معالم, تاريخ, دمشق, سوريا

حي القنوات، حيث تتّكئ اليوم تكيّة السلطان سليمان

في العهد العثماني كان حيّ القنوات هو مدينة دمشق عملياً. كلّ الحكايا والأخبار التي ورثناها في تدوينات دمشقيّي العهد العثماني والتي تتحدّث عن أحداث حدثت في دمشق؛ حدثت فعليّاً في حيّ القنوات. ففي هذا الحيّ مبنى جامعة دمشق القديم، والمتحف الوطني، ومبنى بلدية دمشق العثمانية، ومقرّ شرطة محافظة دمشق، ووزارات الداخلية والسياحة والإعلام، ومبنى إذاعة دمشق القديم والتكية السليمانية وحمّام الجديد، وآخر ما بُني في الحي هو محطّة الحجاز التي عرفها الدمشقيّون باسم محطّة القنوات، والتي كان من المفروض أن توصل المسافرين من الحجاز إلى عتبات مدينة دمشق، أطراف حيّ القنوات، بالإضافة إلى اشتغالها كمحطّة رئيسة لخطوط حديد دمشق وضواحيها.

وعلى هذا، فحيّ القنوات مع الشاغور والمدينة المسوّرة القديمة يمثّلون معاً مدينة دمشق القديمة، ولو لم يُحط بها جميعاً سور. إذ كان عهد الأسوار قد بطُل في زمن إنشاء هذا الحي. وهذه الكتلة هي فعلاً مدينة دمشق جغرافياً؛ منذ أفول الإمبراطورية العربية وحتّى نهاية القرن 19. وبكلّ حال، كلّ من كتب عن دمشق في الفترة ما بين القرنين 14 و19 قصد حيّ القنوات، ففيه كلّ المنشآت المقصودة.

خريطة أحياء مدينة دمشق
خريطة أحياء مدينة دمشق

بدأ نشوء حيّ القنوات حين ابتنى الملك الظاهر بيبرس البُنْدُقْدارِي (وهو قازاقي الأصل) قصراً لنفسه في المكان الذي تقع فيه اليوم التكيّة السليمانيّة. وكان قبله قصراً للأمير الفاطمي، فلمّا سكن فيه الظاهر بيبرس رمّمه وزاد من عمارته وزخرفته وكلّف مهمّة البناء المهندس المعماري الدمشقي إبراهيم بن غنائم الذي سمّاه الأبلق، وبن غنائم هو من صمّم كذلك المدرسة الظاهرية الجوّانية (1). وكانت هذه المدرسة قبلها داراً لأيّوب والد صلاح الدين؛ السلطان الشهير. ولمّا كانت من أملاك الدولة في القرن 13 جعلها الظاهر بيبرس مدرسة للقضاة على المذهبين الحنفي والشافعي، ثمّ دُفن فيها، ثمّ اشترى ابنه الملك السعيد ناصر الدين دار العقيقي المجاورة سنة 1277 وصارت تربة أهله. وهي إلى جوار حمّام العقيقي الذي اشتراه الملك كذلك وسمّاه حمّام الملك الظاهر، وجعله صدقة جارية عن روح أبيه… عموماً الحمّام ودار العقيقي ودار الأفضل نجم الدين أيوب كلّهم مبنيّون سنة 985 لأحد سياسيّي الدولة الفاطميّة في دمشق؛ واسمه أحمد بن الحسين العقيقي (2). فهذه منشآت عمرها اليوم 1050 سنة.

بإنشاء قصر الأبلق وعودته مقرّاً للإمارة في دمشق، نشأ إلى جواره حيّ سكنيّ من القصور، وصارت الأعيان تتسابق لابتناء دور لها حول الطريق المؤدّي من باب النصر إلى القصر. وبهذا صار في هذا التجمّع أرقى أحياء دمشق في العهد المملوكي، حيث تقيم الطبقة الأرستقراطيّة وأثرياء المدينة. ومنحت الناس الحيّ اسم القنوات بسبب قناطر رومانية ترفع قنوات لنقل مياه الشرب إلى دمشق (3). وطالما أنّ الحيّ إلى جوار قصر الإمارة فقد تنامت من حوله كذلك كلّ الدوائر الحكوميّة الخاصّة بولاية شام، ابتداء بالعهد الأميري الفاطمي ثمّ الملكي الأيّوبي ثمّ الملكي المملوكي ثمّ السلطاني المملوكي ثمّ السلطاني العثماني.

والقصر الأبلق هو القصر الذي تضرب به المثل العرب فى الحصانة والمنعة (4)، وعلى الأغلب هو معنى مستوحى من كلمة بلق التركية التي تستعملها القازاق بمعنى جبل، طالما أنّ الظاهر بيبرس من القازاق. وكثيراً ما يصف الشوام الرجلّ القويّ الثابت بكلمة جبل، وتقابلها في الأشعار العربيّة في معنى مطابق كلمة أبلق وبليق.

وكان قد بدأ حيّ القنوات بالظهور أوّل مرّة على يد الأمير جمال الدين آقوش النجيبي الصالحي النجمي، نائب الملك الظاهر بيبرس على دمشق لتسع سنوات، وهو ثاني أمراء الشام في عهد المماليك. سبقه في المنصب الأمير عزّ الدين أيدمر العلى، المولع بترميم المساجد وترتيبها والإنفاق عليها. وكان الأمير أيدمر قد ابتنى لأهله داراً إلى جوار القصر الأبلق وفي حرم أرضه، فسمّتها الناس حارة خانقاه القصر، أي الملاصقه للقصر. ولمّا كلّف الظاهر بيبرس أستاذه الأمير آقوش بنيابته على دمشق؛ كلّف آقوش النجيبي أيدمر بالقاهرة، وأخذ داره ونزل فيها، وصارت تسمّيها الناس بالخانقاه النجيبيَّة (5) ثمّ بنى فيها الأمير تربة لأهله ومدرسة، ولم يُدفن فيها. ولم يبق اليوم من أثر للقصر النجيبي ولا المدرسة سوى خانقاه المولويّة في التكيّة السليمانيّة (6). وكان الأمير آقوش النجيبي قد أمر ببناء مدرسته إلى جوار مدرسة كانت باسم الأمير نور الدين الشهيد، ما يعني أنّ الحارة كانت موجودة في العهد الزنگي ولم ينشئها الأمير.

لمّا غزا تيمور لنگ دمشق لمحوها من الوجود سنة 1401، دمّر القصر الأبلق، ثمّ أعادت دولة المماليك بناء جزء من القصر بشكل أصغر وأبسط وأبقته مقرّاً لإمارة دمشق، وتركت إلى جواره أطلال القصر القديم (7). ولمّا حضر السلطان العثماني سليم الأوّل دمشق سنة 1517 نزل فيه، وبقي داراً لوالي إيالة شام حتّى سنة 1560 حين هُدم القصر وأزيلت الأطلال واستُعملت حجارتها جميعاً في بناء التكيّة السليمانية والمدرسة السليمانية سنة 1566. وكان المشروع مطروحاً من آخر عهد المماليك، من قِبل النائب سيباي نائب السلطان المملوكي على ولاية الشام. لإنشاء مقرّ جديد للحكومة ودار للإمارة في دمشق. وكان قد كلّف النائب سيباي المعلّم السلطاني شهاب الدين بن العطار في تصميم المشروع، لكنّ ضعف حكومة المماليك وفسادها في آخر عهدها أخّر المشروع.

سنة 1554، لمّا كلّف السلطان سليمان القانوني وزير عمارته سنان پاشا بإقامة التكيّة، عاد الأخير إلى المهندس شهاب الدين بن العطار الذي كان قد درس المشروع قبل أربعين سنة في عهد المماليك، وكلّفه بإعادة تصميم وتنفيذ المشروع الجديد، وكلّف بن العطّار مهندساً مدنيّاً للإشراف على التنفيذ هو ملّا آغا الفارسي. والتكيّة في المصطلح العثماني كما السلجوقي تعني الدير، وهذه من بقايا مصطلحات الديانة الزرادشتيّة. ولمّا كان الإسلام خالياً من الرهبنة فقد كانت التكيّة تقوم بذات المهام التي يقوم بها الدير الزرادشتي؛ دون أن يكون سكّانها رهباناً. لكنّها بقيت منشأة خاصّة بالرجال من أتباع المدارس الصوفيّة، الذين يصرفون وقتهم في الدراسة وطلب العلم والتدريس، بالإضافة إلى خدمات تقديم الطعام مجّاناً للمحتاجين وإسكان المقطوعين وعابري السبيل. 

في العهد العثماني أضيفت إلى مهام التكيّة السليمانية مهمّة العناية بالحيوانات المتقاعدة، فكان إلى جانب التكيّة أرض مرج واسعة محاطة بالأشجار بمساحة 250 ألف متر مربّع؛ تسمّى أرض النعنع، لأنّ الناس كانت تترك فيها حيواناتها التي صارت أنعنع من أن تقدر على الخدمة. أمّا الحكومة فقد أطلقت عليها آنذاك وقف الخيل في ميدان الأبلق. وكان وقف الخيل قد تأسّس في عهد الأمير نور الدين زنگي لرعاية الخيول التي تقاعدت عن خدمة العسكر. واستمرّ الوقف بالعمل في العهود التالية؛ الأيّوبي والمملوكي ثم العثماني، لكن ما تغيّر في العهد العثماني هو تحوّل مسؤولية الوقف من قصر الإمارة إلى التكيّة السليمانية، بالإضافة إلى إنشاء مشفى لتطبيب الحيوانات المقيمة في أرض الوقف.

وكانت هذه الحيوانات تتقاعد في أرض التكيّة على نفقة الحكومة؛ صارفة آخر سنيّ عمرها بدلال من طلّاب مدرسة التكيّة السليمانية. وبعد نهاية الدولة العثمانية أُهملت أرض النعنع وصار اسمها مرج الحشيش، وفُقدت أوقافها وجمعيّتها منذ 1918، ثمّ عسكرت فيها القوات السنغالية والجزائرية التي استقدمها الجيش الفرنسي في عهد الاحتلال، ثمّ بُني ما بين المعسكر الفرنسي والتكية مبنى المتحف الوطني سنة 1936، ثم تحوّلت أرض المعسكر سنة 1954 إلى معرض دمشق الدولي الذي هجرها سنة 2003، فكلّفت أسماء الأسد شركة Atelier Loidl Landschaftsarchitekten البرلينيّة لبناء مشروع زهرة مسار سنة 2011 (8)، ثمّ توقّف المشروع في العام التالي، ليستغل الأرض هذه السنة سوق رمضان الخيري التابع لوزارة الأوقاف.

في الواقع، تبدأ حكاية هذه الأرض من العهد السلجوقي حين منعت الحكومة العبّاسية البناء والزراعة فيها لتركها متنزّهاً لأهل دمشق وهي أرض محصورة بين فرعين لنهر بردى (9)، فأطلقت عليها الناس اسم ميدان السيران، ثمّ صار وقف الأمير نور الدين زنگي لرعاية الخيول على جزء من هذا المتنزّه، وبقي متنفّساً جميلاً لأهل دمشق لألف سنة تالية في مقام Central Park المعاصر لأهل نيويورك. قبل أن يأكله التمدّن العشوائي مذ سقطت دمشق تحت الاحتلال الفرنسي، وإلى اليوم.

خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية
خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية

وهكذا نقرأ بين هذه الحكايا مكانة وقيمة حيّ القنوات لأهل دمشق، وأنّ القنوات كان فعلاً مدينة دمشق القديمة خلال السنوات الألف الأخيرة، إلى جانب المعالم التاريخية في المدينة القديمة المسوّرة، فمن أراد لمس روح دمشق العبّاسيّة والأيّوبيّة والمملوكيّة والعثمانيّة فليزر حيّ القنوات. هذا الحيّ الذي يمثّل اليوم قلب مدينة دمشق.

المراجع

  1. راغب السرجاني. قصر الأبلق، منزل السلاطين والأعيان بدمشق. قصة الإسلام.
  2. ابن بدران. كتاب منادمة الأطلال مسامرة الخيال. صـ119
  3. Burns, Ross (2005). Damascus: A History. Routledge. p. 58.
  4. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع-أبو عبيد عبدالله بن عبدالعزيز بن محمد البكري الأندلسي، القرن 11. قال الأعشى: «بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير غدّار»
  5. النعيمي. كتاب الدارس في تاريخ المدارس. صـ134.
  6. عبد القادر بدران. كتاب منادمة الاطلال ومسامرة الخيال. المكتب الإسلامية، بيروت، الطبعة: ط2، 1985.
  7. راغب السرجاني. قصر الأبلق، منزل السلاطين والأعيان بدمشق. قصة الإسلام.
  8. Massar Rose Park. Hers Khazeen. 2011.
  9. قتيبة الشهابي, أحمد إيبش. معالم دمشق التاريخيّة. مكتبة المتنبي للطباعة والنشر والتوزيع. 1998.

رأي واحد حول “حي القنوات، حيث تتّكئ اليوم تكيّة السلطان سليمان”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s