طائفة الجهل

أحد الكتّاب المفضّلين لقراءاتي هو المؤلّف الأميركي-الروسي إسحق آزيمُڤ Isaac Asimov، وأحبّ كتابات آزيمُڤ لما فيها من إشارات واضحة وصريحة للأخطاء الاجتماعية؛ مع جرأة إسحق المميّزة على انتقاد الشائع والتقليد، حتّى ولو كلّفته انتقاداته الكثير من الهجمات الشعبيّة المضادّة. وأثق بآراء هذا الرجل لأنّه شخص علميّ كيمحيوي، اشتغل في تدريس الكيمياء الحيويّة في جامعة بوسطن طيلة حياته.

سنة 1980 نشر إسحق آزيمُڤ مقالة عنونها “طائفة الجهل” The Cult of Ignorance وكان غاضباً آنذاك من نتائج الانتخابات الأميركية التي دفعت بالحزب الجمهوري إلى الحكم ووضعت رونالد ريگن Ronald Reagan في البيت الأبيض. وبالغت موالاة ريگن آنذاك بالاحتفال بانتصار “قوى التغيير الشعبيّة” حتّى أنّها أطلقت على فترة رئاسة رونالد ريگن اسم “ثورة ريگن” The Reagan Revolution معتبرة إيّاها حركة تصحيحيّة على مسار السياسة الأميركيّة الخارجيّة. وكانت مقالة آزيمُڤ من القوّة بحيث أنّها عادت إلى الحياة وصارت مصدر إلهام للكثير من الصحفيّين المناهضين لفترة حكم ترمپ الجمهوري هو الآخر، والذي صعد إلى السلطة معتمداً على أصوات “طائفة الجهل” نفسها التي هاجمها آزيمُڤ سنة 1980.

في مقالته كتب آزيمُڤ “هناك طائفة جهل، وكانت على الدوام موجودة. سلالة من معاديّ الفكر لها على الدوام مسلك ثابت في مسعاها متسلّلة عبر حياتنا السياسيّة والثقافيّة، تغذّيها فكرة خاطئة مفادها أنّ الديمقراطيّة تعني أنّ “جهلي مساوٍ لمعرفتك.””. وفي العبارة الأخيرة من الاقتباس هاجم آزيمُڤ عادات الديمقراطية التي تنصّ على تساوي حريّات الجميع بغضّ النظر عن قدراتهم المعرفيّة، وهي فعلاً من مصائب الديمقراطيّة السياسيّة حين تتاح الفرصة لمن يسهل التلاعب بآرائهم لكي يتحكّموا بمصائر أهل المعرفة، فيتّجهون بالبلاد وبالمجتمع على متنه إلى الخراب. وهي المساواة التي تناقض العدل.

ومعاداة الفكر (1) هي ذاتها الذي سمّاها العرب منذ القرن 9 ”معاداة العقلانية” (2) وأطلق عليها المؤرّخ الأميركي ريتشارد هوفستاتر Richard Hofstadter تسمية “عبادة الجهل” (3). وهذا المذهب هو النزعة التي تمارسها نخبة اقتصاديّة وشعبويّة بمعاداة الفكر، فتعادي العلم والثقافة والتفكير المثقّف وتهمل المثقّف وتزدريه وتناهض وجوده. وغالباً ما يتزعّم مذهب معاداة الفكر روّاد من الشعبويّين، الذين يصعدون إلى المنابر من خلال وضعهم “الشعب” في مواجهة “النخبة” فيكون هذا التقسيم هو مسندهم الأساسي لزعم مطالبة الشعب باستعادة حقوقه التي استلبتها النخبة المثقّفة… هي عادة من دعوات تحريك الغوغاء، تماماً كما فعل ترمپ في فترته الرئاسية في الولايات المتّحدة الأميركية. 

معاداة الفكر هي المذهب المضاد تماماً للمذهب العقلاني (الفكرانيّة بمصطلحات اليوم)، إذ أنّ المذهب العقلاني يصرّ على إعمال العقل في كلّ واحدة من تفاصيل الحياة من دون إيمان مطلق. أي أنّ حياة الإنسان ينبغي أن تكون مستمدّة من تحكيم المنطق العقلي والاستنتاجات الذاتية والاجتهاد في تبيّن الحقائق. أمّا على المستوى الاجتماعي فيصرّ مذهب العقلانية على منح الفرصة واسعة للتفكير قبل اتّخاذ قرارات مصيريّة قد تؤثّر على المجتمع ككلّ، مع تغييب كامل للعاطفة والمشاعر العاطفية. 

وكان من نجوم المذهب العقلاني القدامى القرطبيّين ابن رشد ومُوسَى بْن مَيْمُون، وتلميذهم الإيطالي توما الأكويني صاحب مذهب التوماويّة في الكنيسة الكاثوليكيّة. ومن حياة هؤلاء الثلاث وردود الفعل “الشعبويّة” على منشوراتهم وأفكارهم، نستطيع قراءة مثال موجز لطبيعة علاقة التضاد الدائمة عبر التاريخ ما بين مذهب معاداة العقلانية والمذهب العقلاني.

في هذا الشهر يمرّ في ألمانيا حدث انتخابات سيحدّد مصير الواجهة السياسية في البلاد، ويقرّر ما إذا كان الحزب المسيحي مستمرّاً في قيادة ألمانيا، أم أنّ منصب المستشارية سيتغيّر ليتّجه إلى حزب غيره. سيّما وأنّ ميركل قد قرّرت سلفاً أنّها ستتقاعد بعد هذه الفترة ولن تترشّح إلى فترة جديدة، في ذات الوقت الذي تخلّت فيه عن زعامة الحزب المسيحي الديمقراطي.

وبغض النظر عن كلّ التحليلات التي تبرّر سبب تراجع شعبية خلفاء ميركل من أهل الحزب المسيحي في ألمانيا، وقع الحزب بخطأ قاتل خلال السنوات السبع الأخيرة حين اعتمدت جماعة ميركل على تحويل العامّة إلى أعداء للحزب المسيحي دون قصد. إذ دأبت الآلة الإعلامية الخاصة بالدائرة المحيطة بميركل على تصوير هذه الدائرة الصغيرة كنخبة تحاول العبور بالحزب إلى ضفاف الأمان، وسط تلاطم أمواج اليمين القومي العاتية. وصبّت جماعة ميركل جام الانتقادات على الأغلبية في الحزب المسيحي كردّ على انتقادات فصائل CDU نفسها لزعامة ميركل والمطالبة بتغييرها على رأس الحزب. 

أي أنّ جماعة ميركل قالت للشعب الألماني أنّ حزب CDU جيد فقط لأنّ ميركل على رأس الحزب، لا لسبب آخر.

Angela Merkel
Angela Merkel

معركة ميركل للحفاظ على زعامة الحزب المسيحي أفقدت هذا الحزب شعبيّة ألمانيّة حافظ عليها طيلة السنوات الـ16 الماضية. في الواقع يعتبر الألمان أن حزب CDU هو حزب النهضة الألمانية بسبب منجزاته الهائلة في الفترة ما بين 1949 و1969. ويعتبرون كذلك أنّه حزب الوحدة بسبب قيام الوحدة الألمانية في عهده الثاني ما بين 1982 و1998. هذا ميراث مهمّ يكاد الحزب اليوم أن يكون سبباً بخسارته بعد مطالبات قيادات مهمّة من الحزب المسيحي بمعاقبة ميركل وعزلها عن القيادة نتيجة “أزمة اللاجئين” كما تسمّيها الأوساط السياسية الألمانية.

هكذا، ولتنقذ ميركل سمعتها ما كان لها خيار غير تصوير دعوتها لقبول اللاجئين في ألمانيا على أنّه الخيار الأسلم لصيانة الاقتصاد الألماني، فصارت مجموعتها الصغيرة في الحزب بمكانة النخبة التي تواجه شعبويّة الأغلبيّة داخل الحزب، هذه التي ستؤذي ألمانيا بجهلها وبعرقلتها لسياسة النخبة “التي تفهم”. ولكثرة ما هاجمت نخبة ميركل شعبويّة الحزب المسيحي اقتنع الكثير من الشعب الألماني بأنّ CDU صار حزباً شعبويّاً لا يصلح لقيادة البلد، والألمان بأغلبهم من شعوب العصر التي تفضّل أهل المذهب العقلاني على تسليم المناصب السياسية لمعادي الفكر، خوفاً من وقوع البلد تحت رحمة طائفة الجهل، كما سمّاها آزيمُڤ. طائفة الجهل التي لعبت بعواطف الألمان قبل عقود فأشعلت حرباً عالمية كادت تخسر فيها ألمانيا كلّ شيء.

مخطّط نولان؛ الطيف السياسي، عن السياسيّ الأميركي ديڤد نولان David Nolan سنة 1969.  الخط القطري المتقطّع في الوسط يشير إلى الطيف السياسي التقليدي.
مخطّط نولان؛ الطيف السياسي، عن السياسيّ الأميركي ديڤد نولان David Nolan سنة 1969. الخط القطري المتقطّع في الوسط يشير إلى الطيف السياسي التقليدي.

هكذا، باتت من الخيارات القليلة أمام حزب CDU لاستعادة شعبيّته والحصول على أصوات الفوز بالانتخابات، إمّا تحويل الحزب إلى قاعدة شعبويّة تتطرّف إلى اليمين من خلال الإقرار بخطأ قرار ميركل فتح الباب للاجئين والانقلاب عليهم لمنافسة AfD على أصوات ناخبيه القوميّين، ما يهدّد الحزب بخسارة أصوات الوسط لحساب اليسار. أو الانحياز بالحزب إلى اليسار أكثر والإصرار على نخبويّة جماعة ميركل، ما يعني تخلّي المسيحي الديمقراطي عن مكانته اليمينيّة المحافظة التقليديّة، وهذا انقسام حزبي، يهاجم اليمين الألماني كلّه ويضعه في خانة الشعبويّين الجهلاء.

المراجع:

1 المعجم الموسوعي لمصطلحات المكتبات والمعلومات. تأليف أحمد محمد الشامى و سيد حسب الله.

2 محمد سامي الكيال. من التراث الكندي وتجار الدين.

3 Anti-intellectualism in American Life. Book by Richard Hofstadter.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك