ديمغرافيا دمشق

شرق دمشق، تصوير مؤنس بخاري

هذه الصورة كنت التقطتها في الحيّ الشرقي من دمشق القديمة أثناء تمشاية ساعة الفجر قبل 11 سنة.

اعتاد أبناء جيلي من الدمشقيّين أن يكون القسم الشرقي من دمشق القديمة للمسيحيّين واليهود والمسلمين الشيعة، بينما يكون القسم الغربي من المدينة المسوّرة للمسلمين السنّة. ولسبب ما يعتقد الدمشقيّون غالباً بأنّ هذا الحال هو نتيجة فتح العرب المسلمين لمدينة دمشق في القرن السابع وما ترتّب عنه من اتّفاقيّات، منحت من استسلم حقّ البقاء على دينه، وهم أهل القسم الشرقي. ومن قاوم وحارب خسر هذا الحقّ وأكره على التحوّل إلى الإسلام أو ترك المدينة. لكنّ وقائع التاريخ تُظهر أنّ هذا الاعتقاد برمّته خرافة غير صحيحة، ومحض أسطورة.

ما بين القرنين 7 و13 لم تقم أي دولة إسلامية بإكراه أيّ من أهل دمشق على الإسلام، ولم تخيّره ما بين الإسلام والرحيل وعن مسكنه. بالتالي، من غير الممكن أن يكون أبو بكر الصدّيق قد أمر بطرد سكّان القسم الغربي من دمشق القديمة سنة 634. من جهة ثانية، توجّه جيش الدولة الإسلامية لفتح دمشق من الأساس بسبب دعوة وجّهها أسقف الطائفة المونوفيزية في دمشق في مراسلات وقعت بينه وخالد بن الوليد رئيس أركان جيش العرب المسلمين آنذاك. وبالفعل دخلت قوّات أبو عبيدة بن الجرّاح من بوّابات دمشق سلماً من بعد تفاوض على التسليم. والسبب كان أنّ أتباع الطائفة المونوفيزية (وكانوا الأغلبية في دمشق) كانوا على خلاف ديني مع العاصمة البيزنطية التي تتبع مجمع خلقيدونية ويرغبون بالخلاص من سلطتها.

في الواقع، أغلب السكّان المسيحيّين واليهود في دمشق القديمة اليوم (أو من كانوا فيها مؤخّراً) هم في الواقع من المهاجرين، وكذلك أغلب المسلمين، فليس في دمشق القديمة أيّ بقايا من الحال التي كانت عليه المدينة في القرن السابع، ولا يوجد أيّ عائلة دمشقيّة من سكّان المدينة القديمة من نسل تلك العائلات التي كانت تعيش في القرون الأولى للإسلام. والسبب الغالب لاستقرار المسيحيّين في القسم الشرقي من المدينة هو قربه من المناطق التي هاجروا منها في الأساس، في القلمون وغوطة دمشق الشرقي. وتشير التدوينات القديمة إلى أنّ أغلب دمشق القديمة كان من المسيحيّين، سواء في شرقها أو في غربها، في قرون الإسلام الأولى، وما تغيّر هذا الحال إلّا بعد القرن 13.

عقب الحملات الصليبية الأولى والثانية، وبالأخصّ الثانية سنة 1145، تحوّل قسم كبير من مسيحيّي دمشق الأرثذكس إلى الإسلام نكاية بالصليبيّين ومجازرهم، وقد اضطرّ عدد كبير منهم إلى النزوح عن مناطق الساحل السوري وشمال الفرات إلى صقلية وجنوب إيطاليا. وبقيت في دمشق آنذاك طائفة المسيحيّين الكاثوليك التي تمركزت في بلدة دوما على الشرق من دمشق. بالإضافة إلى أقلّيّة أرثوذكسية فيما نعرفه اليوم باسم حيّ الميدان الدمشقي. وكان الأرثوذكس نصف أهل الميدان قُبيل الاحتلال الفرنسي لسوريا بعد الحرب العالمية الأولى.

ويذكر محمد بن أحمد الذهبي في الجزء 22 من موسوعته سير أعلام النبلاء أنّ حيّ القصّاع الدمشقي كان آنذاك حيّاً للمسلمين الحنابلة، إذ وصله بنو قدامة 1156 ونزلوا فيه بالقرب من مسجد الحنابلة وجرت الحوادث التي دفعت بني قدامة لترك الحنابلة وحيّهم والانتقال للاستقرار في دير مهجور فيما نعرفه اليوم بحيّ الصالحية. وحيّ القصّاع اليوم هو بأغلبه للمسيحيّين وجلّهم مهاجرون من القلمون، وما كان الحيّ لهم في القرن 12.

يُعتبر غزو المغول لدمشق سنة 1260 هو بداية التحوّل الحقيقي في ديمغرافيّتها، إذ دخلت القوّات كتبغا خان دمشق يوم 1 آذار دون مقاومة بعد أن كانت قوّات الناصر يوسف الأيّوبي قد هربت إلى غزّة رعباً ممّا سمعوه من أهوال لحقت بحلب وبغداد قبل دمشق، وبهذا انتهت دولة الأيّوبيّين. بقيت القوّات المغولية في المدينة ستّة أشهر تعيث فيها الفساد والنهب والتخريب إلى أن قدمت قوّات المماليك في أيلول لتطرد القوّات المغولية. وكانت تلك القوّات المغولية آنذاك بأغلبها من أرمن كيليكا ونورمان أنطاكية، بالإضافة إلى سرايا من المغول والصقالبة والقازان.

اتّبعت دولة المماليك منهجاً شديد التديّن وغالت في التشدّد، يتعامل بجفاء مع من يختلفون بمذاهبهم وأديانهم مع منهج الدولة. وحتّى القرن 13 كان مركز المسيحيّين الشوام في بلدة دوما في غوطة دمشق الشرقية، بينما يتمركز اليهود المزراحيّون في جوبر، وهي كذلك في الغوطة الشرقية. في تلك الفترة تحوّل أهل دوما وجوبر إلى الإسلام، وتحوّلت كاتدرائية الدومة الكاثوليكية إلى مسجد بأيادي أهلها، بينما بقي كنيس إلياس في جوبر على حاله مع بقاء أقلّيّة مزراحية في البلدة. وابتنى أهل جوبر مسجداً جديداً لهم وقد صاروا مسلمين.

وفي ظلّ دولة المماليك، سواء البرجية أو البحريّة، صارت دمشق مدينة بأغلبية ساحقة من المسلمين السنّة، لا توجد فيها منطقة خاصّة بطائفة غير مسلمة. بينما تمركزت الطوائف غير المسلمة في مراكز متفرّقة في بلدات الغوطتين الشرقية والغربية، وفي ضواحي دمشق.

نهاية سنة 1399 غزت جيوش المغولي تيمور لنگ العراق والشام قادمة من أذربايجان، وكان تيمور آنذاك على حرب مع سلطان المماليك زين الدين فرج الشركسي. وكان السبب آنذاك انتقام تيمور لنگ من المماليك الشركس بسبب وقوف سلطنة المماليك إلى جانب سلطنة القپچاگ (خانية القبيلة الذهبية) وحاكمها توقتمش في حربه على تيمور ما بين سنوات 1388 و1389. 

هُزم جيش المماليك في دمشق وانسحب عن المدينة التي تُركت مفتوحة لقوّات تيمور لنگ ()، ولمَّا دخل تيمور لنگ المدينة أشعل فيها النار ثلاثة أيام مبتدئاً من المسجد الأموي؛ حتى أتت على ما فيها، وأصبحت أطلالاً، وبيع أغلب أهل المدينة عبيداً في سوق النخاسة، وذُبح الباقون في أرض خارج الركن الشمالي الشرقي من سور دمشق، وروكمت رؤوسهم في برج في منطقة لم تزل تحمل إلى اليوم اسم برج الروس. ثمّ اختار تيمو أهمّ علماء وفنّاني دمشق (صُنّاعها) فأخذهم معه عبيداً للقصر الملكي في سمرقند. ثمّ انسحبت قوّات تيمور من دمشق تجري عرباتها على أجساد الأطفال الرضّع والصغار تهرسهم كي لا يبق من نسل الدمشقيّين أحد. ()

وبغزوة تيمور لنگ لدمشق لم يبق من سكّانها أحد، وصارت مدينة خالية أعيد إحياؤها بالمهاجرين من جديد. ويحكى أنّ ثلث أهل دمشق نزحوا إلى حمص قبل وصول قوّات تيمور إلى المدينة. ومن هؤلاء عاد ألف فقط إلى دمشق، هم ذرارة من بقي من أهلها الأصليّين.

سنة 1492 وبعد سقوط إمارة غرناطة طردت إسپانيا مواطنيها اليهود السفارديّون، فاختار قسم منهم اللجوء إلى المشرق، واستقبلتهم الدولة المملوكية وأسكنتهم في حلب ودمشق. وفي دمشق حضروا إلى القسم الشرقي من مدينة دمشق القديمة وكان خالياً، فاستوطنوا فيه ورمّموا أطلاله، وصارت لهم الأسواق والمجتمعات المزدهرة. ولسفارديّي حلب ودمشق عادة شعائريّة غير موجودة لدى غيرهم من اليهود. هي إشعال شمعة إضافة في عيد الحانوكا، ويقال أنّ هذه العادة بدأت امتناناً لقبولهم من قِبل المجتمع المحلّي في كلّ من دمشق وحلب. 

ويحكي تراث اليهود السفارديّين في دمشق أنّهم كانوا منبوذين من قِبل يهود دمشق المزراحيّين، الذين اعتبروهم مدعومين من السلطة وموالين لها، خاصّة وأنّ المماليك قد موّلوا حاخامات النازحين السفارديّين من خزينة الدولة، بينما اعتادت الأقلّيات على الحياة في مواطنة من الدرجة الثانية والثالثة في ظلّ العهد المملوكي. واستمرّ هذا التنابذ عقوداً ما بين طوائف يهود دمشق إلى ما بعد حلول العهد العثماني، الذي ألغى كلّ الفوارق الطبقية التي كان قد كرّسها القانون المملوكي.

عموماً، ومنذ 1570 تأثّر سفارديّي دمشق بمدارس القبالة الصفديّة وخاصّة بآراء إسحق لوريا الأشكنازي יִצְחָק בן שלמה לוּרְיָא אשכנזי لأنّ أمّه سفارديّة؛ وكذلك بآراء حاييم ڤيتال وإسرائيل نجرا، الذين تحوّلوا بالمجتمع السفاردي الدمشقي إلى ما يشبه المجتمع الوهّابي المعاصر، من تغطية النساء بكاملهنّ بالسواد والفصل الشديد ما بين المجتمعين الذكوري والأنثوي. فصار المجتمع اليهودي في دمشق القديمة في القرنين 16 و17 رمز التديّن الشديد والمحافظة التقليدية.

عرف القرنين 17 و18 عودة واسعة للمسيحيّين بمختلف طوائفهم إلى دمشق القديمة، حيث رُمّمت الكنائس القديمة بأموال المسيحيّين من أهل مناطق الشام المختلفة. إذ دعم المجتمع الكاثوليكي في حوران تطوير الطائفة الكاثوليكية في دمشق، كما دعم المجتمع الأرثذكسي في جبال القلمون تطوير طوائف السريان الأرثذكس في دمشق. بالإضافة إلى تأثّر سريان دمشق بنشوء كنيسة السريان الكاثوليك في حلب سنة 1662، ما أنشأ كذلك طائفة للكاثوليك بين سريان دمشق خلال القرن 17، ونالت دعماً من حلب ومن روما مباشرة.

وهكذا نرى أنّ مجريات التاريخ تنفي وبوضوح أسطورة تقاسم المسلمين والمسيحيّين لدمشق القديمة، وما تجمّع المسيحيّين واليهود والمسلمين اليوم في أحياء تخصّهم في دمشق القديمة غير أثر عن التدمير الشامل الذي نتج عن حرب السنوات السبع ما بين المغول التيموريّين والمماليك الشركس، وما تبعه من تراكم المهاجرين في دمشق… هذه المدينة التي كان يردّد دمشقيّوها قديماً “مين شرب ميّاتها صار منها”.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك