدينة القديمة في بخارى
مخطط مجمّع پا إكَلان مع المدينة القديمة في بخارى

وتضمّ المدرسة تحت أحد قبّتيها رفاة السلطان الشيباني عُبيد الله خان وصديقه سعيد بن عبد اللّه اليمنيّ 6، ويقال كذلك بأنّ رفاة أبيه عبد الله موجودة كذلك في المكان. وإذا صدقت هذه المقولة، فقد يعني هذا أنّ المدرسة منشأة بأموال الأمير عبد الله اليمنيّ من قبل، ثمّ أعاد ابنه ترميمها وتطويرها مع السلطان الشبياني في القرن 16.

منظور عمودي للمجمّع والمدينة القديمة في بخارى
منظور أفقي لمجمّع پا إكَلان

يشهد التاريخ لأهل اليمن بأياد بيضاء وخير جميل زيّن ماضي أيّام بخارى وحياة الناس فيها. ولم يزل هذا الميراث يؤثّر في حياة مسلمي تركستان وكل وسط آسيا، لقوّة ما تركه المجتمع اليمنيّ في بخارى.

المراجع:

  1. Gangler, Anette (2004). Bukhara, the Eastern Dome of Islam: Urban Development, Urban Space, Architecture and Population. Stuttgart. pp. 112–152.
  2. Emin, Leon. Muslims in the USSR. Russia, Novosti Press Agency Publishing House, 1989.
  3. Yusupova, Mavlyuda. “Islamic Architecture of Uzbekistan – Development and Features.” Journal of Islamic Thought and Civilization 2 (October 1, 2010).
  4. Gangler, Anette (2004). Bukhara, the Eastern Dome of Islam: Urban Development, Urban Space, Architecture and Population. Stuttgart. pp. 112–152.
  5. Die Medrese Miri Arab
  6. Pander: Zentralasien , 2004, p. 157

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك