البلقانين

في هذا العالم منطقتين باسم البلقان، الأولى هي الأكثر شهرة، شبه جزيرة البلقان شرق أوروپا، وهي المنطقة الجغرافية المحصورة ما بين تركيا من الشرق وإيطاليا من الغرب. والثانية هي منطقة البلقان غرب تركستان، وهي المنطقة الجغرافية المحاذية للبحر الطبري من الشرق.

خريطة البلقانين الآسيوي والأوروپي والدول المحيطة.
خريطة البلقانين الآسيوي والأوروپي والدول المحيطة.

اليوم، ليس في البلقان الأوروپي أي وحدة إدارية تحمل اسم البلقان، لكن في الخارطة نراها باللون الزهري الداكن، بينما يعبّر اللون الزهري الفاتح عن بقيّة أراضي الدول التي تحتوي على أجزاء من البلقان الأوروپي، وهذه الدول المحيطة هي تركيا ورومانيا وصربيا وكرواتيا وسلوڤينيا واليونان.

في البلقان الآسيوي بقيت منه في تركمنستان ولاية البلقان، أمّا كامل بلقان آسيا فنراه باللّون البرتقالي الداكن، بينما يعبّر اللون البرتقالي الفاتح عن الدول التي تحتوي في أراضيها على أجزاء من البلقان الآسيوي. وهذه الدول هي قازاقستان وأوزبكستان وتركمنستان وإيران.

تقريباً تتعادل مساحة منطقتي بلقان آسيا وأوروپا، لكن يتميّز بلقان أوروپا بكثرة السكّان وغلبة المدن الكبيرة مقارنة ببلقان آسيا، الذي يعاني قلّة السكّان بشكل واضح وندرة المدن الكبيرة فيه، فلا يوجد فيه مدينة واحدة يزيد عدد سكّانها عن 150 ألف سوى في مازنداران في الجنوب في القسم الإيراني. مع أنّ منطقة بلقان آسيا تعوم على بحر من النفط، يموّل كلّا من حكومتي تركمنستان وإيران.

تتشارك المنطقتين تاريخياً عبادة نفس الإله بنفس الأسماء وذات التقاليد والشعائر الدينية، إذ أنّ بلقان أوروپا كان ملجأ نازحي كونفدرالية داه‍ان بعد انهيارها واندلاع الحروب الأهلية فيها. والتسمية تعود إلى ديانة الدولة التي عبدت الشمس، والاسم داهه يقابل داسا وداسيا، اسم الربّ الشمس. وهو ذاته الرب سكودا (شكودا) بعد قلب آلية التعريف من دا+سكا (داسا) إلى سكو+دا (سكادا).

قبل الإمبراطورية الرومانية عُرفت منطقة البلقان الأوروپية باسم (سَكا طيايي پَرَدرَيه) وتعني الساكا ما وراء البحر، وهم سكّان البلقان من غير الإغريق، وتمتدّ بلادهم من الضفة الغربية للبحر الأسود حتّى بنّونيا (سلوڤِنيا المعاصرة). وإلى جنوبهم سكن الإغريق وعُرفت بلادهم آنذاك باسم (يَونا تَكَبَرا) وتعني الإيونيّين بقبّعات الشمس. وكان لمنطقة البلقان الأوروپية الفضل بجعل السلطنة العثمانية دولة متقدّمة وثريّة تنافس على المستويّين الأوروپي والأفريقي.

أمّا منطقة البلقان الآسيوية ومنذ انهيار وتفكّك كونفدرالية داهان، فقد عُرفت باسم پرصَڤه الذي تحوّل لاحقاً إلى پارثا، وهي دولة نشأت عن تحالف عشائري جمع ثلاث قبائل من الساكا المزارعين وسُمّي التحالف بعشيرة أپارني. وعن عشيرة أپارني خرجت الأسرة الأشكانية من مدينة طوس؛ التي طردت السلوقيّين الإغريق من آسيا وأسّست الإمبراطورية الأشكانية؛ التي نعرفها اليوم باسم الإمبراطورية الپارثية. وهي الدولة التي هزمها الرومان واحتلّوا عاصمتها في العراق لثلاث سنوات، قبل تركها والانسحاب عنها.

ونلاحظ من تاريخ المنطقتين ارتباطهنّ كلتيهنّ بالساكا وبتاريخ الساكا وممالكهم، وهذا طبيعي حين يكون الموطن الأصلي للساكا هو شبه جزيرة القرم، المنطقة التي تتوسّط المسافة ما بين البلقانين؛ الأوروپي والآسيوي، ولطالما عرفت المنطقة هجرة متبادلة وباستمرار بين قبائل المنطقتين.

بقي أن أقول أن أسم البلقان ينحدر في الأساس من اللّغة التركية القديمة (لغة الساكا) وتعني أهل الجبال، من كلمة “بلق” التي تعني (جبل) وتعني (حرف هاوية) مضافاً إلها لاحقة النسبة الساكيّة ـان، فتصبح بلقان بمعنى جبليّ أو جبليّون. (1) وفي اللّغة العربية الأبلق هو الرجل الذي تضرب به المثل العرب فى الحصانة والمنعة (2)، وعلى الأغلب هو معنى مستوحى من بلق التركية.

الهوامش:

1 Atanyyazov, S. (1970). Türkmenistanyň Toponymyk Sözlügi (in Turkmen). Ashgabat: Ylym. p. 42. 

2 معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع-أبو عبيد عبدالله بن عبدالعزيز بن محمد البكري الأندلسي، القرن 11. قال الأعشى: «بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير غدّار»

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك