معالم, تاريخ, خرائط, دمشق, سوريا

حكاية حيّ ساروجه الدمشقي

طالما أنّ الدول الكبرى المتعاقبة على دمشق قد أنشأت لكلّ منها قسماً جديداً في مدينة دمشق، فلعلّك تتساءل عن القسم الأيّوبي-المملوكي من المدينة، طالما أنّ مملكة المماليك البحرية هي امتداد للمملكة الأيّوبية واستمرار لها ولأنظمتها وجيشها، مع اختلاف الأسرة الجالسة على العرش، لا أكثر.

خريطة أحياء مدينة دمشق 2021
خريطة أحياء مدينة دمشق

يسمّى القسم الأيّوبي-المملوكي من دمشق اليوم بحي ساروجه، وهذا الحي المعاصر يجمع في مناطقه أرضي اثنين من أحياء دمشق القرون الوسطى، هنّ حي ساروجه القديم وحيّ القصّاع، بالإضافة إلى العمارة البرّانيّة؛ الحيّ الذي نشأ في الأساس وخلال القرن 13 توسّعاً لسكّان دمشق القديمة خارج باب الفراديس، فسمّته الناس بحيّ الفراديس. ثمّ نال اسمه العمارة البرّانية؛ في القرن 14، نسبة إلى “عمارة الأخنائي” لبهائها، والتي كان أنشأها “شمس الدين محمّد الأخنائي” خارج باب الفراديس. (1)

أمّا تسمية الحي بساروجه فتأتي من اسم الأمير شادّ الدواوين صارم الدين صاروج المظفّري (2) ويُعرف الأمير كذلك باسم صارم الدين أوزبك (3)، فهو من عشيرة أوزبك خان القپچاگي. أمّا لقب شادّ الدواوين فهو رتبة وظيفيّة تعني مساعد الوزير والمشرف على استخلاص الأموال، وعادة كان أمير عشرة فرسان (4). فهو في مقام وزير المالية في زمننا المعاصر. وصار الحي يُنسب إلى اسمه صاروجة بسبب العمائر التي بناها في سويقة كانت له اسمها سويقة الصاحب (5). والأمير صاروج من المماليك الأتراك القپچاگ وهو على قرابة بالظاهر بيبرس. 

مع الزمن حوّل أهل دمشق اسم صاروجة إلى ساروجه، وكان هو الحيّ الذي يقيم فيه تجّار المماليك في دمشق وفيه أهمّ صناعاتهم ومستودعاتهم، وينافس حيّ الميدان؛ حيّ الصناعات العثمانية في دمشق في القرن 15. ولمّا أخذ العثمانيّون دمشق في القرن 16 أخذوا كذلك حيّ ساروجه من المماليك وطردوهم عنه، ونظراً لمساعيهم لمحو ذكر المماليك في دمشق حاولوا كذلك محو اسم الأمير صاروج؛ وروّجوا أنّ اسم الحيّ مشتقّ في الأساس من اسم اللون الأصفر بالتركية سَرِه Sarı (سارو). وهذا غير صحيح.

واستحوذ الحي على أفئدة رجال الجيش والإدارة العثمانيّين، وأخذ يحتلّ وظيفة المركز الأهم الذي يفضله رجال الإدارة والجيش وأفراد البعثات الدبلوماسية الأجانب على المركز القديم للمدينة القديمة داخل السور، حيث مكّنت فسحة الأرض الواسعة وتوفر المجاري المائية من التوسع آنذاك في تنظيم الطرقات والأزقّة وبناء الأبنية السكنية، ومنشآت المرافق العامة المختلفة مثل الإدارات والجوامع والمدارس والحمامات، الخ… وفق مخطّطات أكثر انتظاماً وأكثر فرجة، بالمقارنة مع المدينة القديمة داخل السور، ومظاهر شرقية أكثر تطوراً وأكثر غنى بالتزيينات الزخرفية التي تأخذ في الكثير من وحداتها وعناصرها الفنية ملامح الأبهة. كما يقول الباحث د. ساطع محلّي في وصف اسطنبول الصغرى؛ حي ساروجه الدمشقي.

أمّا حيّ القصّاع فاسمه في الأصل هو “بيت لهيا”، وكانت الناس تعبر منه طريقاً إلى قرية “مقرى” التي تصل شرق دمشق القديمة بسفح قاسيون. وكانت قرية مقرى من قرى اليمانية في غوطة دمشق، نزلوا فيها لمّا صار جند دمشق من مخاليف اليمن، وكانت قرية مقرى هي مقرّ المخلاف ومنزل أهله (6). وقد سكنها الكثير من العلماء والأثرياء في العهدين الأموي والعبّاسي. وكانت مقرى تعد من متنزهات دمشق، وبقيت عامرة الى منتصف القرن 16 حيث اندثرت، ثمّ سكن إلى شمالها الأكراد النازحين من العراق. أمّا في عصرنا فلم يبق في تلك الجهة إلا طاحونة على نهر ثورا يدعوها سكّان البساتين بطاحونة (مقري). وبقيت بيننا كذلك عائلة المقري أحد عائلات دمشق ذات الأصل اليمني.

سنة 1213 أنشأت طائفة الحنابلة جامعاً لها في المنطقة، وكان الجامع آنذاك بمثابة الدير في مجموع منشآته ومبانيه، وأُطلق على مسجده اسم المسجد المظفّري؛ نسبة إلى مظفّر الدين أبو سعيد الكوكبري، حاكم الموصل وأربيل (7). وكان لطائفة الحنابلة سويقة يصنعون فيها القْصَاعْ (القَصْعَات) وهي أطباق خزفيّة تُستعمل للطعام. وكانت السويقة ما بين حدائق الصفوانيّة (الصوفانية) والبساتين الزينبيّة ونبع بذات الاسم.

حدائق الصفوانيّة منسوبة إلى منازل قبيلة الصفوانيّة العربيّة التي حضرت إلى دمشق من محافظة الرقّة في العهد الأيّوبي أو الزنگي. لكن، بعد قرون وفي العهد العثماني تحوّلت المنطقة إلى حدائق ومتنزّه لأهل دمشق على النمط العثماني الراقي الذي نراه اليوم في حديقة غولهانة في اسطنبول. وبقيت هذه الحديقة في مكانها إلى اليوم وتغيّر اسمها من الصفوانية إلى الصوفانية، لكنّ مساحتها تقلّصت كثيراً عن المساحة الأصلية. وكانت الحكومة العثمانية قد استخدمت الحديقة كمسرح لطلّاب ثانويّة مكتب عنبر، واستمرّت المدرسة بتنظيم أنشطتها السنوية في الحديقة حتّى سنة 1935.

بعد مقتلة الدروز والموارنة في سوريا ولبنان ما بين سنوات 1840 و1860 امتدّت مجازر هذه الحرب الأهلية أخيراً إلى دمشق واستهدفت الكاثوليك. حين احتلّ فصيل درزي من جبل لبنان دمشق القديمة ودوما لثلاث أيّام؛ وشرع بقتل الكاثوليك وبتدمير مبانيهم. وتركت الفصائل المسيحيّين الأرثوذكس آنذاك لم تمسسهم. وعلى إثر هذه المقتلة نزح من تبقّى من مسيحيّي دمشق القديمة ودوما وغيرها من قرى غوطة دمشق والقلمون الكاثوليكيّة؛ إلى البساتين الزينبية إلى جوار سويقة القصّاع وبدأت بذرة حيّ القصّاع هكذا بالإنتاش والنموّ ( 8 ).

خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية
خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية

مع تنامي أعداد بيوت السكّان في حيّ القصّاع الجديد قامت الحكومة العثمانية بتنظيمه سنة 1896، وأرسلت الدنمارك بعثة تبشيريّة لإغاثة النازحين وأنشأت في ذات السنة مشفى لها في المنطقة، تخلّت عنه لاحقاً إلى البعثة الاسكتلانديّة التي غيّرت اسمه إلى مشفى ڤكتوريا، نسبة لاسم ملكة بريطانيا، بينما سمّاه الناس المشفى الإنگليزي. وهو ذاته المشفى الذي غيّرت الحكومة اسمه سنة 1958 إلى مشفى الزهراوي. ومع تنظيم 1896 نشأت مدارس؛ يوحنّا الدمشقي، والراهبات العذرية (بلابل المحبّة)، والمعونة الدائمة.

سنة 1904 أنشأت البعثة الفرنسية مشفى لها مقابل المشفى الإنگليزي وأطلقت عليه اسم مشفى القدّيس لويس Hôpital de Saint-Louis وهو واحد من سلسلة مشافي فرنسية بذات الاسم بدأت في پاريس سنة 1611 بوقف من الملك هنري الرابع Henri IV. ثمّ سنة 1911 أشرفت الحكومة العثمانية على التنظيم الثاني للحيّ، وخطّت شوارعه ومنشآته الحكومية على النمط العثماني الفرنجي، الذي ساد في تلك الفترة. وفي التنظيم الثاني أنشأت الحكومة العثمانية الكثير من الملاعب والأندية في الحيّ، مثل نادي الصليب الغسّاني ونادي النهضة وغيرها. وكان لكلّ نادٍ مساحات خضراء ومنشآت تناسب أنشطته.

سنة 1925 أنشأ الجيش الفرنسي شارع بغداد لأغراض عسكرية، إذ كان مشفى القدّيس لويس قد تحوّل إلى مشفى عسكري عقب فرض الانتداب على سوريا. وكان الشارع مخطّطاً سنة 1915 من عهد والي سوريا العثماني خلوصي بك وكان من المفترض أن يسمّى على اسمه شارع خلوصي، لكن انقلاب 1915 وخلع جمال پاشا للوالي خلوصي، واشتعال الحرب العالمية الأولى، كلّها ظروف أخّرت تنفيذ الشارع. ثمّ نفّذه الجيش الفرنسي ليكون طريقاً آمنة وسريعاً ما بين حيّ ساروجه والمشفى الفرنسي في حيّ القصّاع. 

وفي نفس السنة وعقب اشتعال الثورة السورية قرّرت إدارة الاحتلال الفرنسي في دمشق ضرورة جمع كلّ المسيحيّين الدمشقيّين في حيّ واحد هو حيّ القصّاع، فشرعت في سنتي 1926-1927 بقصف حيّ الميدان الدمشقي بالطائرات الحربية لإجبار مسيحيّيه الأرثوذكس على النزوح عن الميدان إلى القصّاع، وكان القصف بحجّة ملاحقة المتمرّدين (الثوّار) الدروز الذين يهاجمون الحيّ قادمين من جبل حوران. وبخطوات مماثلة من حواجز وإرهاب دفعت فرنسا الكثير من مسيحيّي قرى الغوطة إلى النزوح كذلك إلى القصّاع، وأسكنتهم في الملاعب والأندية التي صارت كلّها اليوم مبان سكنيّة.

وهكذا ومع تنامي عدد سكّان الحي، قامت حكومة المسيو سولومياك Léon Solomiac بتنظيم ثالث لحيّ القصّاع سنة 1931 (9)، ترافق مع إنشاء كنيستي الصليب والكريملوس. وبنت الحكومة آنذاك مساكن جديدة على الطراز العمّالي الفرنسي من طبقة واحدة. ثمّ سنة 1945 ومع التنظيم الرابع دخل البناء الحديث حيّ القصّاع وانتشرت فيه المباني الطابقية، وفق مخطّط المهندس الفرنسي ميشيل إيكوشار Michel Écochard العائد إلى تنظيم سنة 1931 (10).

ومن أهمّ معالم شارع بغداد، الرابط ما بين ساروجه والقصّاع، معهد اللاييك، ومسجد لالا باشا، وشارع الأزبكية حيث كانت تقيم الفرقة العسكرية الأوزبكية التي أحضرها المماليك القپچاگ لحراستهم في دمشق. وعلى القرب منها منزل الشيخ مراد علي البخاري وهو اليوم المدرسة المرادية البرّانية، وهي كانت منشآت زاوية للبخارية في المنطقة من سنة 1426، من بقاياها حمّام الورد وجامع الورد (11).

أنشأت معهد اللاييك سنة 1929 البعثة العلمانية الفرنسية المعروفة باسم اللائيكية. واستغرق البناء ثلاث سنوات نفّذته شركة Erlanger الفرنسية وبتصميم فرنسي كلاسيكي. ومن سنة 1932 درّس معهد اللاييك أغلب السياسيين والنخبة التي أدارت سوريا حتّى عهد الوحدة الناصري. سنة 1961 صار اسمه معهد الحريّة، ثمّ قامت حكومة البعث بتأميمه سنة 1967، ثمّ آلت ملكية المعهد لوزارة التربية السورية سنة 1978، ثمّ تغيّر اسمه إلى معهد الشهيد باسل حافظ الأسد سنة 1994. وكانت الحكومتين السورية والفرنسية قد وقّعتا اتّفاقاً سنة 1992 لاتّخاذ المعهد مقرّاً رائداً لتعليم اللغة الفرنسية ليُشرف على تأهيل مدرّسين سوريّين ومسؤولين تربويين قادرين بدورهم على نقل خبرتهم وتأهيل كوادر المستقبل. (12)

ويجدر الانتباه إلى أنّ معهد اللاييك مبنيّ قبالة مسجد لالا باشا تماماً، وهو مسجد أنشأه في القرن 16 ضابط عثماني اسمه لاله قره مصطفى پاشا. حيث لاله تعني مدرّس السلطان، وقره تعني شجاع. ومصطفى پاشا ضابط عثماني بوسني، اشتغل معلّماً للسلطان العثماني سليمان الأوّل (القانوني). سنة 1549 توفّى بايليرباي مصر داوود پاشا، فأرسل السلطان سليمان مصطفى پاشا إلى القاهرة لإدارة شؤون مصر ثمّ عيّن سيمز علي پاشا بايليرباي على مصر في مكانه. ولكي لا يخفّض السلطان سليمان من رتبة معلّمه مصطفى پاشا جعله بايليرباي (بكلربك) على دمشق، ومنها أدار إيالتي الشام وحلب (13). وفي منصبه طرد البنادقة عن قبرص سنة 1570 وصارت من أملاك ولاية الشام، ثمّ طرد الصفويّين عن القوقاز سنة 1578 فكافأه السلطان العثماني مراد الثالث سنة 1580 بمنصب الصدر الأعظم لعدّة أشهر قُبيل وفاته.

بكلّ حال. احتفالاً بانتصاره على البنادقة سنة 1570، أنشأ لاله قره مصطفى پاشا مسجدين خضعا لإدارة واحدة، الأوّل هو مسجده في دمشق والثاني هو مسجد لالا مصطفى پاشا في الماغوصة في قبرص. وكان البايليرباي قد أطلق اسم آيا صوفيا على مسجده في الماغوصة لكنّ الحكومة في عهد الاحتلال البريطاني غيّرت اسمه سنة 1954 إلى جامع لالا مصطفى پاشا. وهو في الأصل كاتدرائية كاثوليكية من سنة 1328 اسمها كاتدرائية القدّيس نقولا، حوّلها البايليرباي إلى مسجد سنة 1571 دون تغيير عمارتها. (14)

المراجع:

  • محمد أحمد دهمان، معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، 1990، دار الفكر المعاصر.
  • محمد عبد الله سالم العمايرة، المعجم العسكري المملوكي، 2011، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع.
  • فؤاد صالح السيد، معجم ألقاب السياسيين في التاريخ العربي والإسلامي، 2011، مكتبة حسن العصرية.
  • شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي، شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل، 1998، دار الكتب العلمية.
  • عبد الله عطية عبد الحافظ، معجم أسماء سلاطين وأمراء المماليك في مصر والشام، دار النيل.
  1. أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي. تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها، وتسمية من حلٌَها من الأماثل، أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها. 1163. جـ2 صـ186.
  2. نجوى زهار. ابتسامة بيضاء. 2004. صـ119.
  3. أبي العبّاس تقي الدين أحمد المقريزي. كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية. قرن 15. جـ4 صـ104.
  4. شهاب الدين الخفاجي. شفاء الغليل فيما في كلام العرب من دخيل. صـ51.
  5. أبي العبّاس تقي الدين أحمد المقريزي. كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية. قرن 15. جـ3 صـ147.
  6. أبي عبد الله شمس الدين محمّد بن علي بن طولون الدمشقي الصالحي. القلائد الجوهريّة في تاريخ الصالحية. 1250. صـ59-60.
  7. Jami’ al-Hanabila. archnet. 
  8. باسل أبو شاش. “القصاع” عراقة المدينة القديمة بنفس معاصر. Esyria. 2011.
  9. World Statesmen. Syria. 
  10. von Osten, Marion. “Michel Ecochard”. Trans-cultural Modernism. Retrieved 26 March 2014.
  11. خالد عوّاد الأحمد. حي ساروجة بدمشق القديمة.. اسطنبول الصغرى ومربط خيول الثوار والفاتحين. اقتصاد. 2015
  12. مدرسة اللاييك. المعرفة.
  13. محمود عامر. “المصطلحات المتداولة في الدولة العثمانية”. مجلة دراسات تاريخية. قسم التاريخ – جامعة دمشق (117–118). 2012.
  14. cm.gov.nc.tr. A SHORT HISTORY OF GAZIMAGOSA WITHIN THE WALLS.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s