خمس أشياء يجب أن تعرفها عن الناجين من خسارة الانتحار، ممّن جرّب

منشورة كما هي على مدوّنة ليس اختياراً

هذه التدوينة الرائعة هي ترجمة عن تدوينة بالإنگليزية لسام ديلَن فينش، وهو مدافع رائد في مجال الصحة العقلية.

الكيفيّة التي نرى بها العالم تشكّل هويّتنا وتكويننا، ومشاركة تجارب قهريّة يمكن أن يؤطّر الطريقة التي نُعامِل بها بعضنا للأفضل. هذا منظور قوي.

في أواخر شهر كانون الثاني يناير من عام 2018، وبعد يومين فقط من إجرائي لعملية جراحية خطرة. وأثناء الانجراف داخل وخارج ضباب مسكّن الألم، انحنيت لأتفقّد هاتفي. هناك على الشاشة، رأيت رسالة نصّيّة من والدة أعزّ أصدقائي: “اتّصل بالإسعاف”.

كان ذلك بمثابة بداية سقوطي المتسارع اللامتناهي في الحزن. في تلك اللّيلة، صديقتي الرائعة، الّتي يمكن أن تضيء ضحكتها أحلك غرفة، ماتت في سرير مستشفى بعد محاولتها إنهاء حياتها.

عبرتنا موجة صدمة. وبينما كان الأحبّاء يكافحون لفهم ما حدث، بقي كلّ من حولي يطرح السؤال: كيف لشيء كهذا أن يحدث؟

كان هذا سؤالاً ما كنت بحاجة لطرحه، رغم ذلك. لأنّه منذ ما يقرب من عقد من الزمان، حاولت أنا أيضاً الانتحار.

بالطبع، هذا ما جعل الحزن أقلّ إيلاماً. لم تزل متراكمة في داخلي لحظات لا حصر لها من اللّوم الذاتي والارتباك واليأس. لكن لم يكن الأمر غير مفهوم كما كان للآخرين، لأنّه كان كفاحاً أعرفه جيّداً.

لكن تجربتي في “كلا الجانبين” أصبحت نعمة إقناع. عندما سألني أحبّائي كيف يمكن أن تحدث محاولة انتحار، تمكّنت من الإجابة. وبينما كنت أجيب على أسئلتهم، رأيت شيئاً جميلاً يحدث: كلينا يمكن أن نشفى ونتعاطف مع صديقتنا أكثر قليلاً.

وبينما لا يمكنني التحدّث نيابة عن كلّ شخص يكافح أفكاراً انتحارية، فقد تحدّثت إلى عدد كافٍ من الناجين لأعرف أنّ هناك قواسم مشتركة في ما نشعر به حيال هذه التجربة.

أريد مشاركة هذه القواسم المشتركة على أمل أنّك إذا كنت قد نجوتَ من خسارة كهذه، فقد تتمكّن من العثور على بعض الراحة في الاستماع من شخص عبَر التجربة.

أودّ أن أعتقد أنّه إذا كان بإمكان من تحبّ الوصول إليك الآن، فهذه بعض الأشياء التي يريدونك أن تعرفها.

1. الانتحار أكثر تعقيدٍ من ”قرار“.

الأشخاص الذين يحاولون الانتحار ليسوا مقتنعين دائماً بأنّه الخيار الوحيد. غالباً ما يكونون قد استنفذوا احتياطياتهم العاطفية لمواصلة متابعة هذه الخيارات. إنّها، من نواح كثيرة، ذروة حالة الاحتراق الداخلي.

حالة الاحتراق الداخلي لا تحدث بين يوم وليلة، بكلّ حال.

لتنفيذ محاولة الانتحار، يجب أن يكون الشخص في حالة عصبيّة حيث يمكنه إبطال غرائز البقاء على قيد الحياة. في هذه المرحلة، تكون الحالة حادّة؛ لا تختلف تماماً عن النوبة القلبيّة أو الأزمات الطبّيّة الأخرى.

الشيء الذي غالباً ما أقوله للناجين من الخسارة هو أنّ محاولة الانتحار لا تختلف عن “حادث استثنائي” – لأنّ الكثير من الأشياء الصغيرة يجب أن تتماشى – بطريقة رهيبة جدّاً، نعم – حتّى يحدث الانتحار.

حقيقة أنّ شخصاً ما يمكن أن يتقدّم إلى هذا الحدّ هو انعكاس أقوى بكثير لحالة الصحّة العقليّة في بلدنا.

نحن لم نفشل ولا أنت. لقد خذلنا جميعاً النظام.

نظامنا غالباً ما يتطلّب فترات انتظار طويلة (تجعل الناس أقرب كثيراً إلى تلك الحالة الخطرة) ويشوّه سمعة الرِعاية ما يدفع الأشخاص إلى التحمّل حتى اللّحظة الأخيرة لطلب المساعدة، إن وُجدت، في وقت لا يستطيعون فيه فعلاً تحمّل الانتظار.

بعبارات أخرى. في الوقت الذي يكون فيه شخص في أزمة فهو مضطرّ لبذل أقصى قدر من الطاقة من أجل الحفاظ على حياته – لتجاهل الأفكار الاقتحاميّة، والرواسي، والقنوط التام – وغالباً هو الوقت الذي يمتلك فيه أقل قدر ممكن من الطاقة للقيام بذلك.

وهذا كل ما يقال، الانتحار هو نتيجة مأساوية لظروف استثنائيّة، والقليل منّا لديه الكثير من السيطرة عليها.

2. نحن غالباً ما نكون متناقضين جدّاً، جدّاً

الكثيرون من ناجيّ الخسارة ينظرون إلى انتحار أحبّائهم ويسألونني، “ماذا لو لم يرغبوا بذلك؟”.

لكنها نادراً ما تكون بهذه البساطة. على الأرجح أنّهم كانوا غارقين في التناقض، ولهذا أن تكون انتحاريّاً هي حالة مربكة لك.

تخيّل ميزاناً يميل جيئة وذهاباً حتّى يتفوّق أحد الجانبين على الآخر – محفّز، لحظة اندفاع، نافذة فرصة تعطّل التوازن غير المستقر الذي يسمح لنا بالبقاء على قيد الحياة.

نحن بحاجة ماسة إلى السلام والراحة، وهذا في الحقيقة الشيء الوحيد الذي نحن على يقين منه. لا تعكس محاولة الانتحار ما شعرنا به حيال حياتنا، أو إمكاناتنا، أو تجاهك – على الأقل، ليس بقدر ما يعكس حالتنا الذهنية في اللّحظة التي حاولنا فيها.

3. نحن لم نُرد أن نؤذيك

بوح شخصي: حين حاولت الانتحار، كانت هناك بالتأكيد لحظات حين كان كلّ ما استطعت التفكير فيه هو الأشخاص الذين أحبّ.

عندما أوصلني صديقي إلى المنزل في تلك الليلة، وقفت بلا حراك في الممر وحاولت تذكّر كلّ تفصيل من تفاصيل وجهه. حقّاً آمنت في تلك اللّحظة بأنّها ستكون آخر مرّة أراه فيها. راقبت سيارته حتى غابت عن الأنظار تماماً. هذه آخر ذكرى واضحة ومميّزة لديّ عن تلك الليلة.

حتّى أنني بذلت جهدي أن تبدو محاولتي وكأنّها حادث، لأنّني لم أكن أرغب بأن يصدّق الأشخاص الذين أحببتهم أنّني فعلت ذلك عن قصد. لم أكن أريدهم أن يلوموا أنفسهم، ومن خلال تنظيمها، فعلت ما بوسعي – في خاطري – لتخفيف معاناتهم.

كنت أعرف، إلى حدّ ما، أنّ موتي سيكون مؤلماً لمن أحببتهم. لا أستطيع أن أعبّر عن مدى ثقل ذلك على قلبي.

ولكن بعد نقطة معينة، عندما تشعر وكأنّك تحترق على قيد الحياة، كل ما يمكنك التفكير فيه هو كيفية إطفاء الحريق بأسرع ما يمكن.

عندما فعلتها أخيراً وحاولت، كنت فاصلاً تماماً، وكنت في غياهب رؤى نفق خانقة؛ وهي التي تحجب عن ذهني كلّ ما حدث في ذلك المساء. محاولات الانتحار هي غالباً حدث عاطفي بقدر ما هي حدث عصبيّ.

عندما أتحدّث إلى آخرين من ناجيّ محاولات الانتحار، يتشارك الكثير منّا نفس الشعور: لم نرغب في إيذاء أحبّائنا، ولكن تلك الرؤيا النفقية وحالة الألم الحاد – جنباّ إلى جنب مع الشعور بأننا عبء على أولئك الذين نحن تهتمّ لهم – يمكن أن تُبطل أحكامنا.

4. علِمنا أنّنا كنّا محبوبين

محاولة الانتحار لا تعني بالضرورة أنّ الشخص لم يعتقد بأنّه محبوب.

هذا لا يعني أنّ من تحب لم يكن يعلم أنّك تهتمّ أو يعتقد أنّه لن يحصل على القبول والرعاية غير المشروطين التي كنت (دون شك) تقدّمهنّ.

أتمنّى أن يكون الحبّ وحده كافياً لإبقاء شخص هنا بيننا.

حين ماتت صديقتي، كان علينا عقد جنازتين بسبب العدد الهائل من الحيوات التي لمستها. لقد احتشدوا في قاعة محاضرات كاملة في الجامعة المحلّية، وكانت سعتها ممتلئة لدرجة أنّه كان هناك بالكاد مكان للوقوف. وأنا متأكّد تماماً من أنّ الكافيتيريا كانت مكتظّة جدّاً، ولا بد أنّنا انتهكنا كلّ قوانين السلامة من الحرائق في مدينة أوكلاند.

وهذا كلّه كان على الساحل الغربي فقط، ولا يقارن بما حدث في نيويورك، التي هي منها في الأصل.

إذا كان الحبّ كافياً، فسنشهد عدداً أقلّ بكثير من الوفيّات الناتجة عن الانتحار. وأنا أعلم – صدّقني، أنا أعلم – كم هو مؤلم أن نقبل أنّه يمكننا أن نحبّ شخصاً ما إلى القمر والعودة (بل وإلى بلوتو والعودة)، وهذا لا يزال غير كافٍ لجعلهم يبقون. فقط لو، فقط لو.

لكن يمكنني أن أخبرك بما فعله حبّك، إذا كان ذلك يساعدك: لقد جعل لوقتهم هنا على الأرض معنى أكبر. يمكنني أيضاً أن أعدك بأنه استطاع الحفاظ عليهم في العديد، العديد، من اللّحظات المظلمة التي لم يخبروك عنها أبداً.

إذا شعرنا حقّاً أنّنا قادرون على البقاء من أجلك، فسنكون كذلك. قبل محاولتي، لم أكن أرغب في شيء أكثر من أن أتحسّن وأن أكون قويّاً بما يكفي للبقاء. لكن عندما أطبقت الجدران عليّ، توقّفت عن تصديق أنّني أستطيع ذلك.

محاولة أحبّائك الانتحار لا تعبّر عن مقدار كم أحببتهم، ولا مقدار كم أحببنك.

لكن حزنك يفعل ذلك – لأنّ الألم الذي تعاني منه في غيابهم يتحدّث كثيراً عن مدى اعتزازك العميق بهم (ولم تزل تفعل).

وإذا كانت مشاعرك بهذه القوّة؟ الاحتمالات قويّة بأنّ الحبّ بينكم كان أيضاً – متبادلاً، معزوزاً، مفهوماً. والطريقة التي ماتوا بها لا يمكن أن تغيّر ذلك. أعدك بهذا.

5. ليست غلطتك

لن أتظاهر بأنّني لم ألُم نفسي على انتحار صديقتي. كما أنّني لن أتظاهر بأنّني لم أفعل ذلك مؤخّراّ مثل البارحة.

من السهل السقوط في حفرة الأرنب للاجترار، متسائلاً ما الّذي كان بإمكاننا القيام به بشكل مختلف. إنّه أمر يؤلم الأحشاء ولكنّه أيضاً، من بعض النواحي، مريح، لأنّه يخدعنا للاعتقاد بأن لدينا نوعاً من التحكّم بالنتيجة.

ألن يشعر العالم بأمان أكبر إذا كان من الممكن إنقاذ كلّ من أحببناهم؟ لتجنيبهم معاناتهم بالكلمات الصحيحة والقرارات الصائبة؟ هذا، من خلال قوّة الإرادة المطلقة، يمكننا إنقاذ الجميع. أو على الأقل الأشخاص الذين لا يمكننا تخيّل حياتنا بدونهم.

اعتقدت بذلك لفترة طويلة. فعلاً. كتبت علناً عن الصحّة العقلية والانتحار على مدار السنوات الخمس الماضية، وأعتقد حقّاً أنّه إذا كان شخص ما أحبّه في مشكلة، فسيعرف – دون سؤال – أنّ بإمكانه الاتصال بي.

تحطّم إحساسي بالأمان عندما فقدت أحد أعزّ أصدقائي. حتى بصفتي شخصاً يعمل في مجال الصحّة العقلية، فقد فاتتني العلامات.

إنّها لم تزل عمليّة مستمرّة بالنسبة لي للاستسلام التام لحقيقة أنّه لا يمكن لأيّ أحد – بغضّ النظر عن مدى ذكائه ومدى حبّه ومدى تصميمه – أن يُبقي شخصاً على قيد الحياة.

هل أخطأتَ؟ لا أعرف، ربّما. ربّما قلتَ الكلمات الخطأ. ربّما تكون قد ردّدتها ذات ليلة دون أن تدرك أنه ستكون هناك عواقب. ربما تكون قد قلّلت من تقدير مقدار الألم الذي كانت تعاني منه.

لكن عندما يكون قِدر الماء على الموقد، حتى لو أشعلت اللّهب، فأنت لست مسؤولاً حين يغلي الماء. إذا تُرك على الموقد لفترة كافية، فسيغلي دائماً؛ بكلّ حال.

من المفترض أن يوفّر نظام الصحّة العقلية لدينا شبكة أمان تُزيل هذا القِدر من الموقد بحيث، وبغضّ النظر عمّا يحدث مع اللّهب، لا يصل الماء إلى درجة حرارة عالية ويغلي.

أنت لست مسؤولاً عن هذا الفشل المنهجي، بغضّ النظر عن الأخطاء التي ارتكبتها أو التي لم ترتكبها.

لقد فشلت كذلك، لأنّك شعرت بالمسؤوليّة عن حياة من تحبّ – وهي مسؤوليّة ثقيلة للغاية ليتحمّلها أيّ شخص. أنت لست متخصّص في الأزمات، وحتّى لو كنت كذلك، فأنت لست مثاليّ. أنت بشر فقط.

أنت أحببتها بأفضل طريقة عرفتها. كنتُ أتمنّى بشدّة أن يكون ذلك كافياً، لأجلنا كلينا. أعرف كم كان مؤلماً أن أقبل أنّه لم يكن كذلك.

كل يوم منذ ظُهر تلك الظهيرة الرهيب في يناير من العام الماضي، وجدت نفسي أتساءل، “لماذا مات، ومع ذلك ما زلت أنا هنا؟”

هذا هو السؤال الوحيد الذي ما زلت غير قادرة على الإجابة عليه. لمحاولة الركون إلى أنّ هذا السؤال هو تذكير بمدى جَور كلّ الذي حدث. لا أعتقد أنّ أيّ شيء يمكنني قوله سيغيّر ظلم فقدان شخص بهذه الطريقة.

لكن ما تعلّمته منذ ذلك الحين هو أنّ الحزن معلّم قوي.

لقد تحدّاني مراراً وتكراراً، لإعادة الالتزام بعيش حياة مشبعة بالمغزى. لمنح قلبي بحرّيّة وبسهولة، لأقول الحقيقة للسلطة، والأهمّ من ذلك، السماح للحياة التي أحياها أن تكون تفانياً حيّاً للشخص الذي أحبّه كثيراً جدّاً.

تعلّمت أن أعيش جنباً إلى جنب مع حزني، لأتركه يغيّرني بشكل جذري قدر الإمكان.

في كلّ لحظة أجد القوّة لفعل ما هو صحيح، لأكون شجاعاً وصلباً في القتال من أجل عالم أكثر عدلاً، أو ببساطة لأدع نفسي أضحك دون الشعور بالخجل، فأنا أصبحت المذبح الحيّ والمتنفّس لكلّ ما مثّلته صديقتي: الرحمة والشجاعة والبهجة.

لن أتظاهر بالحصول على إجابة جيّدة عن سبب رحيل من حِبت. بحثت عن الإجابة بنفسي، ولست أقرب إلى العثور عليها ممّ كنت عليه قبل عام.

لكن يمكنني أن أخبرك، بصفتي أحد الناجين من الخسارة ومن المحاولة معاً، أنّ الحياة ثمينة بلا شك – وأومن بذلك بعنف أكبر من أيّ وقت مضى.

أنت ما زلت هنا. ومهما كان السبب، لا يزال لديك فرصة للقيام بشيء غير عادي في هذه الحياة.

أعظم أمنياتي لك، ولكلّ شخص حزين، هي أن تعرف أنّ لا ضرورة لأن تترك نفسك لألمك يستهلكها. فلتكن بوصلتك هي التي تقودك إلى أماكن جديدة ومثيرة. دعها تقرّبك من هدفك. دعها تذكّرك بكم هو ثمين كيانك.

أنت جزء من الإرث الذي تركه من تحبّ. وفي كلّ لحظة تختار أن تعيش فيها بشكل كامل وتحبّ بعمق، فإنّك تعيد جزءاً جميلاً منها إلى الحياة.

حارب من أجل حياتك بالطريقة التي تتمنّى بشدّة لو كنت قد بذلتها من أجلها. أنت تستاهلها. أعدك.

المصدر

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *