الپرسي والپارثي

لطالما ميّز الأخمينيّون ما بين الپرسي والپارثي، كما تميّز اليوم ما بين العراقي والإيراني، فلماذا نصرّ اليوم على وضع الشعبين في خانة فارسية؟ لماذا نصرّ على اعتبار تراث الپارثيّين تراث فارسي؟

الپارثيّون ترك، وتقدّمهم المنشورات الأكاديميّة في كلّ لغات العالم بأنّهم ترك. إلا المنشورات العربية والفارسية التي تعتبرهم من الفرس لا من الترك. ثمّ تزيد التزييف بتسميهم فرثيّين فقط ليسهل ربطهم بالفرس.

الملك دارا (داريوس) الأوّل قدّم نفسه بأنّه آري ومن نسل آري ونُقش على ضريحه بالحرف عبارة “أخمينيّ، پِرسي، ابن پِرسي، آري، ذو نسب آري.”. لم يقل پارثي، إنّما پِرسي. والنقوش الأخمينية واضحة جدّاً بالتمييز ما بين الپِرسي والپارثي. ولم تستعمل النقوش الأخمينيّة آنذاك كلمة پارثيا لوصف بلد الشخص الپارثي؛ إنّما استعملت كلمة پرصَڤه، ولم تقل أنّ الپِرسي من پرصَڤه، إنّما حدّدت وبشكل صريح موطن الپِرسيّين في پِرسه.

هذان بلدان مختلفان: پِرسه وپرصَڤه. 

پِرسه هي اليوم محافظات فارس ويزد وكِرمان في إيران. أمّا پرصَڤه فهي اليوم غرب تركمنستان والنصف الشرقي من محافظة مازندران الإيرانية، بالإضافة إلى معظم البادية الإيرانية الشرقية. جغرافيّاً هنّ بلدين لا بلد واحد ولا نفس البلد.

من جهة ثانية، أصرّ الأخمينيّون دائماً على التذكير بأنّهم آريّون، والپارثيّون ليسوا من الآريّين إنّما من الساكا، فكيف اتّفقت مع المؤرّخين العرب اعتبار الپارثيّين والأخمينيّين من نسب واحد؟ والآريّون والساكا لا يتّفقون لا بالأصل ولا بالنسب ولا حتّى بالتراث.

ينتسب الآريّون إلى مملكة كان اسمها هَرَيڤه (وهي التسمية التي تحوّرت إلى آري) وكان موقعها إلى الشرق من پرصَڤه (بلاد الپارثيّين)، وتتحلّق حول وادي نهر المُرغاب، وعاصمتها مدينة هرات الأفغانية المعاصرة. هذه مدينة لم تكن في حياتها پارثية.

خارطة الممالك الثلاث: پارثيا وآريا وپِرسه في عهد دارا الأوّل
خارطة الممالك الثلاث: پارثيا وآريا وپِرسه في عهد دارا الأوّل

لربّما يكون الخلط ناجماً عن اتّخاذ الأخمينيّين لأسماء پارثية قبل تأسيس دولتهم وإمبراطوريّتهم الكبرى. لكنّ هذه كانت حال كلّ الأرستقراطيّات القديمة في غرب ووسط آسيا خلال الألفية الأولى قبل المسيح، والسبب ديني. طالما أنّ الديانة التي انتشرت قبل الأخمينيّين كانت مذهباً پارثياً عبد الشمس. فقلّد الناس أسماء الپارثيّين، تماماً كما قلّد الناس أسماء العرب بعد شيوع الإسلام في ذات المنطقة. وليس كلّ من حمل اسم عبد الله عربي.

ليس الپارثيّون أخمينيّون، ولا ينتمي تراث الپارثيّين إلى تاريخ الأخمينيّين. كذلك لا ينتمي تراث الأخمينيّين إلى الپارثيّين، إذ هم شعبين منفصلين؛ إثنيّاً وأصولاً وجغرافياً؛ ولا يوجد حتّى اتصال جغرافي ما بين بلديهم، ولا يجب الدمج ما بينهم. هذا بالإضافة إلى الجدال المثار باستمرار حول تسمية الدولة الأخمينية بالفارسية، إذ يعترض الكثير من المؤرّخين على اعتبار الأسرة الأخمينية ودولتهم بالفارسية، وبينهم باحثين معاصرين من الفرس. وأنا أميل إلى آرائهم.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك