اليابان, تاريخ

نظرة على تقاليد التصوير اليابانية

حاولت تقليد لوحة السوسن التي رسمها سنة 1934 المبدع الياباني “فكُدا هيه هَچيرو” 福田平八郎… طبعاً لا مجال للمقارنة ما بين سويّة فكُدا الراقية وخطواتي البدائية… لكنّني حاولت، لشدّة ما أحبّ هذه اللّوحة. ورسمتي هي الثانية بينما هذه هي لوحة السوسن لفكُدا.

لوحة السوسن لفكُدا
لوحة السوسن لفكُدا

عاش الرسّام فكُدا هيه هَچيرو ما بين نهاية القرن 19 ونهاية القرن 20، وأبدع مدرسة يابانية جديدة خاصّة به. واشتغل لوحاته على مبادئ النيهونگا؛ المدرسة التي تعتمد على استعمال مواد يابانيّة تقليديّة لرسم اللّوحات، بالإضافة إلى تقنيّات وأعراف إبداعية تتوارثها اليابان طيلة آلاف السنين. فالنيهونگا هو إصرار المبدع الياباني على استعمال تقنيّات ومواد يابانية محلّية تقليدية لإبداع فنّ يبزّ فنون العالم… هي الثقة بميراث الأجداد للمنافسة في السوق العالمية.

كلمة نيهونگا 日本画 مكوّنة فعليّاً من كلمتين هنّ: نيهونگ 日本 وهو اسم اليابان بلسان أهله. بالإضافة إلى كلمة كا 画 التي تعني صورة أو لوحة. فتصبح نيهونگ+كا معاً بمعنى لوحة يابانية… بكلّ بساطة. وكانت مدرسة النيهونگا التقليدية قد بدأت بالظهور سنة 1900 رغبةً من الأوساط الفنّية اليابانية لمنافسة الأنماط الغربية وإبداع فن ياباني معاصر، حديث؛ ومستمدّ من الأعراف اليابانية التقليديّة في ذات الوقت.

قامت المدارس التقليدية بدمج ثلاث مدارس فنّية تراثيّة معاً من خلال انتخاب الصفات والتقنيّات الأفضل بينها جميعاً وإعادة توليفها لإنتاج مدرسة اللوحة اليابانية النيهونگا. التفاصيل موثّقة لأنّ هذه الأحداث حدثت باجتماعات رسمية بين أساتذة الفنون الكبار من كلّ أرجاء اليابان، التقوا في قصر الإمبراطور وتباحثوا على توفيق مدارسهم الفنّية وإيقاف حركة التنافر والتنافس التي أعقبت حقبة إيدو 江戸時代. 

وإيدو هو اسم مدينة طوكيو القديم. وكانت فترة إيدو قد بدأت سنة 1603 وانتهت سنة 1868 بسقوط إيدو في نهاية حرب بوشين 戊辰戦争؛ الحرب الأهلية اليابانية. عقبتها فترة فوضى وتنافس ما بين مدارس الفن اليابانية في عهد “ميه جي” 明治 الإمبراطوري، انتهت سنة 1900 بفضل رعاية الإمبراطور لمؤتمرات فنّية أنتجت أخيراً مدرسة النيهونگا الحديثة.

وتُرسم لوحات النيهونگا عادة باستخدام الفراشي على الحرير أو على الورق الياباني ڤاشّي 和紙، وتؤسّس الورقة بمادّة تسمّى گوفُن تُصنع من مسحوق كربونات الكالسيوم المستخلص من قشور المحّار أو الزلفية أو الإسقلوب (المحّار المروحي). ولصناعة الگوفُن يُسحق المحّار لدرجة شديدة النعومة ثمّ يرشّ كأساس جاف على الورقة، وبعد رسم اللوحة يرش كذلك على سطحها كمادّة حافظة للألوان… وهذا سرّ الطبيعة الناعمة لألوان النيهونگ وما تولّده فينا من عواطف هادئة عند النظر إليها.

ولرسم لوحات المونوكروم يستخدم رسّام النيهونگ الحبر الصيني المصنوع من هباب الفحم الممزوج مع الغراء المصنوع من عظام السمك أو من جلد حيوان. أمّا لرسم لوحات الپوليكروم، كلوحة السوسن التي قلّدتها هنا، فيستعمل الرسّام أصباغ مصنوعة من مواد طبيعية، مثل المعادن والأصداف والمرجان والأحجار الكريمة الرخيصة مثل الملكيت والأزوريت والزنجفر. وتُسحق هذه المواد حتّى تتحوّل إلى مساحيق شديدة النعومة؛ ثمّ تمزج بالغراء الحيواني، ثمّ تمدّد بالماء في أثناء الرسم.

حكاية فنّ النيهونگا هي فعلاً حكاية رعاية النظام السياسي لتكوين هوية ثقافية وفنّية يابانية، يعتزّ بها المواطن الياباني ويباهي بها أمام الناس. هي حكاية دراسة حقيقية للتقاليد والأعراف المحلّية لإعادة إنتاجها بصيغة توائم العصر… لم يتمسّك الناس بالتقاليد بشكل أعمى، ولا تركوا أنفسهم سيّباً للهويّات الوافدة من الخارج. إنّما جلسوا وتفاهموا وأبدعوا مدرسة فنّية جديدة، تحافظ على الأعراف وتنتشر في العالم لتقديم اليابان بما ينافس ما تعرضه الأسواق من منتجات هذا العالم المحلّية.

بكلّ حال، بينما استعمل السيّد فكُدا لرسم لوحته سنة 1934 موادّاً يابانية فاخرة مثل الحرير والگوفُن والحبر الصيني والألوان الطبيعية… استعملت أنا ألوان مائية عادية صنعها الغرب، وآمل أن تعجبك رسمتي.

لوحة السوسن لمؤنس بخاري
رسمتي التي قلّدت فيها لوحة فكُدا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s