في تاريخ اللغة العربية

في تاريخ اللّغة العربية

يكثر اللّغط في تاريخ اللّغة العربيّة وأصولها، والعتب هنا كلّ العتب على المناهج المدرسيّة العربيّة، التي تسعى كلّ الأنظمة السياسيّة في البلاد العربيّة باستعمالها لاستمالة آراء ومعتقدات الناس صوب أجنداتها الخاصّة. القوميّون من العرب اخترعوا خرافاتهم والقوميّون أضّداد العرب اخترعوا أساطيرهم، والإسلاميّون كذلك؛ من جعلوا من الإسلام قوميّة، ساهموا هم أيضاً في ابتكار وتأليف الخرافات والأساطير في سيرة اللّغة العربية… لا أحد بريء من النيل من سمعة هذه اللّغة الجميلة الراقية الرقيقة، التي ضاعت حكايتها بين تجاذب أهل الحكم والقرار.

ولا أدّعي أنا الآخر أنّني أعرف كلّ الحقيقة ولا نصفها، لا أعلم ما هو التاريخ الكامل للغة العرب، لكنّ ما بين يديّ من حكايات الآثار وأقوالها لا يتطابق مع أيّ من القصص التي تتداولها المناهج التعليميّة في أيّ من الدول العربية. وطالما غاب هنا الانطباق؛ إذاً فالكل يكذب. وإن لطّفت التهمة قلت يهرفون بما لا يعرفون. فيؤلّفون ويؤولّون حيث لا يجوز التأويل.

حكاية اللّغة العربيّة تبدأ قبل أن تطلق الناس على العرب تسمية العرب. فهذه أمّة لها أسماء تغيّرت كثيراً عبر التاريخ. تغيّرت على ألسنة العرب أنفسهم، وتغيّرت كذلك ما بين الأمم. أخذت أسماء دول وعواصمها تارّة وأخذت أسماء أديان تارّة أخرى. وكثيراً من الأحيان تسمّت العرب بأسماء الجهات والمناطق… أهل الشرق وأهل الغرب، كلّ بحسب موقع من يطلق الأسماء من الخارطة.

وهي من مبدأها لهجات، لم يكن في تاريخ العرب عربيّة أمّ قط. لا يوجد لغة عربيّة أصل تحوّرت عنها لهجات. هي اللّغة العربيّة من الأساس لهجات، ونتيجة اندماج لهجات، أطلق عليها الألمان تسمية (لغة ساميّة) استقاءً من التوراة. لكنّ الناس أهلها ما عرفوها بهذا الاسم ولا سمّوها لغة أصل. إنّما نسبة إلى المكان الذي شاع اسمه بين الإغريق (عربيّة) صار اسم هذه اللّهجات معاً لغة عربيّة.

نقل الإغريق عن الأخمينيّين التسمية التي أطلقوها على الجهة الغربيّة من شبه الجزيرة العربيّة (عَرْبَيّه) فصارت في اعتبارهم تسمية عمّموها على كلّ شبه الجزيرة العربية، فقط لأنّ شبه الجزيرة العربية تبدأ عند الإغريق من شمال غربها، المنطقة التي كان اسمها الأخميني (عَرْبَيّه) أي: غربيّة… وكان الإغريق قد أطلقوا على هذه البلاد قبل العصر الهيليني تسمية فينِكس Φοίνιξ وكذلك بيثَليّه Πετθαλία التي تحوّرت لاحقاً إلى ثِسَليِا Θεσσαλία. وقد تكون بيثَليّه تحوير مقدوني عن تسمية (بيت إيل).

وأذكر ما ذكره الإغريق هنا، لأنّ تدويناتهم التي تركوها من العصر الهيليني هي ما يؤثّر إلى اليوم في كلّ الفكر الأوروپي. هذا الفكر نفسه الذي ننقل عنه اليوم، ومنذ القرن 19، كلّ معارفنا بما يخصّ التاريخ العربيّ واللّغة العربيّة، طالما أنّنا لا ندرس تاريخنا كعرب بأنفسنا. وطالما أنّ جلّ الآثار العربيّة موجودة في متاحف أوروپيّة، وليست متاحة بين أيدي الآثاريّين العرب.

وبمصطلحات الإغريق القديمة والهيلينية على السواء، نرى أنّ من أسماء العرب القديمة تسمية فينِكيّين، هذه التي نردّدها اليوم فنيقيّين. ونرى أنّهم كانوا يطلقون على شبه الجزيرة العربية كلّها تسمية فينِكس، ما يعني أنّ اللّغة الفنيقيّة وبكلّ بساطة هي اللّغة العربيّة نفسها قبل أن نطلق عليها تسمية: العربيّة. كلّ شبه الجزيرة العربية كان اسمها فينِكس عند الإغريق، بما فيه اليمن وعُمان وتركيا وما بينهم من مساحة.

وإذا نظرنا بشكل أدقّ، حتّى (عربيّة) هذه التي نستعملها اليوم؛ منسوبة هي الأخرى إلى تسمية (عَرْبَيّه) التي أطلقها الأخمينيّون تكراراً عن البابليّين على القسم الغربيّ من شبه الجزيرة العربيّة. هذا القسم الذي كان يمتدّ من سواحل اليمن إلى سواحل سوريا المعاصرات. وكان قسمه الجنوبي يسمّى يمن (أي الجنوب) وقسمه الشمالي يسمّى شام (أي الشمال)، وتقع جبال الحجاز وسطاً ما بين القسمين… ثمّ في العصر الهيليني عمّم الإغريق هذه التسمية على كلّ شبه الجزيرة العربية.

وكلمة (عَرْبَيّه) الأخمينيّة المستمرّة عن (أرْبَيّه) البابليّة، ليست غريبة عن المنطقة، فالأگديّون كذلك أطلقوا على سماء غروب الشمس تسمية (إربُ) وصاروا ينحلون عن هذه التسمية اسماً للمسافر جهة الغرب هو (إريبُ)، وكذلك للصلاة جهة الغرب اسم (إريبُ شَمشِ). بالتالي نجد من الطبيعي أن تذكر بعض النقوش البابلية والأگّدية سكّان غرب الفرات بصيغة (إريبُ) أو (عِريبُ).

كان من لهجات الأگّديّين قلب ء إلى غ. وقلب ء إلى ع. وقلب ع إلى ء.

وعلى سيرة الأگديّين، ورثنا عنهم تسميةً للغة العرب هي (أمُرّوتُ)، إذ أنّهم أطلقوا على كلّ سكّان غرب الفرات تسمية (أمُرّوم) كما أطلقوا على البلد غرب الفرات تسمية (أمُرُّو). وكلّ هذه الأسماء منحولة عن اسم جهة الغرب في الأگّدية وهي (أمُر) ولا يُلفظ هنا حرف الراء. ومع ذلك، نجد أنّ الأگديّين وقبل انتشار قبائل أمُرّوم القادمة من الجنوب، أطلقوا على الشخص العربيّ تسمية (أربايُ)، واشتقّوا منها تسمية للغته العربيّة هي (أربيتُ)، وأطلقوا على بلده العربيّة تسمية (أرُبُ). وهي كلّها أسماء مشتقّة هي الأخرى من اسم جهة الغرب، أو جهة سماء غروب الشمس. 

وكانت (أرُبُ) آنذاك جزء من الدول الأگّديّة وأحد “ولاياتها” لو صحّ التعبير. ما يعني أنّ الـ(أربايُم) كانوا من الأگّديّين أنفسهم وما كانوا شعباً آخر… هكذا ببساطة نرى أنّ الأگّديّين هم عرب كذلك، أطلقوا تسمية عرب على القسم الغربي من دولتهم، ذات القسم الذي بقي على اسمه عرب في البابلية لأنّه كذلك بقي القسم الغربي من الدولة البابلية. ثمّ عمّم الإغريق تسمية هذا القسم على كلّ العرب لأنّهم ببساطة يأتون من الغرب إلى بلاد العرب.

ما يُشاع فيه الكلام بأنّه لغة آراميّة وشعب آرامي هم في الواقع: لغة بابلية وشعب بابلي. لا يوجد نقش واحد في الآثار يذكر كلمة آرامي… إنّما هو تحوير توراتي عن تسمية أمُرّوم التي أطلقها الأگّديّون على الشعب الساكن غرب نهر الفرات. ويذكر المعجم الأگّدي أنّ كلمة (أمُرّو) amurrû تشير إلى بلد يقع في الغرب من أسوريا، أي أنّه القسم الغربي من أسوريا، وهو القسم الذي ذكره الإغريق باسم (أمورّيتِدا) αμορρίτιδα، وكانت عاصمته مدينة اسمها (أمُرّيتُ) هذه التي عرّبناها جبراً إلى عمريت، وهي اليوم قرب مدينة طرطوس، التي سمّاها الفنيقيّون (مارَت) 𐤌𐤓𐤕 أي “غربيّة”، ذات المعنى الأگّدي تماماً.

مدينة “عمريت” (أمُرّيتُ) تأسّست قبل نحو 5000 سنة وصعدت بمكانتها حتّى صارت مدينة مقدّسة في أحد مراحل حياتها، ونشأت فيها فكرة الألعاب الرياضية العامّة، وحمّامات التطهّر الصحّي العامّة، قبل الإغريق، ويظنّ البعض من الآثاريّين أنّ عمرها يعود إلى 7000 سنة. أمّا منطقة (أمُرّوم) التي تحدّث الأگّديّون عن بأس محاربيها، فهي اليوم منطقة جبل البِشْرِي ما بين دير الزور والرقّة، ونرى فعلاً أنّها تشكّل القسم الغربي من أسوريا، التي كانت تشمل الجزيرة كلّها ما بين نهري الفرات ودجلة. وإذا طابقنا التعريفين نجد أنّ بلد المورو التي قال الأگّديّون أنّها كانت الجزء الغربي من أسوريا، كانت تمتدّ من نهر الفرات حتّى البحر المتوسّط، من جبل أمُرّوم (البِشْرِي) إلى مدينة أمُرّيتُ (عمريت)، التي كانت عاصمة هذا الجزء.

هؤلاء المورو (أمُرّوم) هم من وحّدوا الممالك المتحاربة في العراق في نهاية العصر الأگّدي، ثمّ أسّسوا لها عاصمة إمبراطوريّة هي مدينة بابل. ومذّاك اعتمدوا لهجتهم الموريّة لغة رسميّة للإمبراطوريّة البابليّة، التي انتشرت كذلك حيث انتشرت الديانة البابليّة، فوصلت حدود الصين على الشرق وحدود فرنسا على الغرب. هؤلاء المورو (أمُرّوم) البابليّون هم من نسمّيهم اليوم آراميّين بخطأ ترجمة، ونسمّي لغتهم باللّغة الآرامية. وهي في الواقع لفظة عبريّة محوّرة عن كلمة (أربايُم) التي أطلقها الأگديّون على العرب، ومحوّرة عن تسمية لغتهم كذلك (أربيتُ). آرام = آراب، ولا فرق. قلب العبريّون حرف باء في أربايُم إلى أرمايم.

هل تختلف هذه المواصفات عن صفات حياة الفنيقيّين وتاريخهم؟ لا أبداً لا تختلف.

إذاً فالآراميّون هم الفنيقيّون وهم البابليّون وهم الأگّديّون وهم بالتالي أجدادنا العرب، هؤلاء جميعاً هم نحن العرب، وهم العرب العاربة التي يحكي تاريخهم كلّ تاريخ العرب. ما يعني بالتالي أنّ لغاتهم ولهجاتهم هي لهجات عربيّة قديمة ولغات عربيّة قديمة، وهي المراحل السابقة من تطوّر اللّغة العربية التي نعرفها اليوم. ولا تصحّ دراسة هذه اللّغات إلّا على هذا الأساس، من نحو مقارنتها بالعربية المعاصرة: النتيجة الحتمية لتطوّر هذه الألسن على مدى خمس آلاف سنة على الأقل.

ولمثال أعمق:

ما فعله المورو (أمُرّوم) حين وحّدوا الممالك المتحاربة في العراق في نهاية العصر الأگّدي، هو نفسه ما فعله العرب المسلمون في نهاية العصر الساساني، حين وحّدوا الممالك المتحاربة بعد حرب القرن السابع العالمية. وخرجوا بعد ثلاث عقود من الحرب ما بين الساسان والإغريق والرومان والترك والصين والحبش… فأنهوا سيادة كلّ الممالك المتحاربة وأخضعوها جميعاً إلى عاصمة واحدة. وتماماً كما فعل المورو (أمُرّوم) حين أسّسوا لهذه الإمبراطورية عاصمة جديدة هي مدينة بابل، فقضوا على التنازع ما بين المدن المقدّسة في العراق، كرّر العرب العبّاسيّون ذات السلوك عقب الحرب القيسيّة-اليمانيّة، فأنشؤوا بغداد عاصمة جديدة للإمبراطورية العربية.

كذلك، كما اعتمد المورو (أمُرّوم) لهجتهم لغة رسميّة للإمبراطورية البابلية، ثمّ طوّروها وعدّلوها لتناسب كلّ الشعوب تحت سلطتها فتكون لغة جامعة. كرّر الأمويّون والعبّاسيّون ذات التصرّف تماماً حين اعتمدوا اللّهجة القيسيّة لغة رسميّة للإمبراطوريّة العربيّة، وخصّصوا لها عاصمتين علميّتين هنّ في مدينتي البصرة العراقية وبخارى الأوزبكية، ثمّ طوّروها وعدّلوها لتناسب كلّ الشعوب تحت سلطتها فتكون لغة جامعة. وأطلقوا عليها العربيّة الفصيحة والعربية الفصحى أي الأوضح، لأنّها النسخة التي يفهمها أغلب الناس في ربوع الإمبراطورية العربية الإسلامية. 

إذاً: 

  • – العربيّة الفصحى ليست أصل اللّغة العربية.
  • – العربيّة الفصحى ليست مصدراً للّهجات العربية، إنما لهجات العرب هي مصدر العربيّة الفصحى.
  • – العربيّة الفصحى هي نسخة مبسّطة ومبنية على قواعد أقل وأسهل، لتكون لغة يسيرة سهلة على فهم كلّ الشعوب تحت سلطة الإمبراطورية العربية. أي أن تكون لهجة وسيطة.
  • – العربيّة الفصحى هي لهجة جامعة تقع في نقطة وسط ما بين لهجات العرب.
  • – العربيّة الأصل لو شئنا لها تسمية، فهي العربيّة العاربة. أيّ أنّ الكلمات التي من أصل العربيّة نقول عنها “هذه كلمة عربيّة عاربة” ولا نقول فصيحة، فالمعنى مختلف. فصيحة تعني واضحة، أمّا عاربة فتعني أنّها من بنات العرب وليست مستوردة.
  • – من أسماء اللّغة العربيّة عبر التاريخ: السومريّة (الأگّديّة) والموريّة (الغربيّة) والفنيقيّة والپونتية والبربرية والعربيّة.

أطلت في هذه التدوينة ما قصدت. وبكلّ حال، إن أردت الاستزادة في تفاصيل تاريخ اللّغة العربية واللّهجات الأصل أنصحك بقراءة هذه التدوينة هنا  

إن أردت التوسّع في تاريخ النقوش العربية القديمة (المسند) في البوادي، فأنصحك بقراءة هذه التدوينة هنا  

وإن أردت التوسّع في تاريخ المورو (أجداد العرب) فأنصحك بقراءة هذه التدوينة هنا  

شارك برأيك