اليونان أتراك!؟

اليونان أرادوا إثبات اختلافهم الجيني عن جيرانهم الأتراك، فقاموا بإجراء دراسة جينيّة أظهرت انتماء أصولهم إلى ذات الموطن الذي ينتمي إليه أسلاف الترك!

أثار اهتمامي خبر نشرته صحيفة “المراسل اليوناني” قبل يومين، تعبّر فيه عن سعادتها بخروج نتائج أوّل دراس جينيّة لرُفاة من تعتبرهم اليونان أصول الإغريق القدامى، والمراسل سعيد بكشف أصول الشعب اليوناني بشكل علميّ سيؤكّد، برأيه، تنافر الخريطة الجينيّة على طرفي الحدود التركيّة-اليونانيّة. لكن، ما لم يدركه الناشر اليوناني أنّ نتائج هذه الدراسة تؤكّد تناسب الأتراك واليونانيّين وليس العكس، وبعمق يعود إلى آلاف السنين. وبدأ الخبر على صحيفة المراسل اليوناني بالفقرة التالي:

للمرّة الأولى، حصل علماء على مادّة وراثية وقاموا بتحليل تسلسل الجينوم من المينوانيّين (المينويّين) والموگِنيّين (الميسينيين) القدامى، الذين عاشوا قبل ثلاثة إلى خمس آلاف عام. ويشير التحليل الجديد إلى تشارك المينوانيّين والموگِنيّين قدراً كبيراً من تراثهم الجيني. د. يوسف لازريديس Iosif Lazaridis وزملاؤه من مدرسة هارڤارد الطبّية في ماساچوستس الأميركيّة قاموا بدراسة رُفاة المدافن الباقية من الحضارة المينوانيّة، التي ازدهرت على جزيرة كريت ما بين 2600 ق.م حتّى 1100 ق.م (1)، بالإضافة إلى الثقافة الموگِنيّة (الميسينيّة) التي ازدهرت على معظم أراضي اليونان المعاصرة ما بين 1600 ق.م حتّى 1100 ق.م.

د. لازرَيديس أوضح أنّ معظم الأشخاص الذين أنشأوا هذه الحضارات ينحدرون بنسبة 62٪ إلى 86٪ من أسلاف ينتمون إلى ذات الأناس الذين أدخلوا الزراعة إلى أوروپا من الأناضول (تركيا المعاصرة) في العصر الحجري الحديث، بدءاً من فترة تعود إلى 7000 سن مضت. وهؤلاء بدورهم يعودون أصولاً إلى أسلاف هاجروا من العراق، من مزارعي منطقة الجزيرة ما بين دجلة والفرات.

لكن جماجم موگِنيّي ومينوانيّي عصر البرونز كشفت عن أناس ذوي أصول تعود إلى سكّان جبال القوقاز وشمال إيران المعاصرة (أذربايجان). فما بين 9٪ و17٪ من تركيبتهم الجينية جاءت من هذا المصدر. بالإضافة إلى ذلك، تُظهر الورقة البحثيّة التي نشرها الفريق في دورية Nature العلمية (2)، أنّ الموگِنيّين، ولكن ليس المينوانيّين، يُظهرون دليلاً على مُدخلات جينيّة من الأشخاص الذين عاشوا إلى الشمال أكثر، في السهول العشبيّة التي تمتدّ من أوروپا الشرقية إلى آسيا الوسطى. ما بين 4٪ و 16٪ من أسلافهم جاؤوا من هذا المصدر الشمالي.

 أمّا المينوانيّين فمتداول حولهم أنّهم تحدّثوا شكلاً مبكّراّ من اللّغة الإغريقية، لكنّ أقدم لغة مسجّلة تحدّث بها شعب مينوان في جزيرة كريت – والمعروفة باسم Linear A (3)- يمكن قراءتها ولكن لا يمكن ترجمتها، ما يعني أنّها تنتمي إلى مجموعة لغات مستقلّة، غير معروفة، ولا ترتبط باللّغة الإغريقيّة لا من قريب ولا من بعيد.

بعد هذا التحليل الجيني الحديث، تمّ ربط الموگِنيّين (الميسينيّين) بالشعب اليوناني الحديث أيضاً (4). إذ تشير أدلّة الحمض النووي الجديدة إلى أنّ اليونان الأحياء هم بالفعل من نسل الموگِنيّين القدماء، الذين حكموا شبه جزيرة موريا (المورة) وبحر إيجه من 1600 ق.م إلى 1200 ق.م.

الدليل يأت من دراسة قام فيها علماء بتحليل الجينات من أسنان 19 شخص من مواقع أثريّة مختلفة داخل شبه جزيرة موريا وموگناي Μυκῆναι (ميسينيا). وقورنت هذه المعلومات الجينيّة مع مجموعة من 30 فرد ممّن يعيشون اليوم في مختلف أنحاء اليونان. وبموجبه ثبت وجود تداخل جيني يشير إلى أنّ أهل حضارات عصر البرونز هم ذاتهم أسلاف الشعب اليوناني المعاصر.

موگناي، عاصمة مملكة الملك الأسطورة أگَمِمْنُن (أغاممنون) (5)، هي أهمّ وأغنى موقع أثريّ من العصر البرونزي المتأخّر في اليونان. ألهمت أساطير موگناي الشعراء والمؤلّفين الإغريق على مدى قرون عديدة، من ملاحم هوميروس إلى روايات المآسي العظيمة في الفترة الكلاسيكيّة. وطالما ثبت اليوم عودة أصول هذا الملك وشعب مملكته إلى منطقة السهول التي أخرجت أسلاف الترك، فقد يعني هذا أنّ أعظم أسلاف الإغريق هو في الواقع ابن عمّ الترك ومن ذات المصدر الذي خرج عنه الساكا، أسلاف الترك.

وكانت إمبراطوريّة الترك الأولى في آسيا (گوك تورُگ) قد تأسسّت بتحالف جمع شعب المزارعين الصُغديّين بمحاربين من الساكا. والساكا أصولاً هم شعب من البدو ممتهني التجارة الذين نشأوا في منطقة السهول العشبيّة التي تمتدّ من أوروپا الشرقية إلى آسيا الوسطى (6) وهي ذات المنطقة التي يعود إليها أصولاً الموگِنيّين مؤسّسي موگناي في اليونان في فترة 1600 ق.م، بحسب الدراسة الجديدة.

وكان الإغريق القدماء قد أطلقوا على شعب الساكا تسمية ساكَي Σάκαι ثمّ تغيّرت التسمية إلى السكوثيّين Σκύθης في العهد الهيليني. وتسمية ساكا هي في الأصل تحوير عن الكلمة السريانيّة سَكَّا التي تعني الرُماة (الشكّاكين)، بسبب احتراف بدو الساكا لسلاح رمي السهام والحراب في الجيش الأسوري. وكان الساكا قد نزحوا إلى صُغديا وباكتريا خلال القرن الثاني قبل الميلاد حين استعبدهم شعب ييچي 月氏 الصيني واستعملهم في غزواته على وسط آسيا والهند وأطلق عليهم صفة شعب الحدّادين (7). 

وأقدم عواصم الساكا المعروفة هي اليوم مدينة سيمفروپول (آق مَسْجِد) في شبه جزيرة القرم، وكان اسمها قبل الإسلام “المدينة العاصمة للسكوثيّين” Σκυθική Νεάπολις سكوثِكي نياپولِس ( 8 ). 

خارطة مصطلحات التدوينة: سهول الساكا وشبه جزيرة موريا وجزيرة كريت والصغد وباكتريا
خارطة مصطلحات التدوينة: سهول الساكا وشبه جزيرة موريا وجزيرة كريت والصغد وباكتريا

في الفترة الهيلينية وبعدها صار الساكا (السكوثيّين) من أشدّ أعداء الصين، فتحالفوا مع المحلّيّين مشكّلين دولاً جديدة تعادي الصين والمونگول معاً. أهمّها: 

 • خانيّة گوك تورُگ 𐱅𐰇𐰼𐰰:𐰉𐰆𐰑𐰣 (تورُگ بودُن)، نشأت بتحالف قبيلة أثينه (أشينه) من الساكا مع الصُغديّين وأنتجت تسمية الترك، وكانت أولى دول الساكا تحالفاً مع العرب في حرب القرن السابع، وكذلك أوّل دول وسط آسيا تحوّلاً إلى الإسلام. واسمها گوك تورُگ يعني الفرسان السماويّين؛ نسبة إلى لون ثيابهم المصبوغة بلون الساكا المقدّس؛ السماوي. (9)

 • الإمبراطورية الپارثية (المملكة الأشكانية)، أسّستها عشيرة پارني سنة 247 ق.م من الساكا المزارعين عابدي الشمس، ومصدر اسمها پارثيا يأت من اسم عشيرة ملوكها پارني. أمّا الملك المؤسّس فكان اسمه أسّاكه (ومعناها الساكا الأصيل) وهو مصدر تسمية الأسرة الحاكمة أشكان (أسّاكان). والإمبراطورية الپارثية أعادت الاعتبار للديانة البابليّة على حساب الزرادشتية، على الرغم من أنّ هذه الأخيرة كانت ديانة ملوكها.

 • مملكة باكتريا βαχλο (بلخ). مع أنّها كانت قاعدة مقاومة الانقلاب المقدوني في الإمبراطورية الأخمينيّة وبقيت آخر قلاع الأخمينيّين، لكن خلال العهد السلوقي تبنّى بعض سكوثيّي باكتريا الثقافة الهيلينيّة، ثمّ تحالفوا مع المحلّيّين من العرب والإغريق وأستقلّوا بباكتريا سنة 256 ق.م وأعادوا الاعتبار للّغة الآرامية (البابليّة) كلغة رسمية ثانية إلى جانب الإغريقية. بعد نشوء الدولة الإسلامية تحوّلت هذه المملكة إلى ملجأ الساسان ومريديهم النازحين، واستعملتها الصين حربة حروبها مع العرب والترك المسلمين، وتكوّنت فيها اللّغة الفارسية المعروفة اليوم. إلى أن انتصر العرب العبّاسيّون عليها وضمّوها في القرن الثامن، ثمّ نشأت منها المملكة السامانية سنة 819 (10). 

 • مملكة ساكا إستان. بسبب خلافات دينية قام ساكا مملكة باكتريا بغزو المملكة الأشكانية ونتج عن هذا الغزو تأسيس مملكة للساكا غير المزارعين وسط إيران المعاصرة أطلق عليها الپارثيّون تسمية ساكا إستان، الذي تحوّل في العهد الساساني إلى سَكاستان. بعد الإسلام غيّر العرب اسمها إلى سيستان (بمعنى أرض السادة) واليوم هي محافظات سيستان وبلوشستان في إيران، بالإضافة إلى جنوب أفغانستان.

 • مملكة ساكا الهند أو الهند السكوثيّة. نشأت سنة 150 ق.م باستقلال ولايات الهند عن ممالك الخلفاء الهيلينيّة بملوك من الساكا، وهي المملكة الوحيدة التي اعتمدت لغة الساكا الأصلية لغة رسمية دون اندماجها باللّغات المحلّية، وبقيت ناجية حتى فترة 400 بعد الميلاد، حين غلبتها لهجة پالي الآريّة، وهي اليوم في معظمها دولة پاكستان المعاصرة (11).

بالخلاصة، نجد أنّ الساكا وعبر التاريخ كانوا من أهمّ الشعوب تأثيراً في المنطقة ما بين وسط آسيا وشرق أوروپا، وعليه؛ فلا غرابة أن يأتي الكشف الجديد بمعلومات عن ترابط جينات أسلاف الساكا بجينات أسلاف المينوانيّين (المينويّين) والموگِنيّين (الميسينيين) القدامى. ما يعني بالتالي عودة الإغريق إلى ذات السلف المشترك للترك… وهذا ما تنشره وسائل الإعلام العلمية اليونانية اليوم بسبب سعادتهم بنتيجة الدراسة الجينية الأميركية الجديدة. 

والواقع، أنّه بسبب التنافر اللّغوي ما بين اللّغة المينوانيّة القديمة والإغريقية القديمة يبدو وكأنّ الإغريق أو اليونانيّين المعاصرين هم شعب وافد ليس من أصل البلد. وهذا الشعب وفد بلغته وثقافته فاستبدل ثقافة المحلّيّين القديمة وأحلّ الإغريقية مكانها… ربّما في الفترة التي انتهت فيها الحضارة المينوانيّة 1100 ق.م أو بعدها ببضعة قرون. ويبدو أنّ اليونانيّين ما أدركوا بعد، أنّ ربط أسلافهم بأسلاف الترك يعني وبالضرورة أنّهم وجيرانهم في تركيا من سلف واحد. وما عاد بالإمكان الفصل جينيّاً بين شعب الجارتين إلّا بإنكار عودة الإغريق القدامى إلى المينوانيّين والموگِنيّين القدامى والفصل تاريخياً ما بينهم.

المراجع:

1 Gabi Ancarola. Inside the Magnificent Minoan Palace of Knossos in Crete. 2021.

2 Genetic origins of the Minoans and Mycenaeans. {Free Token}

3 Philip Chrysopoulos. Decoding Linear A, the Writing System of the Ancient Minoans. 2021.

4 Stavros Anastasiou. Evidence Suggests Modern Greeks Have DNA Links to Mycenaeans. 2021.

5 Philip Chrysopoulos. The Griffin Warrior: A Staggering Discovery from Ancient Greece. 2021.

6 Grousset, Rene (1970). The Empire of the Steppes. Rutgers University Press. pp. 29–31

7 Benjamin, Craig (2003). “The Yuezhi Migration and Sogdia”. Ērān ud Anērān Webfestschrift Marshak. 

8 North Pontic Archaeology, ed. by Gocha R. Tsetskhladze. Brill Academic Publishers, 2001. Page 167.

9 مؤنس بخاري (2018). خريطة الامبراطورية التركية الأولى.

10 Frye, R. N. (1975). “The Sāmānids”. In Frye, Richard N. (ed.). The Cambridge History of Iran, Volume 4: From the Arab Invasion to the Saljuqs. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 136–161.

11 Ahmad Hasan Dani. History of Civilizations of Central Asia, Volume 2. Motilal Banarsidass Publ. pp. 191–207.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *