معالم, تاريخ, خرائط, سوريا

حكاية حيّ الميدان الدمشقي من بني عبد شمس إلى العهد العثماني

حيّ الميدان هو أكثر أحياء دمشق عروبة، يتّصل بدمشق القديمة عبر حيّ الشاغور، معقل الحركات الدمشقيّة اليساريّة في العهد العثماني، وهو الذي انتشرت عنه الأفكار العلمانية في حيّ الميدان. وفي الشاغور تأسّس النادي العربي، فصار حيّ الميدان مهد الحركات القوميّة العربيّة في دمشق، ووُلد فيه حزب البعث العربي.

خريطة أحياء مدينة دمشق 2021
خريطة أحياء مدينة دمشق سنة 2021

تبدأ حكاية حيّ الميدان سنة 639 مع استلام يزيد بن أبي سفيان ولاية دمشق. إذ لمّا حضر يزيد دمشق عسكر أهله من بني عبد شمس في منطقة هي اليوم ساحة باب مصلّى، وكان أهل القرى المحيطة من المسيحيّين الأرثوذكس الذين بقوا على مسيحيّتهم بأغلبهم إلى اليوم. وكان الأمويّون كمن سبقهم من الروم والرومان مولعين بسباقات الخيل ومضارباتها، فصار لهم في المعسكر ميداناً لسباقات الخيل، استمرّ بوجوده وحياته طيلة حياة الدولة الأمويّة. وهو سبب اسم المنطقة.

وكان يزيد بن أبي سفيان قائداً على ربع جيش الدولة الإسلامية الذي حارب في معركة اليرموك سنة 634 بينما كان أخوه معاوية أميراً على طليعة جيش يزيد. وبعدها أمّره أبو بكر على جند الأردن ثمّ جمع عمر بن الخطّاب إلى إمارته جند فلسطين؛ في وقت كان فيه معاذ بن جبل أميراً على جند دمشق. فلمّا مات معاذ بطاعون سنة 639 أمّر عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان على جند دمشق الذي استخلف عنه أخوه الأصغر معاوية على جند الأردن وفلسطين. وهكذا صار لبني أميّة من بني عبد شمس إمارة أجناد دمشق والأردن وفلسطين؛ من أجناد الشام.

وما هي سنة حتّى مات يزيد بن أبي سفيان هو الآخر في ذات الطاعون، فأمّر عمر بن الخطّاب معاوية دمشق سنة 640. ثمّ في عهد عثمان بن عفّان صار معاوية بن أبي سفيان أميراً على أجناد الشام الخمس كلّها، بما يشمل إلى جانب أجناد دمشق والأردن وفلسطين، أجناد حمص وقنّسرين، وصارت دمشق هكذا عاصمة للأجناد الخمس، ومجلساً لوالي الشام. وكان لبني أبي سفيان إقطاعات كبيرة في غوطة دمشق وما رغبوا بالابتعاد عنها، ما حرّض معاوية على البقاء في المدينة حتّى بعد أن صارت له إمارة الشام كلّها. وكانت إمارة الشام قبلها في طبريا.

كثيراً ما كان يخرج معاوية بن أبي سفيان للتنزّه والتسلية بسباق الخيل؛ فيخيّم في أرض معسكر أهله الأوّل في منطقة الميدان وبين منازلهم، وحيّ الميدان آنذاك هو منطقة باب مصلّى المعاصرة فقط. وبسبب اهتمام الأمير وأهله بسباقات الخيل فقد فرشوا المنطقة بطبقة سميكة من الحصى، فصار اسم المنطقة هو ميدان الحصى. وأنشأ عسكر الأمويّين لهم حصن في وسط المنطقة فصار اسم منطقته عبيدان الحصن.

ميدان سباقات الخيل الروماني الذي كان في بيروت، وهو نموذج لما صنعه الأمويّون في حي الميدان الدمشقي قبل تحوّله إلى حي للتجارة الدولية.
ميدان سباقات الخيل الروماني الذي كان في بيروت، وهو نموذج لما صنعه الأمويّون في حي الميدان الدمشقي قبل تحوّله إلى حي للتجارة الدولية.

بقي حيّ ميدان الحصى منطقة لممارسة رياضة سباقات الخيل وغيرها من فنون الرياضات الشعبية العربية حتّى نهاية العهد الأموي، ثم صارت في العهد العبّاسي ضاحية تجارية تخيّم فيها القوافل التجارية العابرة للطرق التجارية التي تعبر دمشق، فصار سوق ميدان الحصى بمنزلة السوق الدوليّة في دمشق. يتاجر فيه تجّار جملة الجملة، وتقام فيه المخازن والخانات والحانات والمطاعم وقاعات المضاربات. وكثيراً ما أنشأت عائلات تجارية مهمّة من حول العالم مخازن لها في منطقة ميدان الحصى، وتركت أحد أبنائها وصيّاً على فرعهم فيها، فتكاثرت هكذا العائلات من أنساب مختلفة في المنطقة.

سنة 1208 أمر الملك العادل بإنشاء مسجد مصلّى العيدين في وسط ميدان الحصى في منطقة عبيدان الحصن، وهو سبب تحوّل اسم المنطقة اليوم إلى جامع باب مصلّى. إذ جاء تصميم المسجد مفتوحاً من كل جدرانه بأبواب عريضة ليناسب شعائر صلاة العيد. والملك العادل هو سيف الدين أبو بكر محمد الدويني شقيق الملك الناصر صلاح الدين الأيّوبي. وبإنشاء مسجد مصلّى العيدين صار في المنطقة منشآت دينيّة غيرها؛ جعلت للمنطقة أهمّيّة في موسم الحج، كما سنرى لاحقاً.

في فترة غزوات المغول في القرن 13 نزحت مجموعة من أهل بلدة ٱلسُّخْنَة إلى دمشق ونزلوا قرب حي ميدان الحصى، وكانوا جميعاً من عرب تغلب وبأغلبهم مسيحيّين. وتقع ٱلسُّخْنَة وسط سوريا المعاصرة تتبع حمص وتتوسّط الطريق ما بين مدينتي حمص ودير الزور. وأسّس السخاني قرية صارت تُعرف باسم القبيبات لأنّ سقوف بيوت القرية كلّها قباب على نمط بيوت التغالبة شمال شرق سوريا. ونسبة لمهجرهم أطلق عليهم الدمشقيّون نسبة السخّانة، وأنشأت لهم دولة المماليك لاحقاً مسجداً للقرية كان يُسمّى بمسجد القبيبات، هو اليوم جامع الدقّاق الكريمي.

في العهد الأيّوبي نشأت منطقة صناعية على الطريق ما بين دمشق القديمة وحي ميدان الحصى، امتلأت بورشات ومعامل تخدم سوق ميدان الحصى، وعلى عادات محكيّات الشام تلك الفترة أطلقت الناس على هذه المنطقة اسم السويقة، تصغير سوق، وهي نمط أيّوبي من الأسواق الصناعية التي يُبنى لها مسجد صغير وحمّام كمنشآت خدمية للعمّال في ورشاتها، لكنّها غير مخدّمة لعدد أكبر من الزوّار، فليست سوقاً مفتوحة.

في العهد المملوكي أنشأت الحكومة وحدة إدارية ضمّت منطقة ميدان الحصى والسويقة وقرية القبيبات، وجعلت مركز إدارة هذه الوحدة قرب مسجد باب مصلّى، فصار اسمها إدارة الميدان، وعمّ الاسم على المناطق الثلاث جميعاً. وفي نهاية العهد المملوكي في القرن 15 صارت ولاية شام منطقة تجارة حرّة فيها نفوذ كبير للدولة العثمانية. ونزل العثمانيّون آنذاك في منطقة الميدان، طالما أنّها المنطقة التجاريّة الدوليّة الأهمّ في دمشق، فتوسّعت المناطق السكنيّة وملأت الفراغات ما بين الأحياء الثلاث، وظهر شكل حيّ الميدان القديم كما نعرفه اليوم.

في العهد العثماني ومع مطلع القرن 16 نزل العساكر العثمانيّون بعائلاتهم في حيّ الميدان فزاد عدد سكّانه وشهد توسّعاً كبيراً بسبب الوافدين الجدد. وطوّرت أيالة شام العثمانيّة من إدارة الحيّ آنذاك وأعادت تقسيمه إلى وحدتين إداريّتين هنّ: الميدان الفوقاني والميدان التحتاني. والميدان الفوقاني هو ما كان سابقاً قرية القبيبات، أمّا التحتاني فهو ميدان الحصى.

واختارت أيالة شام العثمانية أن يكون حيّ الميدان هو مكان تجمّع حجّاج بيت اللّه الحرام قبل انطلاق قافلتهم إلى الحجاز. فصار الميدان مكان إقامة أمير الحج، ثمّ سنة 1636 أمر والي أيالة شام أحمد پاشا كوجك الأرناؤوط بإنشاء تكيّة لإطعام الحجيج والعاملين على قافلة الحج الشامي. وأنشأ للتكيّة منزل ينزل فيه الحجّاج أوّل وصولهم إلى دمشق، بالإضافة إلى مسجد معروف اليوم باسم مسجد العسالي، نسبة إلى الإمام الذي ولّاه الوالي أحمد شؤون التكيّة. وهو الشيخ أحمد العسالي شيخ الطريقة الصوفيّة الخلوتيّة. وهو مدفون تحت قبّة مسجد التكيّة وإلى جواره الوالي أحمد پاشا كوجك. لاحقاً صارت القبّة محطّة محمل الحج، يستريح تحتها عشرة أيّام لالتقاء وتسجيل الحجيج وكتابة حجّة التسليم، وريثما يُتمّ الحجّاج أوراقهم ويجهزون للرحيل، فصار اسمها بين الناس قبّة الحاج.

شهد حيّ الميدان توسّعاً عمرانيّاً وازدهاراً اقتصادياً كبيراً في العهد العثماني، حتّى صارت من مراسم قافلة الحجّ أن تمشي في شارعه الرئيس قبل الرحيل إلى الحجاز. وإلى جانب موسم الحجّ كان لحيّ الميدان ثلاث مواسم تجارية كبيرة سنوياً. أكبرها رابعها موسم الحج. لذا ظهرت في الحيّ الأسواق التجارية المتخصّصة بمستلزمات الحجيج. كما ظهرت مذّاك مهن وحرف خاصّة بموسم الحج، هي: المقوّمين، والدوجيّة، والقاطرجيّة، والعكّامة، والعتّالة، والخيميّة، والسقّاية، والدلاليّة، والخدّام (وهم فتيان يافعون ممّن يرافقون المرضى وكبار السن من الحجيج). ومن هذه المهن بقيت اليوم أسماء لعائلات الميادنة العريقة.

خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية
خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية

سنة 1918 احتوى حيّ الميدان الدمشقيّ على أكبر قاعدة شعبيّة للحكم الملكيّ الهاشميّ في سوريا. ثمّ، سنة 1925 احتضن حيّ الميدان ثوّار المقاومة ضدّ الاحتلال الفرنسيّ ممّن وفدوا من جبل حوران. كما صارت بيوته مستودعات سلاح تخفيها عن أعين المخابرات العسكريّة الفرنسيّة. وكان لبيوت الأحياء المسيحيّة فيه الدور الأبرز في حماية الثوّار بسبب خشية القيادة الفرنسيّة آنذاك من إغضاب مسيحيّي سوريا.

وكانت اجتماعات ودعوات الثورة قد انعقدت أوّل ما بدأت في النادي العربي في حيّ الشاغور. في تلك الفترة شهد أحد فتيان حيّ الميدان أحداث الثورة وتداعياتها وكان على 15 سنة، ثمّ واظب على زيارة مكتبة النادي العربي والاستماع إلى خطبائه. وهذا الفتى كان ميشيل عفلق الذي انضمّ سنة 1929 إلى الجمعية العربية السورية في پاريس، ثمّ أسّس في دمشق سنة 1940 حركة البعث العربي بالشراكة مع رفيق طفولته صلاح الدين البيطار، ابن حيّ الميدان هو الآخر. وتحوّلت هذه الحركة سنة 1947 إلى حزب البعث العربي.

بكلّ حال، سنة 1966 استولى تيّار وهيب الغانم على حزب البعث وأطاح القيادة التاريخية التي سمّاها بلسانه “برجوازية دمشقيّة صغيرة” وعزل الدمشقيّين عن إدارة مدينتهم؛ ليتحوّل حزب البعث من بعدها إلى أسوأ أداة تدمير اقتصادي عرفتها سوريا في تاريخها. لكنّ حيّ الميدان بقي من أهمّ أحياء دمشق على المستويين؛ التجاري والثقافي، وبقي حتّى مطلع القرن 21 أهمّ ملتقيات الدمشقيّين في سهراتهم الصيفيّة وسحراتهم الرمضانية.

المراجع:

  • أحمد بوبس. حي الميدان الدمشقي. وزارة الثقافة السورية. 2014.
  • بريجيت مارينو. حي الميدان في العصر العثماني. ترجمة ماهر الشريف. دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع. 2000.
  • قتيبة الشهابي. معجم دمشق التاريخي. منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية. 1999. جـ2. صـ40
  • محافظة دمشق. صفحة منطقة الميدان.
  • خالد تاجا. محمل الشام، صورة من أيّام الحج البعيدة. إسلام أون لاين.
  • محمّد .م أروناؤوط. من المعجم السوري الجديد: حي العسالي الذي نشأ حول تكية عثمانية. أورينت. 2012.
  • جريدة الأنباء الكويتية. أوابد تدمر التاريخية تحت رحمة داعش. 2015.
  • أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي. تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها، وتسمية من حلٌَها من الأماثل، أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها. 1163.
  • محمد كامل الخطيب. الدكتور عبد الرحمن الشهبندر (الأعمال الكاملة)، الثورة السورية الوطنية – مذكرات عبد الرحمن الشهبندر. منشورات وزارة الثقافة السورية. الطبعة الثانية. 1993. صـ 10.
  • شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحَمَوي. معجم البلدان. 1228. جـ1 صـ38.
  • محمد رسلان طحان. أعلام الصحابة الذين ولوا دمشق. دار البشائر الدمشقية. 2009.
  • مؤنس بخاري. سيرة أرباب الانقلاب. مدوّنة البخاري. 2019.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s