إمبراطورية نينوى

تذخر كتب التاريخ الهيلينيّة بالكثير من القصص عن ملوك عظام، أسوريّين وعرب، وتفسّر في حكاياتها الكثير من التناقضات التي نعثر بها حين نقرأ التاريخ العربيّ. لكنّها، مع الأسف، تبق حكايات غير معتمدة من طرف علم الآثار المعاصر بسبب عدم تطابق أسماء الملوك فيها بالأسماء المكتشفة في النقوش الأثريّة، ما يجعل تحقيق رواياتها أصعب من تخيّل الماضي. لكنّها مع ذلك تبق حكايات تنتظر التحقيق والتوثيق، فلا يأت الدخان دون نار، وأستبعد كذب مؤرّخي العصر الهيلينيّ بهذا الخصوص.

المشكلة الأساسية هي أنّ الشعوب دائماً ما تغيّر أسماء الملوك أثناء تدوين التاريخ، كذلك تتغيّر ملافظ الأسماء أثناء النقل من لغة إلى أخرى… مثلاً غيّر المؤرّخون العبّاسيّون أسماء كلّ الخلفاء العبّاسيّين، وكانت من عادة العرش العبّاسي أن يختار الخليفة اسماً ملكيّاً عند التنصيب؛ يختلف عن اسم الولادة. ثمّ، حين ينقل الأوروپيّون والترك هذا الاسم الملكي يحدث تحريف بسبب اختلاف اللّهجات. 

كمثال على هذا التحوير نجد ميراث اسم الخلفية هارون الرشيد، فكلمة الرشيد ليست في اسمه من الأساس، إنّما هي لقب منحه الناس للخليفة هارون بن المهدي بني العبّاس لما رأوه فيه من الرشاد، ثمّ انتقل اسم الخليفة إلى التدوينات الألمانيّة بسبب مراسلاته مع الملك شارلمان، فصار فيها اسمه آغون. وانتقل اسمه كذلك إلى التدوينات الصينية واليابانية فصار فيها ألون. بعد ألف عام من اليوم لو اختفت معارفنا وعادت الناس تنقّب في آثار الأقدمين بناء على النصوص الألمانيّة أو الصينيّة القديمة؛ لبحثت عن ملك في العراق يسمّى ألون أو آغون ولن تجد. وهذا ما يعانيه الآثاريّون مع نصوص مؤرّخي الفترة الهيلينيّة التي دوّنت قصص تاريخ العراق، وشبه الجزيرة العربية.

في نصوص أغلب المؤرّخين من الفترة الهيلينيّة نجد اسم الملك نينو Νίνος الذي يتحدّث الإغريق عن أنّه ملك أشّوري من مدينة أشّور، وأسّس مدينة نينوى عاصمة لإمبراطوريّته؛ ولهذا نجد اسم المدينة في جميع المراجع الإغريقية القديمة نينوپوليس Νίνου πόλις التي تعني مدينة نينو.

مشكلة الآثاريّين مع حكايات نينو أنّ اسمه هذا غير موجود في القائمة الأگّدية لملوك أسوريا (اشّرمات أشُّر) (1)، و)أسوريا) صار اسماً للإمبراطوريّة بعد أن توسّعت أشّور وضمّت البلاد من حولها. وهذه القائمة الأگّدية وقبل أن تتحوّل أشّور إلى أسوريا الإمبراطوريّة؛ كانت تسمّى (إشّعَك أشُّر) (2) التي تعني حرفياً نُوّاب أشُّر، أي الحكّام باسم الربّ الشمس، إذ كانت الناس تعتبر الملك نائباً لله وممثّلاً لإرادته على الأرض. واسم نينو غير موجود كذلك في القائمة القديمة، لكنّ القائمة تبيّن لنا على الأقل أنّ أسوريا تأسّست سنة 2450 ق.م وانتهت سنة 609 ق.م بعد سقوط نينوى بثلاث سنوات.

ينسب المؤرّخون الإغريق لنينو أنّه أوّل من استعمل الكلاب والخيول أدوات حرب، إذ درّب الكلاب على صيد جنود الأعداء، كما أنشأ أوّل سرايا فرسان عسكرية. ويعود أوّل تدوين معروف بالإغريقيّة لتاريخ نينو من حوالي سنة 400 ق.م، حين ذكره الطبيب الإيوني قطيسياس Κτησίας. في تلك الفترة اشتغل قطيسياس طبيباً ملكيّاً في عرش الإمبراطور الأخميني منمون أردشير الثاني 𐎠𐎼𐎫𐎧𐏁𐏂. وبسبب اشتغاله في منصبه الرفيع تمكّن من الوصول إلى الوثائق القديمة في المكتبة الملكيّة وترجم عنها الكثير، وممّا ترجمه كان حكاية نينو؛ وبهذا نعلم أنّ هذا الاسم “نينو” قد بدأ من عند قطيسياس. 3

وهذا الطبيب الإيوني في الأصل مهاجر گاري من مدينة تكر (قنيدوس) Κνίδος وهي اليوم في ولاية مولا Muğla جنوب غرب تركيا. في ذلك الزمن كانت گاريا جزء من الإمبراطوريّة الأخمينيّة، فهاجر قطيسياس إلى بابل لدراسة الطب ثمّ صعد في المراتب حتّى وصل إلى البلاط الملكي، ثمّ تقاعد وعاد إلى مسقط رأسه قنيدوس ليتفرّغ لتدوين ما قرأه وترجمه في المكتبة الملكيّة. في الواقع، وأثناء عمله في بلاط الإمبراطور أردشير الثاني أسّس قطيسياس المكتبة الملكيّة الأخمينيّة، فهو رجل موسوعي وآثاري خبير؛ وكان يشتري النقوش الأثرية لصالح المكتبة الملكيّة ممّن ينقّب عنها وبمبالغ كبيرة. وبعد تقاعده في قنيدوس ترك لنا فيها بالإيونيّة موسوعة في تاريخ أسوريا وپِرسيا أسماها پِرسيكا Περσικά وهي موسوعة من 32 كتاب. وترك كذلك كتاباً في تاريخ الهند أسماه إنديكا Ἰνδικά، وكتاباً في الطب والفلسفة سمّاه (أطروحات على الأنهار)، وكتاباً في الإقتصادات تحدّث فيه عن واردات الخزينة الأخمينيّة.

وفي موسوعته پِرسيكا يرى قطيسياس أنّ الإمبراطوريّة الأخمينيّة هي امتداد مستمرّ لممالك أسوريا وبابل، ويذكر بوضوح أن البلاط الملكيّ الأخمينيّ كان في بابل لا في غيرها، ويعتبرها دولة بابليّة واستمرار للتراث البابلي. ولهذا السبب أسهب قطيسياس في سرد تاريخ أسوريا في الكتب الـ17 الأولى من موسوعته پِرسيكا؛ قبل أن يبدأ بالحديث عن تأسيس العرش الأخميني. ويتّفق مع قطيسياس في هذا الرأي كلّ من المؤرّخ المصري أثينايوس النقراطي Ἀθήναιος ὁ Nαυκρατίτης، والمؤرّخ فلوطرخس الإغريقي Πλούταρχος، والمؤرّخ العربي نقولا الدمشقي Νικόλαος Δαμασκηνός، والمؤرّخ الإغريقي ديودور الصقلّي Διόδωρος Σικελιώτης الذي أعاد دراسة آثار قطيسياس كلّها ونشر كتاب دراسات في تراثه. ويعارض قطيسياس كل ما جاء به مواطنه الگاري إيرودوت Ἡρόδοτος (هيرودوت) حتّى أنّ كتاباته استُخدمت على مرّ القرون لتكذيب إيرودوت. في الواقع يسبق إيرودوت قطيسياس ببضعة عقود فقط، فقطيسياس هو من الجيل التالي لإيرودوت؛ واتّهمه دائماً بتشويه التاريخ، محتجّاً بأنّ إيرودوت نقل “قيل عن قال” بينما قرأ قطيسياس التاريخ من النقوش القديمة مباشرة. 4

وعن ديودور الصقلّي أعدت رسم هذه الخارطة للإمبراطوريّة الأسوريّة زمن تأسيس مدينة نينوى، والتي رسمها ديودور ممّ درسه عن قطيسياس. وديودور إغريقي من مواليد مدينة أگّيرا في صقلية (5) مطلع القرن الأوّل قبل الميلاد وعاش ستين سنة، خصّص نصفها للدارسة والنشر في حقل التاريخ. وقد أعاد ديودور فعلاً دراسة كلّ التاريخ الإغريقي في تلك العقود الثلاث، مع إعادة ترجمة وتلخيص للكثير من كتب الأوّلين الإغريق. وأنجز أربعين كتاب أطلق عليها الناس من بعده اسم مكتبة التاريخ Βιβλιοθήκη Ἱστορική.

خارطة إمبراطورية نينوى سنة 2190 ق.م وفقاً لديودور الصقلّي
خارطة إمبراطورية نينوى سنة 2190 ق.م وفقاً لديودور الصقلّي

وبحسب عدد من المؤرّخين الهيلينيّين عبد نينو بعل، ويذكر ديودور الصقلّي أنّ فترة حكمه دامت 52 سنة استهلّها بفتوحات في آسيا حتّى حكم غرب آسيا كاملاً خلال 17 سنة بمساعدة حليفه ملك العرب آريُس (آريا)، وأنشأ بالتالي أوّل إمبراطورية أسوريّة وأسّس لأجلها عاصمة جديدة باسمه نينوى. 6

ويذكر قطيسياس أنّ الملك نينو بدأ بأرمينيا وعفى عن ملكها، ثمّ فتح ماده وصلب ملكها، ثمّ تحالف مع آريُس العرب وجمعا معاً جيشاً كبيراً فتح ووحّد أغلب ممالك آسيا عدا الهند وباكتريا. ثمّ توجّها إلى باكتريا (وكانت أقوى ممالك وسط آسيا آنذاك) ففتحوا عاصمتها بلخ بعد حصار طويل، وهناك أسّس آريُس مملكة عربيّة سمّاها على اسمه آريا، وبقيت عاصمتها في بلخ. وفي حصار بلخ وقع نينو في حبّ زوجة أحد ضبّاطه فتركته وتزوّجت من نينو، وهي سميراميس التي حكمت إلى جانب نينو واستمرّت على العرش من بعده. 7 

ويذكر قطيسياس أنّ الملك نينو حكم بصحبة زوجته سميراميس إمبراطوريّة أسوريا العظيمة، وعلى مايبدو أنّ الملكة سميراميس هذه غير الملكة سَمُّرامَت التي حملت كذلك لقب سميراميس وعاشت بعدها في القرن التاسع قبل الميلاد. وهو ما يذكره كذلك ديودور الصقلّي ويوضّح أنّ سَمُّرامَت هي ملكة أسوريا وتختلف عن الملكة التي سبقتها باسم سميراميس زوجة نينو ولسن شخصيّة واحدة. 8

وعلى الرغم من اتّهامها بقتل زوجها نينو، لكنّها استمرّت على نهجه، وابتنت لزوجها معبداً في بابل (خارج أسوارها) أطواله 1645 متر في 1829 متر. ثمّ شنّت حملة على الهند لفتحها في عهد الملك الهندي (شرَدّادِڤه منو بن الملكة سوريا (سارَه-نيُ)) وفشلت سميراميس وجُرحت. ثمّ عادت إلى نينوى وتنازلت عن العرش لابنها نينياس. 9

كل ما ذُكر حتّى الآن لا بدّ له تأصيل في التاريخ الصحيح، لكنّه من وحي الحكايات الهيلينيّة ولم يستطع علماء الآثار حتّى اليوم ربط الملكين نينوس وآريوس بأيّ من النقوش القديمة بشكل أكيد، لكي يتوفّر دليل مادّيّ يقول لنا هذه هي أسماء نينوس وآريوس الحقيقية، وهذه فترة حكمهم، وهذه قصورهم كانت هنا.

يفترض بعض المؤرّخين ربط نينو بالمعبود الأسوري نينورتا 𒀭𒊩𒌆𒄈𒋢 ربّ الحرب، وهو الذي كان له معبد كبير في مدينة لگش (تل الهبا) أقصى جنوب العراق في القرن 22 قبل الميلاد (جدّده الملك گُديه ما بين سنوات 2144 و2124 ق.م). ويعزّز المؤرّخون هذا الربط من تشابه الأسماء ولأنّ حياة نينو اغتمرت بالحرب والفتوحات؛ من بداية جلوسه على العرش حتّى مقتله.

ويفترض بعض المؤرّخين ربط نينو بالملك الأسوري تُكُلتِ-نينورتا الأول الذي حكم ما بين سنوات 1243 ق.م و1207 ق.م وكان من عِباد نينورتا. ويعزّز المؤرّخين هذا الربط من أنّ تُكُلتِ-نينورتا هو أوّل ملك أشّوري يحمل لقب ملك بابل، وعزّزها كعاصمة دينية وبنى فيها الكثير من المعابد، كما استعاد لنفسه كل الألقاب التي حملها سرگون مؤسّس أگّد، كما ابتدع لقب ملك الملوك؛ ما يعني أنّه حاول رفع منزلته إلى منزلة الأنبياء في عصره. وتبق المشكلة هنا أنّ تُكُلتِ-نينورتا الأول لم يؤسّس مدينة جديدة، إنّما انتقل بعاصمة حكمه إلى بابل، ومات مقتولاً على يد ابنه وليّ العهد. 

ويفترض بعض المؤرّخين كذلك ربط نينو بالملك الأسوري شمشي أداد الخامس زوج الملكة سَمُّرامَت التي حملت فعلاً لقب سميراميس، وأنجبا معاً الملك أداد نيرَري الثالث. ويعزّز المؤرّخون هذا الربط من تشابه أسماء الملكات ولأنّ سَمُّرامَت حكمت فعلاً بعد وفاة زوجها لخمس سنوات. وما يتعارض في حياة شمشي أداد الخامس مع حكاية نينو، أنّ شمشي أداد لم يُقتل، ولم يؤسّس أيّ مدينة، وحربه الوحيدة كانت على تمرّد قام به بعض البدو في العراق فاحتلّوا بابل. ثمّ أنّ حياة شمشي أداد الخامس وسَمُّرامَت كانت في القرن التاسع قبل الميلاد، في زمن بعيد عن التاريخ الذي يرويه قطيسياس لحكاية نينو.

بكلّ حال، يوثّق التاريخ أنّ مدينة نينوى هُجرت بعد أن دمّرها المديان سنة 612 ق.م، ولا يوجد توثيق لتاريخ بناء المدينة سوى ما يرويه قطيسياس في حكاية نينوس. لكن، تشهد كلّ التدوينات القديمة على عظمة نينوى وبهاء عمرانها، ما يدلّ على فخامتها الإمبراطورية وسعة البذخ في حياة سكّانها.

رسم تخيلي لسقوط مدينة نينوى سنة 621 ق.م
رسم تخيلي لسقوط مدينة نينوى سنة 621 ق.م

ترى، هل سنصل يوماً إلى معرفة حيثيّات حكاية نينوس وآريوس بشكل دقيق؟

المراجع

1 Karlsson, Mattias (2017). “Assyrian Royal Titulary in Babylonia”. https://go.monis.net/TcK4Ea 

2 Liverani, Mario (2013). The Ancient Near East: History, Society and Economy. Routledge. https://go.monis.net/2CbcZ9 

3 “Semiramis and Ninus, the mythical founders of the Assyrian empire of Ninus or Nineveh.”Smith, William. A Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology. London, John Murray, 1902, p. 776.

4  Burn A.R. Persia and the Greeks. Duckworth. London. 1984. As quoted by Peter Frederick Barker, FROM THE SCAMANDER TO SYRACUSE. STUDIES IN ANCIENT LOGISTICS, page 9, chapter 1. https://go.monis.net/jXcKtI 

5 Diod. History 1.4.4.

6 George Syncellus Γεώργιος Σύγκελλος. p. 167

7 “Ninus | Greek mythology”. Encyclopedia Britannica. Retrieved 2017-04-25.

8 Diodorus Siculus (II 4.6)

9  Duncker, Max (1882-01-01). The History of Antiquity. R. Bentley & son. https://go.monis.net/oZpFxL 

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك