في تاريخ الكباب العربي

لم أزل أذكر جدّي في طفولتي في دمشق حين يطلب من أبنائه تجهيز المنقل وتجمير الفحم عصر يوم جمعة، بينما هو يقوم بتحضير لحم الكباب والأسياخ للشواء. ثمّ يتوازع الجميع الأدوار في حديقة البيت… من يحضّر البيواز ومن يفرش الصحون، ومن يفصل أرغفة الخبز ويدفّيها على حرارة المنقل، ومن يسحب اللّحم عن الأسياخ ومن يشكّ ويكبّب اللّحم على الأسياخ التي ما لبثت أنّ فرغت لتوّها. في تلك الأثناء كنت أقف منتظراً بفارغ الصبر تفريغ أحد أسياخ كباب الشقف لأخطف بصلة مشوية حشرها جدّي ما بين قطع اللّحم للتنكيه.

إنّ العائد في تاريخ الكباب يجد بسرعة أنّ البحث في مصدر هذه الأكلة الأوّل هو مضيعة للوقت، إذ أنّ بساطة فكرتها في طهي اللّحم على النار لا تعصى على أحد عبر التاريخ. لكن، ما يهمّنا كعرب من تاريخ الكباب هنا هو تاريخ هذه التسمية التي أشاعها الأتراك في العالم الحديث، وانتشرت قبلاً حيث انتشر الإسلام، بالإضافة إلى تراث الكباب في مطابخنا العربية.

وأنوّه إلى أنّني اقتصرت في التدوين هنا عن منطقة غرب وجنوب آسيا فقط، ليكون طول التدوينة مقبولاً لك.

من المفارقات هنا أنّ كتاب الطبيخ البغدادي من القرن 13 لا يحتوي في وصفاته على أي وصفة باسم الكباب، على الرغم من احتوائه على العديد من الوصفات التي تشبه الكباب في تحضيرها. بينما نجد قبله بثلاث قرون أنّ كتاب الطبيخ البغدادي من القرن 10 قد أورد وصفة باسم الكباب. إذ يشرح الورّاق أنّ الكباب عبارة عن لحم مقطّع مقلي في مقلاة أو مشوي على النار… لربّما وجد محمّد بن حسن البغدادي سنة 1226 أنّ الكباب أكلة شارع لا ضرورة لتسجيلها في كتابه المعدّ للخليفة العبّاسي، وحذفها من نسخة سلفه ابن سيّار الورّاق.

كتاب الطبيخ الدمشقي (معجم المآكل الدمشقية) الذي نشره فخري البارودي سنة 1964 يذكر وصفتين للكباب: الأولى باسم “كباب” ويشرح أنّها لحم مفروم متبّل بالملح والفلفل الأسود قبل تكبيبه على السيخ وشوائه على جمر المنقل. أمّا في الوصفة الثانية فيشرح طريقة تحضير “فتّة الكباب”، وهي من عادات الدمشقيّين على خطى إخوتهم اليمانيّين، إذ يصنعون من كلّ شيء فتّة. ونقرأ هنا نصّ الوصفة كما أوردها البارودي:

تُقطَّع اللّحمة وتُسلق، ثمّ يُقطَّع الباذنجان قطعاً صغيرة ويُقلى بالسمن، ثمّ يضاف للّحم المسلوق ويوضع قليلاً على النار حتى النضوج الكامل، وبعدها يُقطَّع الخبز ويُبَل بمرقة اللّحم، ثمّ يوضع فوق اللّبن مع الثوم المدقوق، ويوضع فوقه اللّحم والباذنجان.

وينبغي هنا التوضيح أنّ كلمة “لحمة” في عرف الدمشقي فترة الستّينيّات من القرن 20 كانت تشير إلى لحم الغنم حصراً.

فتة كباب باللّبن
فتة كباب باللّبن

بكلّ حال، تعود تسمية الكباب العربيّة في أصلها إلى كلمتين هنّ الآراميّة “كَبَبا” כבבא ١ التي تعود بدورها إلى الأصل الأگّدي “كَبابُ”، وتعني: تحريق أو فعل الحرق. وتعني كذلك الصاج السميك، أي المشواة. ٢ . في الواقع، في الآرامية البابلية (التلمودية) كثيراً ما ترد كلمة “كَبَّبَه” في النصوص بمعنى حرقه أو محروق. ٣. واستعمال فعل الكبّ بمعنى الحرق يعود في أصله إلى اللّغات شرق الأفريقية (الأفروآسيوية) التي نجد فيها الإضافة “كَبـ-“ إلى الأسماء بمعنى حرق أو شواء. ٤. مثلاً كَبّودُ = تدفئة الجسم. كَبَدَه البردُ = حرقه البرد لشدّته، أي لسعه.

وممّا تركه لنا الرحّالة المغربي ابن بطّوطة عن رحلته إلى سلطنة دلهي في القرن 14 نجد أنّ الكباب كان وجبة فطور صباحية تقدّم مع خبز النان في البيوت الملكيّة والأرستقراطية. ٥. في الواقع، تنتشر وصفات الكباب على تنوّعها وباسمها كباب على مساحة تمتدّ ما بين الصين شرقاً والپرتغال غرباً في القارّات الثلاث. وأقصد هنا وجود وصفات شعبيّة محلّية يعتبرها الناس بنت البلد، ويطلقون عليها تسمية كباب.

أقدم وصفات الكباب المعروفة لشعوب غرب ووسط آسيا والقوقاز هي وصفة كباب لوله، وتنتشر هذه الوصفة في هذه البلاد مذ كانت الآرامية لغة سائدة للتواصل ما بين هذه الشعوب المختلفة، ما يعني أنّها انتشرت في أيّام الإمبراطورية البابلية أو الأسورية الحديثة أو الأخمينية، فهذه كانت الإمبراطوريّات التي نشرت اللّغة الآراميّة عبر ربوع مُلكها الواسع قُبيل العصر الهيليني. ويُعتقد أنّ تسميتها أتت في الأساس من اسم زهرة التوليپ القديم “لاله”؛ التي كانت تُسحق مع لحم الكباب، للتنكيه؛ وبسبب اعتبارات دينية سادت تلك الفترة، رُمز فيها لعشتار الربيع بزهرة التوليپ واعتُبرت أنّها شفيعة التوليف بين القلوب. ولم تزل كلمة لاله (لوله) وإلى اليوم تعني توليپ في أغلب لغات وسط وغرب آسيا، بينما تعني في الأوردو عبارة “للّه”.

وجبة كباب لوله مقدّمة مع بطاطا مقلية وبيواز وفلفل مشوي
وجبة كباب لوله مقدّمة مع بطاطا مقلية وبيواز وفلفل مشوي

تنتشر وصفة باسم الكباب الشامي أو شامي كباب في كلّ من أذربايجان وأرمينيا وبنگلادش والهند وپاكستان. ويقال في الهند أنّها أوّل وصفة كباب سُحق فيها اللّحم قبل تشكيله على شكل أقراص أو أصابع، وتشوى على المنقل أو المقلاة، ويقدّم الكباب الشامي في الهند كأحد المقبّلات أو ما بين الوجبات، ولا يُعتبر وجبة رئيسية. أمّا بنگلادش فهي الوحيدة التي تميّز ما بين الكباب الشامي وكباب السيخ، إذ تتميّز وصفة “سيخ كباب” وحدها عن عشر وصفات أخرى من الكباب البنغالي، وهي الوصفة التي يسحق فيها اللّحم مع البهارات ثمّ يكبّب على الأسياخ ليُشوى على فحم المنقل. أمّا الكباب الشامي في بنگلادش فيسحق فيه اللّحم مع العدس والبصل والكزبرة والفلفل الأخضر الحارّ، ثم يعجن على شكل أقراص ويقلى في السمن، تماماً كما نقلي أقراص البرگر.

وهنا نقرأ تاريخاً مهمّاً وحكايات عن هجرة طبّاخين عرب من ولاية شام المملوكية إلى سلطنة دلهي “دلی سلطنت” ما بين القرنين 13 و16، ربّما بسبب الحالة الاقتصادية المتردّية التي تركتها حروب القرن 13 العنيفة وزوال الخلافة عن بغداد. أو بسبب غزوات تيمور لنگ في الشام مطلع القرن 15، في وقت كانت فيه منطقة شمال الهند في ذروة امتلائها الاقتصادي. أو بسبب تشابه أنظمة الحكم ما بين مملكة المماليك البحرية في القاهرة وسلطنة المماليك في دلهي. بكلّ حال، ترك طبّاخي الشام بصمات واضحة في مطابخ شبه القارّة الهندية؛ لم تزل واضحة إلى اليوم، ومنها انتشار وصفات الكباب الشامي.

وجبة كباب شامي في بنگلادش
وجبة كباب شامي في بنگلادش

اليوم تُعرف في سوريا عدّة وصفات من الكباب، منها المحلّي ومنها المستورد، ولم تزل أكلة الكباب عند السوريّ من تقاليد الخروج للنزهة والشوي في الهواء الطلق، أو طلبها جاهزة في مطعم. وهي ذات التقاليد التي نراها لدى العرب أهل المنطقة الجنوبيّة من تركيا، بالإضافة إلى منطقة الجزيرة من العراق، إلى جانب لبنان وفلسطين والأردن. أمّا في جنوب العراق فتتماهى وصفات الكباب مع الوصفات الشائعة في إيران، نتيجة اعتماد هذه المنطقة ولوقت طويل على “الكباب” كوجبة رئيسية متوفّرة على مدار الأسبوع.

ولا تختلف الوصفات كثيراً ما بين مناطق مثلّث الجزيرة-عينتاب-فلسطين. إذ نقرأ في أسمائها: كباب خشخاش وكباب بالكماية وكباب حلبي وكباب إزميرلي وكباب باذنجان والكباب الديري وكباب الجمى وكباب أورفا وكباب الدَقّة وكباب البرغل وكباب مارينا وكباب هندي وكباب كرز (لحمة بالكرز) وكباب طحال. ونلاحظ حصّة الجزيرة الكبرى من هذه الوصفات.

وجبة كباب كرز (لحمة بالكرز) تقليدية

ولا يُعرف في سوريا وصفة باسم كباب شامي، إذ أنّها هي نفسها وصفة الكباب الشائع باسم “كباب” دون تصنيف، وتُقارن في مقابلها بوصفة “كباب شقف” التي تمثّل لحم الكباب المشوي بالسيخ على المنقل دون فرم. وهكذا فكلمة “كباب” في سوريا تعبّر عن كباب اللّحم المفروم أو المسحوق حصراً. ولربّما هذا ما ميّز الوصفة الشامية في دول جنوب آسيا، فبقيت إلى اليوم باسمها كباب شامي.

وفي العراق لا يختلف مفهوم الكباب عن الكباب الشامي، إذ يفرم اللّحم ويكبّب ويشوى بالسيخ على المنقل، لكنّه يتميّز بإضافة السمّاق إلى التتبيلة ما يمنحها نكهة متميّزة. أمّا الكباب الحلبي فيتجاوز الذوق العراقي بإضافة العديد من البزور والبذور والأعشاب والبصل والطماطم والفلفل (الفليفلة) والنعناع والبقدونس… وهذه الأخيرة هي ما يعترض عليها أهل دير الزور وبشدّة، إذ يرون أنّ إضافة البقدونس إلى الكباب تشويه للطعم.

على أيّ حال، بينما يقدّم العراقيّون الكباب بطريقة تشبه طُرق أهل تركيا وإيران، يتشارك السوريّون طريقة تقديم الكباب على فراش من الخضار يسمّى بيواز (بيواظ). ويُحضّر من خلط ورق البقدونس مع شرائح البصل الأحمر الرقيقة، المرشوشة بعصير اللّيمون الحامض وزيت الزيتون مع السمّاق والملح ودبس الرمّان وأحياناً دبس الفليفلة الحلبيّ. ثمّ تُفرش البيواز على رغيف من الخبز العربي لتُمدّد أصابع وشقف الكباب عليها ساخنة، وتغطّى بدورها برغيف خبز عربي ثان قبل التقديم.

وجبة كباب دجاج تقليدية مقدّمة على البيواز
وجبة كباب دجاج تقليدية مقدّمة على البيواز

من جهتي، وجدت أنّ خلط تتبيلة البيواز قبل صبّها على البصل والبقدونس يمنحها قواماً أجمل ونكهة أقوى، كما أنّ إضافة الطماطم إلى البيواز فيها انتهاك لحقوق الكباب… وأختم بشكري العميق لكلّ من أعانني بمعلوماته على كتابة هذه التدوينة، من طبّاخي وطبّاخات مجموعة المطبخ السوري الجميلة.

المراجع:

١ Nişanyan Sevan, Sözlerin Soyağacı, Çağdaş Türkçenin Etimolojik Sözlüğü https://go.monis.net/NGz8JB 

٢ kabābu: Dictionnaire akkadien © Association Assyrophile de France https://go.monis.net/iYJol4 

٣ Marks, Gil (2010). Encyclopedia of Jewish Food. Houghton Mifflin Harcourt. https://go.monis.net/E0Q8P2 

٤ Vladimir Orel; Olga V. Stolbova (1995). Hamito-Semitic Etymological Dictionary: Materials for a Reconstruction. E. J. Brill. pp. 307. https://go.monis.net/rOZTkf 

٥ Achaya, K. T. (1998). A Historical Dictionary of Indian Food. Delhi: Oxford University Press. p. 115.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *